
ليس الهدف من المقارنة بين مصر والصين البحث عن تطابق بين تجربتين مختلفتين، وإنما الكشف عن أوجه التشابه في طبيعة الضغوط التي تُمارس على دولتين تقعان في موقعين بالغَي الأهمية داخل صراع دولي وإقليمي يتجاوز حدودهما.
اقرأ أيضا: ارتفاع سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه بداية تعاملات اليوم 3 سبتمبر
فالصين تواجه ضغوطًا متزامنة حول تايوان، وفي مضيق تايوان والممرات البحرية، فضلًا عن التوتر المرتبط بمضيق هرمز وأمن الطاقة والتجارة، بينما تجد مصر نفسها أمام دائرة ضغوط تمتد من حرب غزة ومحاولات فرض واقع إقليمي جديد يخدم التوسع والسيطرة الإسرائيلية، إلى سد النهضة وأمن النيل، والبحر الأحمر، واضطرابات السودان، والأزمة الليبية التي تمثل بالنسبة إلى القاهرة امتدادًا مباشرًا لأمنها الاستراتيجي من الغرب.
وفي الحالتين تبدو الجغرافيا نفسها جزءًا من المشكلة وجزءًا من مصدر القوة في الوقت ذاته. الصين تقع عند تقاطع أهم طرق التجارة والطاقة في آسيا، وتايوان تمثل بالنسبة إليها قضية سيادة وأمن قومي، بينما يمثل هرمز شريانًا بالغ الأهمية لحركة الطاقة العالمية، ومصر، في المقابل، تتحرك عند ملتقى غزة والبحر الأحمر وقناة السويس والسودان وليبيا وحوض النيل، بما يجعل الضغط على أي من هذه الملفات قادرًا على إنتاج تداعيات مباشرة على أمنها القومي. ولذلك فإن ما تواجهه القاهرة وبكين ليس مجرد أزمات منفردة، بل شبكة من الضغوط التي يمكن أن تتقاطع وتتزامن وتستنزف القرار الوطني إذا جرى التعامل معها كل واحدة بمعزل عن الأخرى.
ومن هنا يصبح ملف غزة وتايوان مهمًا في فهم موقف البلدين. فمصر ترى أن محاولة تهجير الفلسطينيين من غزة أو تحويل الحرب إلى وسيلة لتغيير الواقع السكاني والجغرافي في المنطقة تمثل خطرًا على القضية الفلسطينية وعلى الأمن القومي المصري، بينما تعتبر الصين أن تحويل تايوان إلى واقع انفصالي دائم يمس جوهر سيادتها ووحدة أراضيها.
القضيتان ليستا متطابقتين، لكنهما تلتقيان في سؤال أكبر: هل يحق لقوة تمتلك التفوق العسكري والسياسي أن تفرض بالقوة واقعًا جديدًا ثم تطلب من بقية العالم التعامل معه باعتباره أمرًا واقعًا؟؟؟
وهنا تحديدًا يكتسب الموقف المصري من تايوان دلالته. فعندما يؤكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية، فإن الموقف لا يُقرأ فقط باعتباره دعمًا لموقف بكين، بل يأتي منسجمًا مع خطاب مصري أوسع يقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض فرض الحلول بالقوة. وفي البيان المشترك الصادر عقب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، أكدت مصر تمسكها بمبدأ الصين الواحدة ودعمها لموقف الصين بشأن السيادة ووحدة الأراضي، بالتوازي مع الدعوة إلى نظام دولي أكثر عدالة وتعزيز دور دول الجنوب.
وبالمقابل، فإن الصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها مجرد شريك اقتصادي، فالموقع المصري يجعلها دولة محورية في معادلة البحر الأحمر وقناة السويس والشرق الأوسط، كما أن استقرار مصر يرتبط بصورة مباشرة بحركة التجارة والطاقة التي تصل بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإن توسيع التعاون الصيني المصري في البنية التحتية والصناعة والطاقة والتكنولوجيا والتجارة يحمل، إلى جانب قيمته الاقتصادية، وزنًا استراتيجيًا يمنح القاهرة وبكين مساحة أوسع للمناورة في مواجهة الضغوط.
وإذا كانت الصين تواجه محاولة الضغط عليها عبر محيطها الاستراتيجي، من تايوان إلى الممرات البحرية وهرمز، فإن مصر تواجه ضغوطًا موزعة حول محيطها المباشر: غزة شرقًا، والسودان جنوبًا، والبحر الأحمر، وليبيا غربًا، وسد النهضة في الجنوب، فضلًا عن محاولات إعادة تشكيل الإقليم بصورة تمنح إسرائيل موقعًا أكثر نفوذًا وهيمنة. ولذلك فإن التشابه الأهم ليس في طبيعة الملفات نفسها، وإنما في كون البلدين محاصرين بسلسلة من الملفات التي يمكن أن تتحول، إذا تزامنت، إلى أدوات ضغط واستنزاف وإجبار على اتخاذ قرارات تحت التهديد.
وهنا تأتي سياسة ضبط النفس المصرية والصينية باعتبارها عنصرًا مشتركًا في إدارة الأزمة. فالقاهرة لا تريد أن تنجر إلى حرب إقليمية مفتوحة بسبب غزة أو السودان أو البحر الأحمر، كما أن بكين لا تريد أن تتحول أزمة تايوان أو اضطراب طرق الطاقة والملاحة إلى حرب شاملة مع الولايات المتحدة. كلاهما يدرك أن الانتصار في معركة واحدة قد يتحول إلى خسارة استراتيجية إذا فتح الباب أمام عدة جبهات في الوقت نفسه.
ولهذا فإن التقارب المصري الصيني لا ينبغي قراءته فقط باعتباره تحالفًا ضد الولايات المتحدة، فهذا تبسيط لا يعكس طبيعة العلاقة. الأهم أنه يعبر عن محاولة لبناء هامش أوسع للاستقلال في القرار، وتنويع الشركاء والأسواق ومصادر التكنولوجيا والاستثمار، بحيث لا تستطيع قوة واحدة استخدام اعتماد الدولة عليها كورقة ضغط مطلقة. وهذا بالضبط ما يجعل التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والمالي جزءًا من معركة جيوسياسية أوسع، حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة.
اقرأ أيضا: هل عدلت إيران أنظمة صواريخها لإطلاق ألغام في مضيق هرمز؟
أما واشنطن، فرغم احتفاظها بتفوق عسكري ومالي وتكنولوجي هائل، فإن قدرتها على إدارة عدة أزمات في وقت واحد ليست بلا كلفة. والحرب الممتدة في المنطقة تفرض ضغوطًا على المخزونات والجاهزية وتوزيع الموارد، ما يجعل فتح جبهات إضافية أكثر تعقيدًا، حتى وإن ظلت الولايات المتحدة قادرة على خوضها من الناحية العسكرية.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستتحول مصر والصين إلى طرفين في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة؟ بل: هل يستطيع البلدان تحويل هذا التشابه في الضغوط إلى تشابه في إدارة الأزمات، بحيث لا يسمح أي منهما بتحويل الضغط إلى حرب مفروضة عليه؟ فمصر تحتاج إلى منع تحويل غزة والسودان والبحر الأحمر وليبيا والنيل إلى حلقات متصلة تستنزف أمنها، والصين تحتاج إلى منع تحول تايوان والممرات البحرية وهرمز إلى سلسلة من الأزمات التي تستنزف قدرتها على الحركة.
وفي النهاية، فإن جوهر التقارب بين القاهرة وبكين قد يكون أبسط وأعمق في الوقت نفسه: كلا البلدين يواجه محاولات ضغط عبر محيطه الاستراتيجي، وكلاهما يعرف أن أخطر ما يمكن أن يفعله هو أن يخوض الحرب التي يختارها الآخرون وفي التوقيت الذي يحددونه. لذلك يصبح ضبط النفس، وتعدد الشراكات، وبناء البدائل، والتمسك بخطوط السيادة الحمراء، أدوات قوة وعلامات نصر وبشريات تغيير في النظام العالمي أحادي القطب بعد أن أثبتت التجربة فشله في الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين.
اقرأ أيضاًالرئيس الصيني يعرب عن إعجابه بالحضارة المصرية خلال جولته بالمتحف المصري الكبير
من الدرج العظيم لمنطقة البانوراما.. كواليس الزيارة التاريخية للرئيس الصيني لـ المتحف المصري الكبير
الرئيس السيسي وقرينته يصطحبان الرئيس الصيني في جولة تفقدية بالمتحف المصري الكبير
اقرأ أيضا: وزير العمل: المرحلة المقبلة تستهدف تعزيز الربط بين مخرجات التدريب واحتياجات أصحاب الأعمال
