كر وفر بين أمريكا وإيران في حربهما المشتعلة منذ شهور، بمجرد أن تهدأ الأوضاع ويلتقط العالم أنفاسَه، تعود أمريكا لضرب إيران فتقوم إيران بالرد من خلال ضرب القواعد الأمريكية الموجودة بالدول العربية حليفة أمريكا، وكالعادة يخرج الرئيس الأمريكي ليطلق تصريحات لا نعرف إن كان جادًا أو أنه يهزل، فيقول مؤخرًا سألغي مسمى مضيق هرمز وأجعله «مضيق ترامب»!!
اقرأ أيضا: تعرف على 5 خطوات تحميك بعد الوقوع في مسابقة وهمية -جريدة المال
رغم الضربات الأمريكية والأضرار التي تتعرض لها إيران إلا أنها لا تخاف أمريكا، بل تتحدى القوة العظمى وتتبادل معها الضربات، لذلك علينا أن نُعيد قراءة المشهد في ضوء سيكولوجية القوة وعقلية المواجهة، بعيدًا عن توازن القوى العسكرية التقليدي، يكمن السر في تحول إيران من دولة تخشى المواجهة إلى كيان يستلهم قوته من ثقافة المقاومة ذات الجذور الأيديولوجية والدينية، إيران ليست مجرد دولة، بل مشروع وجودي يُعيد تعريف الخوف ذاته.
تُطبِّق إيران مبدأ أو عقيدة النصر أو الشهادة، وهي عقيدة تتجاوز الخوف الجسدي، إذا كان أخشى ما تخشاه أمريكا خسائرها البشرية وصور الأكفان العائدة، فإن إيران تعتنق الشهادة كأساس لقوتها الرمزية، إيران تصدرت البلاغة السياسية بعبارات مثل النصر أو الشهادة، لتصبح الشهادة لدى الجنود الإيرانيين ليست نهاية، بل بداية خلود، هنا يكمن التباعد النفسي الأعمق، أمريكا تخشى من فقدان أرواح جنودها، بينما تبني إيران استراتيجيتها على أن الموت في المعركة أو الاستشهاد، تتويج للجهاد والبطولة، عندما يصطدم جيش يخاف الموت بجيش يقدسه، تنقلب موازين القوى رأسًا على عقب.
كانت حروب الخليج محطات أعادت تشكيل الهوية الإيرانية، تلك الحروب التي شنَّتها أمريكا وحلفاؤها لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت نقلة نوعية في الفكر السياسي الإيراني، أرادت أمريكا تحجيم القوة الإيرانية، لكن النتيجة كانت إعادة تعريف طهران لذاتها كقوة إقليمية لا يُستهان بها، واكتشافها قدرتها على الصمود وتطوير أسلحة ردع جبارة، هذا الإرث وتلك الخبرة حولا الخوف إلى يقظة دائمة، أصبحت أمريكا في الوجدان الإيراني قوة يمكن احتواؤها واستنزافها وليس كيانا خارقا لا يقهر.
خلال هذه الحرب تستنفد أمريكا أسلحتها الفتاكة، نزيف الردع، الأرقام تفضح حالة القلق الاستراتيجي ولدى القوة العظمى، استهلكت واشنطن أكثر من 1500 صاروخ باتريوت في صراعاتها الأخيرة، ما يُشكِّل ضعف إنتاجها السنوي، أطلقت حوالي 1000 صاروخ توماهوك، تمثل ثلث المخزون العالمي.
استخدمت ثلثي مخزون صواريخ ثاد الاعتراضية، هذا النزيف يعني أن أمريكا لم تعد تملك الرفاهية العسكرية لإطلاق العنان لقواتها في جبهة جديدة دون تعريض باقي مصالحها حول العالم للخطر، إيران تقرأ هذه الأرقام على أنها مؤشر قرب نفاد خيارات القوة السريعة، وهو ما يغذي ثقتها بأن عامل الوقت حليفها، وليس عدو ضدها.
اقرأ أيضا: جامعة المنيا توقع مذكرات تفاهم مع جامعتي شمال الصين للكهرباء وبكين للتكنولوجيا
تحارب إيران دفاعًا عن شعبها وكيانها، فتعمل على إطالة الحرب كاستراتيجية متعمدة تستهدف من خلالها توريط أمريكا في مستنقع إيراني، لا تستطيع الخروج منه إلا بتكلفة باهظة، إيران لا تخشى الحرب الطويلة، العكس صحيح، تراهن عليها، كل يوم إضافي في الحرب يعني استنزافًا إضافيًا للاقتصاد الأمريكي في ظل تضخم عالمي، انشغالاً سياسيًا محليًا يضعف الإدارة الأمريكية في الداخل، خاصة في فترات انتخابية حساسة حاليا.
تهدف إيران من ضرب القواعد الأمريكية في الدول العربية على إجبار الحلفاء العرب على الضغط على واشنطن لوقف الحرب، حفاظًا على استقرارهم الداخلي، كما بدا واضحًا مع مواقف السعودية وقطر وعمان التي بدأت ترسم خطوطًا توازنية جديدة بعيدًا عن واشنطن، هذا المستنقع سلاح إيران الفعال، إنها تدرك أن أمريكا ليست خائفة من أسلحة إيران فقط، بل من ساعة توقف عقارب التاريخ لصالح خصم يعرف كيف يكتب نهايات المعارك بصبر مَن يملك الوقت.
توقفت إيران عن استكمال سباق التفجير النووي، لكنها لم تتخلَ عن اللعبة النووية بصورة كاملة، استفادت مما تم تخصيبه من يورانيوم لتطعم به صواريخ فتاكة، تسمى «الصواريخ القذرة» لأنها تحمل في رؤوسها إشعاعًا ذريًا.
صواريخ إيران القذرة ليست بديلًا لأسلحتها الأخرى من الصواريخ الباليستية، بل شيفرة اللحظة الأخيرة وهو ما تخشاه أمريكا وإسرائيل، هذه الأسلحة التي تعتمد على التلويث الإشعاعي لا الانفجار النووي المهول، لا تُستخدم في حرب تقليدية، لكنها تمثل ورقة اليأس التي قد تلجأ إليها طهران إذا شعرت أن وجودها في خطر داهم، تخزينها ليس ترفًا، بل رسالة ضمنية تقول إذا دُفعت للزاوية، فأنا قادرة على تحويل النصر الأمريكي إلى جحيم بتكاليف تنظيف لا تحتمل، وهذا سر آخر من أسرار عدم خوف إيران، إنها تمتلك خيارات تمنحها فرصة إشعال حرب إشعاعية تعطل أي انتصار أمريكي ميداني، في اللعبة الجديدة، لم تعد القوة تقاس بعدد الصواريخ، بل بقدرة الدولة على أن تجعل الخصم يخاف من أن ينتصر، لأن نصرًا باهظ التكلفة هو هزيمة حقيقية، هنا يكمن التحدي الإيراني، هنا يكمن جوهر جسارتها وعدم خوفها من أعتى قوة عسكرية في التاريخ.
اقرأ أيضا: حاتم باشات: بناء الإنسان الإفريقي أفضل استثمار استراتيجي لمصر والقوة الناعمة تحمي الأمن القومي
