هناك لحظات في السياسة لا تحتاج إلى بيان يقول لك إن شيئًا يتغير.. الصورة وحدها تكفي.
اقرأ أيضا: شيخ الأزهر يدعو إلى تشكيل جبهة موحدة من علماء الأمة لصون هويتها – الأسبوع
زيارة الرئيس الصيني شي جينبينج لمصر، واستقباله من الرئيس عبدالفتاح السيسي، ليست مجرد زيارة بروتوكولية لرئيس دولة كبرى، خصوصًا أنّها تأتي في وقت أصبح فيه الصراع بين أمريكا والصين واحدًا من أهم الصراعات التي تعيد تشكيل العالم.
وأنا شايف إن أهم ما في المشهد ليس فقط ما قيل… ولكن توقيت ما قيل.
مصر خلال السنوات الأخيرة بدأت تتحرك بشكل واضح نحو تنويع علاقاتها الخارجية، وعدم وضع كل أوراقها في يد قوة واحدة.
والرسالة هنا لأمريكا واضحة: مصر لن تقطع علاقتها بكم، ولكن سياسة الضغط على مصر لن تكون بنفس الفاعلية في عالم أصبحت فيه هناك بدائل.
أمريكا ستظل قوة عظمى وشريكًا مهمًا لمصر، وهذه حقيقة. لكن الحقيقة الأخرى أنّ الصين قادمة بسرعة الصاروخ.
قادمة بالمصانع والتجارة والبنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمارات.
لكن بالنسبة لي، المكسب الحقيقي ليس أن نستورد من الصين أكثر.
المكسب الحقيقي أن نجعل الصين تصنع في مصر.
نريد المصانع الصينية داخل مصر، ونريد نقل التكنولوجيا، والسيارات الكهربائية، والإلكترونيات، والطاقة، والصناعات التي تستطيع مصر بعد ذلك تصديرها إلى إفريقيا وأوروبا والعالم العربي.
وهنا تبدأ اللعبة الكبيرة فعلًا.
لأن أقوى موقف تفاوضي لمصر ليس أن تعادي أمريكا، وليس أن ترتمي في أحضان الصين.
القوة الحقيقية أن تجعل الاثنين يريدانك.
تقول لأمريكا: أنا أريد علاقتي معكم، ولكن لدي بدائل.
وتقول للصين: أنا أريد استثماراتكم، ولكنني لن أصبح تابعًا لكم.
وتقول للجميع: مصلحة مصر أولًا.
كلما زادت البدائل أمام مصر، زادت قدرتها على التفاوض.
ولذلك السؤال لم يعد: مصر مع أمريكا أم مع الصين؟
السؤال أصبح: ماذا ستأخذ مصر من أمريكا؟ وماذا ستأخذ من الصين؟ وماذا ستقدم لكل طرف دون أن تفقد استقلال قرارها؟
العالم يتغير أمام أعيننا، والصين أصبحت مركز قوة عالميًا لا يمكن تجاهله، ومصر أصبحت عضوًا في BRICS، والعالم يتحرك تدريجيًا نحو تعدد مراكز القوة.
وهنا موقع مصر يصبح أغلى مما نتصور.
عندك قناة السويس، والبحر المتوسط، والبحر الأحمر، وإفريقيا والعالم العربي، وأكثر من 100 مليون مستهلك، وموقع جغرافي يجعل المصنع الموجود في مصر قادرًا على الوصول إلى ثلاث قارات.
الصين ترى ذلك جيدًا… وأمريكا تراه جيدًا أيضًا.
والذكاء المصري ألا نحول أنفسنا إلى جندي في معسكر أحد، بل نحول موقع مصر إلى ورقة قوة.
وأنا أرى أنّ مصالح مصر الاقتصادية اليوم تجعل الاقتراب أكثر من الصين أمرًا منطقيًا، خصوصًا في الاستثمار والتصنيع والتكنولوجيا.
لكن علينا أيضًا ألا ننخدع بالصور والزيارات والاتفاقيات.
الصين تبحث عن مصالحها.
وأمريكا تبحث عن مصالحها.
ومصر يجب أن تبحث عن مصالحها هي أيضًا.
اقرأ أيضا: بحد أدنى 60%.. موعد بدء تسجيل الرغبات في تنسيق الدبلومات الفنية 2026 عبر موقع التنسيق
لذلك نجاح العلاقة مع الصين لن أقيسه بعدد الاتفاقيات التي يتم توقيعها أمام الكاميرات.
سأقيسه بأربعة أسئلة:
كم مصنعًا سيدخل مصر؟
كم وظيفة ستُخلق؟
كم تكنولوجيا ستنتقل إلينا؟
وكم ستزيد صادرات مصر؟
لو استطعنا تحويل المنافسة الأمريكية الصينية إلى استثمارات ومصانع وتكنولوجيا وفرص عمل داخل مصر، فنحن لا نشاهد مجرد تغيير في السياسة الخارجية…
نحن نشاهد مصر وهي تتعلم من جديد كيف تلعب مع الكبار.
والرسالة التي أراها واضحة:
مصر لن تغلق الباب أمام أمريكا… لكنها لن تسمح لأمريكا أن تغلق أمامها باب الصين.
الصين قادمة بقوة، وأمريكا ستظل قوة عظمى.
والدولة الذكية في هذا العالم الجديد لن تسأل: مع من أقف؟
ولكنها ستسأل:
كيف أجعل الاثنين يحتاجان إليّ؟
وهنا… تبدأ السياسة الحقيقية.
اقرأ أيضا: بعد اتهامه بالضغط على السلطة الفلسطينية.. توني بلير ينفي طلب حذف «فلسطين» من المناهج
