
بعد تقديرات لتكلفة أولية للمرحلة الأولى من العاصمة الإدارية الجديدة في مصر بين 58 و60 مليار دولار، وصرف نحو 58 مليار جنيه في إنشاءات مدينة العلمين الجديدة، لم يستقبل رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي زار مصر الثلاثاء والأربعاء، في المدينتين.
اقرأ أيضا: بالصور.. تواصل عملية إنقاذ طفل سقط في بئر ارتوازي بالبيض – النهار أونلاين
وذلك رغم حداثة مبانيهما، ووجود قصور رئاسية جديدة بهما، ومع ما كان سيعود على المدينتين من دعاية عالمية بجولات الرئيس الصيني وحضوره إليهما، ورغم سهولة الحماية الأمنية للرئيس الضيف في ثاني زيارة له إلى البلاد بعد زيارة 2016، في ظل أنظمة أمنية حديثة ومراقبة إلكترونية كاملة، ووجود مبنى “الأوكتاغون” ومركز القيادة الاستراتيجية للبلاد، ومدينة في الصحراء وأخرى على الساحل الشمالي الغربي شبه خاليتين من السكان.
ومع كل تلك التكلفة، ودعاية الدولة المتواصلة لإعمار المدينتين، إلا أن الاستقبال الرسمي وإقامة الرئيس الصيني وقرينته بنغ لي يوان احتضنتها العاصمة التاريخية والمدينة الأثرية، قاهرة المعز لدين الله الفاطمي، وبرغم صعوبة التأمين الأمني وحراسة الضيف ومرافقيه وتكلفة حمايتهم ومخاطر انتقالاتهم وسط 25 مليون مصري بالقاهرة الكبرى وسط شوارع مزدحمة وأكثر ضيقا بسياراتها ومع بينة تحتية متهالكة، زار شي، الأربعاء قصر الاتحادية، والمتحف المصري الكبير، منتقلا بين شرق القاهرة وغربها.
وتزينت شوارع القاهرة الرئيسية بأعلام البلدين وصور الضيف والمضيف، واستقبل السيسي، مساء الثلاثاء، الرئيس الصيني، بمطار القاهرة، وعقدا قمة ثنائية بقصر الاتحادية بمصر الجديدة صباح الأربعاء، تناولت أحداث الشرق الأوسط، والحرب الأمريكية على إيران، وأمن البحر الأحمر ومضيق هرمز.
وتطلبت الزيارة غلق واسع للعديد من محاور شرق القاهرة الثلاثاء، والأربعاء، ومنها طرق صلاح سالم، وطريق النصر، وكوبري 6 أكتوبر، وشارع رمسيس، والطريق الدائري، ثم إضافة محاور في غرب القاهرة ومدينة الجيزة لقرار الغلق، لزيارة شي، إلى المتحف الكبير المطل على أهرامات الجيزة.
وكشف مقطع مصور لمرور الرئيس الصيني فوق كوبري (6 أكتوبر)، إحدى أطول وأهم المحاور التي تربط شرق وغرب القاهرة، بينما تتكدس مئات السيارات أسفل الكوبري في انتظار مرور ضيف مصر.
خارج اهتمامات شي وماكرون
وتساءل مصريون عن عدم نزول الرئيس الصيني إلى العلمين الجديدة إحدى مدن الجيل الرابع، وحيث تقيم الحكومة في مقراتها الصيفية والسيسي بالقصر الرئاسي الفخم بالمدينة الساحلية، والذي استقبل فيه السيسي سابقا رئيس الإمارات محمد بن زايد، وملوك البحرين والأردن حمد بن عيسى وعبد الله الثاني، ورئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الوزراء العراقي الأسبق مصطفى الكاظمي، وغيرهم.
واستغرب البعض عدم هبوط طائرة شي، في مطار العاصمة الجديدة الأحدث مصريا، والمقام على مساحة بلغت 600 فدان، وبطاقة استيعابية تبلغ 380 ألف مسافر سنويا، ويقع عند الكيلو 61 على طريق القاهرة/السويس، ويرتبط بعدة طرق رئيسية مثل طريق السويس والدائري الأوسطي والإقليمي في محيط القاهرة الكبرى.
كما يثار ذات التساؤل، على الرغم من انتقال مؤسسات الدولة والحكومة إلى العاصمة الجديدة، وبرغم مشاركة الشركات الصينية كمقاول رئيسي عبر تحالف (CRCC) و(AVIC)، في بناء المدينة وخاصة منطقة الأعمال المركزية والبرج الأيقوني الأطول بأفريقيا بنحو 385 مترا، ومشروع القطار الكهربائي الخفيف الذي يربط القاهرة بالعاصمة الجديدة ومدينة العاشر من رمضان.
اظهار أخبار متعلقة
لكنه على الجانب الآخر، يرى البعض أن استقبال رئيس الصين بالقاهرة التاريخية وقرب الأهرامات ونهر النيل يكرس صورة مصر كدولة ضاربة في عمق التاريخ، ويتوافق مع تركز الدبلوماسية الصينية على مفهوم “الشراكة بين الحضارات العريقة”.
ويبدو من تصريحات سابقة للرئيس الصيني أنه عاشق للحضارات القديمة، حين قال: “في زياراتي الخارجية، أكثر ما يثير إعجابي حضارات أبدعتها الشعوب”، واستعانته بالمثل المصري الشهير: “من يشرب مياه نهر النيل يعود إليه مرة ثانية” في مقال نشر له قبيل زيارته لمصر.
الأمر الذي قد يفسر حضوره للقاهرة، واهتمامه بزيارة المتحف المصري الكبير، على غرار زيارته لمصر عام 2016، والتي زار خلالها قصر عابدين التاريخي في القاهرة وتناول به عشاءا فاخرا مساء 20 كانون الثاني/يناير 2016، في جولة توجها بزيارة جنوب مصر حيث مدينة الأقصر، وآثارها القديمة الواقعة بعضها على ضفاف نهر النيل، إذا قام بجولة ليلية عبر ممشى معبد الأقصر، بصحبة السيسي.
ولكن جدول زيارتي بيغ، الخالي من العاصمة الجديدة والعلمين الجديدة، والاكتفاء بزيارة القاهرة الأقصر والمتحف الكبير هو ذات التوجه الذي حرص عليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارتيه الأخيرتين لمصر في نيسان/أبريل 2025، وأيار/مايو الماضي.
حينها، حرص ماكرون على القيام في الأولى بجولة تفقدية رفقة السيسي بشوارع القاهرة التاريخية، شملت شارع المعز ومنطقة الحسين وخان الخليلي، فيما زار في الثانية مدينة الإسكندرية التاريخية وقام بعدة جولات رياضية وزار الممشى السياحي على كورنيش الإسكندرية ومنطقة قلعة قايتباي التاريخية، فيها فيما لم يقم بزيارة مدينة العلمين الجديدة القريبة من الإسكندرية، ولم يتوجه للعاصمة الإدارية الجديدة.
رمزية اختيار القاهرة
وفي رؤيته لأسباب استقبال شي، بالقاهرة دون غيرها من المدن الجديدة، قال الكاتب والباحث الإعلامي خالد الأصور، إن “زيارة الرئيس الصيني للقاهرة، في الحقيقة زيارة مهمة، لا سيما أنها لمصر فقط، وليست ضمن جولة خارجية، كما اعتاد رؤساء الدول الكبرى (أمريكا، روسيا، الصين) في زيارتهم بأفريقيا والشرق الأوسط”.
الأصور، في حديثه لـ”عربي21″، أكد أن “هذا لا علاقة له بالنظام الحاكم، بل لأهمية مصر، وقوتها الناعمة وموقعها الاستراتيچي وباعتبارها أيضا أحد الأسواق المهمة للصين بكتلة سكانية تبلغ ما يزيد عن 110 ملايين نسمة”.
ويعتقد أن “الرئيس الصيني نفسه، لو عُرض عليه أن يكون استقباله الرسمي في العلمين أو العاصمة الإدارية، لكان هو الذي رفض، بل أرجح أن ذلك حدث بالفعل، فالصين تهتم بالمسائل البروتوكولية، والعاصمة العتيقة لمصر، بل للشرق الأوسط كله هي القاهرة، والصين دولة حضارة، شأنها كشأن مصر، فالبعد الحضاري والثقافي لا يمكن إغفاله في رمزية اختيار القاهرة لاستقباله”.
أما عن تأمين زيارته، يرى أنه “ليس لدينا تأمين احترافي وسط الجماهير، بل يتم إخلاء الطرق وقت الزيارة، وإذا وجدت سيارات أو جماهير فهي مصطنعة، كما حدث في زيارة الرئيس الفرنسي لقلب القاهرة القديمة”.
اظهار أخبار متعلقة
وإلى جانب أهرامات الجيزة، والمتحف المصري الكبير، والقصور الرئاسية التاريخية، تعج القاهرة بالمناطق الأثرية المفتوحة مثل شارع المعز لدين الله الفاطمي الذي يضم أكبر تجمع للعمارة الإسلامية من مدارس ومساجد وبيوت التاريخية، ومنطقة خان الخليلي أشهر الأسواق التراثية ومقر الحرف اليدوية منذ العصر المملوكي، وقلعة صلاح الدين الأيوبي وبها مسجد محمد علي الشهير، وجامع عمرو بن العاص ومسجد أحمد بن طولون، وغيرهم.
ويشير محللون إلى أن زيارة شي، للقاهرة، قد تكون إحدى عوامل زيادة السياحة الصينية للعاصمة القديمة القاهرة، والتي بلغت لمصر نحو 600 ألف سائح العام الماضي، تمثلت أغلب اهتماماتهم في زيارة القاهرة والمناطق الأثرية في الأقصر وأسوان والمناطق الشاطئية بالبحر الأحمر.
وتُمثل العاصمة الجديدة إحدى مدن الجيل الرابع الذكية ومركزا للإدارة والحكم شرق القاهرة، وتضم الحي الحكومي، والحي الدبلوماسي، ومنطقة الأعمال المركزية التي تحتضن البرج الأيقوني، وساحة الشعب ومسجد مصر والمناطق السكنية الحديثة والنهر الأخضر.
وتقع العلمين الجديدة على ساحل البحر المتوسط وتشمل المنطقة الشاطئية والأبراج الشاطئية الشهيرة، والمنطقة الترفيهية والممشى السياحي، والحي الحضري والمنطقة التراثية التي تضم المسرح الروماني ومتحف لحضارات متعددة.
اقرأ أيضا: وفاة نجمة ديزني كارلا جيفري عن 33 عاماً…
دلالة المكان
وفي إجابته على السؤال: لماذا حضرت القاهرة وغابت العاصمة الجديدة والعلمين في زيارة شي، قال استشاري الإدارة الاستراتيجية الدكتور محمد زويل، لـ”عربي21″: “أرى أن السؤال أعمق بكثير من مجرد مكان استقبال الرئيس الصيني؛ فهو في جوهره سؤال عن دلالة المكان في إدارة الدولة وصناعة صورتها”.
ورجح أن هناك عدة اعتبارات متداخلة: أولها، أن “القاهرة ليست مجرد مدينة إنها عنوان الدولة، وعندما يأتي رئيس بحجم الصيني بزيارة استراتيجية، فالرسالة البروتوكولية والسياسية الأقوى أن يصل إلى قلب الدولة التاريخي والسياسي لا لمدينة جديدة لم تكتسب بعد الرصيد الرمزي والتاريخي للقاهرة”.
وأشار ثانيا إلى “طبيعة الزيارة، وأنها ليست اقتصادية لمشاهدة مشروعات صينية بمصر، وإنما زيارة دولة ذات أبعاد سياسية واستراتيجية واقتصادية وإقليمية؛ فالمباحثات تناولت الشراكة الاستراتيجية والقضايا الإقليمية والدولية بالتوازي مع الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار، ومن هذه الزاوية، قصر الاتحادية أكثر دلالة من أي مبنى حديث مهما كان فخما”.
وثالثا: ألمح إلى أن “الصين نفسها تنظر إلى مصر بوصفها دولة ذات ثقل إقليمي، وليس مجرد مجموعة مدن ومشروعات جديدة؛ والإعلام الصيني قدم الزيارة باعتبارها فرصة لتعميق التعاون الاقتصادي والتنسيق حول قضايا الجنوب العالمي ووصف مصر بأنها شريك اقتصادي واستراتيجي مهم”.
خسائر المدينتين
ويرى الخبير المصري في الإدارة أن “العاصمة الجديدة والعلمين خسرتا اقتصاديا وإعلاميا”، موضحا أنه “اقتصاديا، هناك فرصة تسويقية ضائعة؛ فالدولة أنفقت واستثمرت بكثافة في تقديمهما باعتبارهما واجهة مصر الحديثة، والعاصمة الجديدة تحديدا لها ارتباط مباشر بالشراكة الصينية، كما أن للشركات الصينية حضورًا في مشروعات بالعلمين الجديدة أيضا”.
ويرى أنه “لذلك كانت زيارة شي فرصة هائلة لعرض العاصمة الجديدة أمام الإعلام العالمي، وإبراز حجم التعاون المصري الصيني، وتقديم منطقة الأعمال المركزية باعتبارها نموذجا للتعاون، وإرسال رسالة للمستثمر الصيني والعالمي عن مصر الجديدة، وتحويل الزيارة إلى حدث تسويقي دولي للمشروعات المصرية”.
اظهار أخبار متعلقة
واستدرك: “لكن عدم حدوث ذلك قد لا يعني أن العاصمة الجديدة أو العلمين فشلتا اقتصاديا، فالاستثمارات والعوائد لا تتحدد بمكان نزول ضيف واحد، إنما الخسارة الحقيقية هي خسارة فرصة للـ nation branding؛ أي استخدام حدث دولي كبير لبناء صورة الدولة وتسويقها”.
القاهرة وقائمة الأولويات
وقال زويل: “وهذا يؤكد ضرورة إعادة القاهرة إلى أولوية الدولة، لكن ليس بمعنى إهمال العاصمة الإدارية والعلمين”، موضحا أن المشكلة في رأيه هي أن “مصر لا ينبغي أن تتعامل مع الأمر باعتباره: القاهرة ضد العاصمة الإدارية، والقاهرة ضد العلمين بل ينبغي أن يكون: القاهرة + العاصمة الإدارية + العلمين + الإسكندرية + مدن القناة = منظومة حضرية واقتصادية متكاملة”.
ولفت إلى أن “القاهرة تمتلك ما لا تستطيع مدينة جديدة أن تشتريه بالمال: التاريخ، والرمزية، والكثافة البشرية، والجامعات، والثقافة، والإعلام، والسياحة، والاقتصاد، والذاكرة السياسية، والحضور العالمي؛ وهذا تحديدًا ظهر في استقبال الرئيس الصيني، عبر مراسم الاستقبال في قصر الاتحادية، بما تحمله من رمزية سياسية، كانت جزءًا من الرسالة الدبلوماسية للزيارة”.
ويعتقد أن الرسالة الأعمق هي أنه “لا تستطيع الدولة أن تنقل (روح) القاهرة بقرار إداري إلى مدينة جديدة؛ يمكن نقل الوزارات والمؤسسات والمكاتب، ويمكن بناء أبراج أكثر حداثة، ويمكن إنشاء طرق وميادين وقصور رئاسية؛ لكن لا يمكن خلال عشر سنوات نقل المكانة التاريخية والرمزية والثقافية والاقتصادية التي تراكمت في القاهرة عبر قرون”.
وذهب للقول: “لذلك فإن التعامل مع القاهرة باعتبارها مدينة قديمة ينبغي أن تفسح مكانها لمدينة جديدة هو خطأ استراتيجي ضخم؛ والأصح أن تصبح القاهرة العاصمة التاريخية والثقافية والاقتصادية والإعلامية، بينما تكون العاصمة الإدارية مركزا للحكم والإدارة الحديثة، وتكون العلمين مركزا سياحيا واستثماريا وساحليا دوليا، وهكذا يمكن تعويض ما أنفق عليها من مال الشعب، وهكذا يتحول تعدد المراكز من مشكلة إلى ميزة استراتيجية”.
اقرأ أيضا: إجازة عائلية تنتهي بمأساة.. سبب وفاة زوجين داخل “جاكوزي”…
