لماذا اختار شي جين بينج مصر في قلب العاصفة؟ – الأسبوع

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في لحظة تبدو فيها منطقة الشرق الأوسط وكأنها تقف فوق فوهة بركان مفتوحة جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة محملة بدلالات تتجاوز حدود العلاقات المصرية الصينية أو الاحتفال بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين

اقرأ أيضا: وزير الزراعة يلتقي وفد جامعة ميونيخ لتطوير أنظمة الإنتاج الحديثة للقمح

السؤال الحقيقي ليس لماذا جاء الرئيس الصيني إلى مصر فحسب وإنما لماذا جاء الآن ولماذا اختار القاهرة في هذا التوقيت تحديدًا بينما تعاد صياغة خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط بعد الحرب مع إيران وما خلفته من تداعيات على أمن الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر وأسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية.

هنا يمكن قراءة الزيارة باعتبارها نموذجًا لما يمكن تسميته دبلوماسية الاختيار الاستراتيجي، فالرئيس الصيني لا يتحرك في العالم وفق جدول زيارات بروتوكولية مزدحم وإنما تتحرك بكين وفق حسابات دقيقة للمصالح والمواقع واللحظة السياسية، ومن هذه الزاوية يصبح اختيار القاهرة رسالة في حد ذاته.

الصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا استهلاكية كبيرة فقط ولا باعتبارها دولة عربية محورية فحسب، وإنما تراها نقطة التقاء لجغرافيا سياسية شديدة التعقيد.

مصر تطل على البحر المتوسط والبحر الأحمر وتشرف على قناة السويس وتمتلك امتدادًا عربيًا وإفريقيًا وإسلاميًا وتحتفظ بعلاقات مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، وهذه التركيبة تجعل القاهرة واحدة من العواصم القليلة التي يستطيع من يجلس فيها أن يقرأ أكثر من خريطة في الوقت نفسه.

شرق أوسط يتشكل من جديد

زيارة شي جين بينج تأتي والمنطقة تدخل مرحلة مختلفة تمامًا، الحرب مع إيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة وإنما كشفت هشاشة منظومة الأمن الإقليمي ووضعت مستقبل الممرات البحرية والطاقة والتجارة أمام اختبارات غير مسبوقة.

مضيق هرمز أصبح ورقة استراتيجية، والبحر الأحمر لا يزال يعاني تداعيات التوترات الأمنية، وقناة السويس تأثرت بحركة الملاحة التي تراجعت عن مستوياتها الطبيعية خلال أزمات المنطقة، وفي الخلفية تتغير حسابات دول الخليج وتزداد أهمية تنويع الشراكات الدولية بينما تبحث القوى الكبرى عن موطئ قدم أكثر تأثيرًا في نظام إقليمي لم تعد قواعده القديمة كافية لتفسير ما يحدث فيه.

الصين تراقب هذه التحولات لأنها ليست دولة بعيدة عن المنطقة، واقتصادها يعتمد على الطاقة القادمة من الشرق الأوسط وعلى طرق التجارة الممتدة عبر البحار والممرات الاستراتيجية، وأي اضطراب طويل في الخليج أو البحر الأحمر يعني ارتفاع تكلفة التجارة والطاقة والتأمين والنقل بالنسبة للاقتصاد الصيني، لذلك فإن أمن المنطقة بالنسبة لبكين ليس قضية سياسية فقط وإنما قضية اقتصادية واستراتيجية مباشرة، ومن هنا تأتي أهمية مصر

الصين تمتلك علاقات قوية مع دول الخليج وإيران وتركيا وغيرها من دول المنطقة لكن مصر تمتلك ميزة مختلفة، إنها دولة تستطيع أن تتحدث مع أطراف متعددة دون أن تكون جزءًا من صراع المحاور، القاهرة ليست طرفًا في التنافس الإيراني الخليجي وليست طرفًا في الصراع الأمريكي الصيني ولا تبحث عن مواجهة مفتوحة مع أي قوة دولية، وفي الوقت نفسه فإن مصر حاضرة في ملفات غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر وشرق المتوسط، ولهذا فإن القاهرة بالنسبة إلى بكين ليست مجرد عاصمة عربية كبيرة وإنما منصة سياسية يمكن من خلالها فهم الإقليم والتعامل مع قضاياه.

مصر هنا تؤدي وظيفة الدولة القادرة على الإمساك بأكثر من خيط في الوقت نفسه وهذه إحدى أهم قيمتها الجيوسياسية.

التاريخ الذي لا تنساه بكين

هناك جانب آخر في العلاقة المصرية الصينية لا يمكن تجاهله، في الثلاثين من مايو عام 1956 أقامت مصر علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية لتصبح أول دولة عربية وإفريقية تقوم بهذه الخطوة كان العالم وقتها مختلفًا تمامًا، الصين كانت تعاني عزلة دولية واسعة والقاهرة الناصرية كانت تخوض معركة الاستقلال الوطني وتحرير القرار السياسي من الهيمنة الأجنبية، ثم جاءت أزمة السويس لتكشف حجم التقارب في الرؤية بين الدول التي كانت ترفض الاستعمار والوصاية الخارجية.

والصينيون ينظرون إلى التاريخ باعتباره جزءًا من السياسة وليس مجرد صفحات في كتاب، ومن الطبيعي أن تحتفظ بكين بذاكرة سياسية لمن وقف معها في مراحل التأسيس.

اليوم وبعد سبعين عامًا تبدلت موازين القوى، الصين أصبحت قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية كبرى ومصر ما زالت تحتفظ بموقع جغرافي وسياسي يجعلها شريكًا لا يمكن تجاهله، وهنا يتحول التاريخ من مجرد ذكرى إلى عنصر من عناصر الثقة السياسية.

اطلبوا العلم ولو في الصين

ولعل العلاقة المصرية الصينية تفتح أمامنا معنى آخر يستحق التأمل، هناك عبارة شهيرة متداولة في التراث الإسلامي تقول اطلبوا العلم ولو في الصين.

وبغض النظر عن الخلاف في صحة نسبة العبارة إلى الحديث النبوي فإن معناها الرمزي ظل حاضرًا في الذاكرة العربية باعتباره دعوة إلى طلب المعرفة أينما وجدت، واليوم ربما تكون مصر أمام فرصة لإعادة قراءة هذا المعنى بصورة مختلفة، فالصين لم تعد فقط مصنع العالم الذي ينتج السلع الرخيصة.

لقد أصبحت قوة تكنولوجية ضخمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والقطارات والصناعات الإلكترونية والاتصالات والسيارات الكهربائية والبطاريات والبنية التحتية، ومن هنا فإن الرهان الحقيقي في العلاقة المصرية الصينية يجب ألا يكون على استيراد المنتجات الصينية وإنما على نقل المعرفة والخبرة والتكنولوجيا إلى الداخل المصري.

المطلوب أن تتحول مصر من سوق للمنتج الصيني إلى شريك في إنتاجه، ومن مستورد للتكنولوجيا إلى دولة قادرة على تطويرها وتوطينها، وهنا يصبح معنى العبارة القديمة أكثر حضورًا في واقعنا المعاصر من المشروعات إلى الإنتاج.

خلال السنوات الماضية شهدت العلاقات المصرية الصينية تطورًا كبيرًا في مشروعات البنية الأساسية والنقل والطاقة والصناعة، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نقلة نوعية، لم يعد كافيًا أن نعلن عن مشروع جديد أو نوقع مذكرة تفاهم جديدة.

المعيار الحقيقي يجب أن يكون ماذا أنتج المشروع وماذا أضاف للاقتصاد المصري؟

كم فرصة عمل حقيقية وفرها؟

كم شركة مصرية دخلت في سلاسل التوريد؟

كم مهندسًا وفنيًا مصريًا اكتسب خبرة جديدة؟

وكم منتجًا يحمل قيمة مضافة مصرية استطاع أن يصل إلى الأسواق الخارجية؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون على طاولة المباحثات، فالهدف ليس أن يصبح لدينا المزيد من المشروعات الصينية في مصر وإنما أن تصبح القاهرة جزءًا من منظومة الإنتاج والتصدير.

هنا تبرز أهمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فالموقع المصري يمنح الصين فرصة للوصول إلى أسواق إفريقيا والعالم العربي وأوروبا من قاعدة إنتاج قريبة من أهم طرق التجارة العالمية، وفي المقابل تستطيع مصر أن تستفيد من رأس المال والخبرة الصينية لبناء قاعدة صناعية أكثر قدرة على المنافسة.

المعركة الحقيقية هي معركة التجارة، العلاقات السياسية بين القاهرة وبكين قوية، لكن العلاقات الاقتصادية ما زالت تواجه اختلالًا واضحًا في الميزان التجاري، وهنا يجب ألا نتعامل مع أرقام التجارة باعتبارها مجرد أرقام وإنما باعتبارها مؤشرًا على طبيعة العلاقة الاقتصادية

إذا كانت مصر تستورد من الصين أضعاف ما تصدره إليها فإن السؤال لا ينبغي أن يكون كيف نقلل الواردات فقط، بل كيف نزيد قدرة مصر على الإنتاج والتصدير، الهدف ليس إغلاق السوق المصرية أمام المنتجات الصينية فهذا ليس واقعيًا ولا يخدم الاقتصاد لكن المطلوب أن تكون هناك معادلة أكثر توازنًا، معدات صينية تدخل مصر، ومصانع مصرية تنتج، وموردون محليون يشاركون، ومنتجات مصرية تخرج إلى إفريقيا والعالم العربي وأوروبا والصين نفسها، هنا فقط تصبح الشراكة الاقتصادية ذات معنى استراتيجي.

القاهرة في لعبة التوازن الدولي

زيارة الرئيس الصيني إلى مصر لا يمكن فصلها عن التحول الأكبر الذي يشهده النظام الدولي، العالم يتجه تدريجيًا نحو تعدد مراكز القوة، الولايات المتحدة ما زالت القوة الكبرى، لكن الصين أصبحت قوة اقتصادية وتكنولوجية لا يمكن تجاوزها، روسيا تحتفظ بقدرتها العسكرية والجيوسياسية، الهند تصعد اقتصاديًا وسياسيًا، والقوى الإقليمية في الشرق الأوسط أصبحت أكثر قدرة على تنويع علاقاتها الدولية.

في هذا العالم الجديد لا تحتاج مصر إلى استبدال شريك بشريك، ولا إلى الانتقال من محور إلى محور، الأهم هو توسيع هامش الحركة، أن تتعامل القاهرة مع واشنطن وبكين وموسكو وبروكسل ودول الخليج والهند وغيرها وفق المصالح المصرية، هذه ليست سياسة توازن بين القوى بقدر ما هي سياسة تعظيم للخيارات، ومصر بحكم موقعها وتاريخها وحجمها تستطيع أن تلعب هذا الدور إذا أحسنت إدارة أوراقها.

الرسالة الصينية ورسالة مصر

شي جين بينج يأتي إلى القاهرة وفي ذهنه مصالح واضحة، أمن طرق التجارة، استقرار المنطقة، الطاقة، الاستثمار، الأسواق، والدور المصري في الإقليم.

لكن القاهرة لديها أيضًا ما تريده، تكنولوجيا، استثمارات منتجة، صناعة، توطين للمعرفة، زيادة الصادرات، وتوسيع قدرة الاقتصاد المصري على الوصول إلى الأسواق العالمية، وهنا ينبغي أن تكون العلاقة قائمة على المصالح المتبادلة لا على مجرد عناوين الصداقة التاريخية.

الصداقة مهمة والتاريخ مهم، لكن الدول لا تبني مستقبلها بالذكريات وحدها، إنها تبنيه بالمصالح والإنتاج والمعرفة والقدرة على حماية القرار الوطني.

اقرأ أيضا: طلاق ابنة نجلاء فتحي سبب موتها.. هل يسبب الحزن الوفاة؟

مصر ليست على هامش الخريطة

ما يحدث في الشرق الأوسط بعد الحرب مع إيران يعيد الاعتبار إلى الجغرافيا السياسية، الممرات البحرية أصبحت أوراقًا في الصراع، الطاقة أصبحت جزءًا من الأمن القومي، والتحالفات لم تعد ثابتة كما كانت، والقوى الدولية تبحث عن مواقع جديدة داخل الإقليم

وفي وسط هذه التحولات تقف مصر عند نقطة يصعب تجاوزها، من قناة السويس إلى البحر الأحمر، ومن المتوسط إلى إفريقيا، ومن غزة إلى السودان وليبيا، ومن العالم العربي إلى شرق المتوسط.

ولهذا فإن اختيار القاهرة في هذا التوقيت ليس مجرد محطة في برنامج زيارة، إنه اعتراف بقيمة الموقع المصري وبالدور الذي يمكن أن تلعبه القاهرة في مرحلة إعادة تشكيل الإقليم، لكن الاعتراف الدولي بقيمة مصر لا يكفي، المطلوب أن تحول القاهرة هذه القيمة الجيوسياسية إلى عائد اقتصادي وسياسي حقيقي، أن يصبح الموقع الجغرافي قوة إنتاج، والعلاقات الدولية قوة تفاوض، والشراكة مع الصين نافذة إلى التكنولوجيا والأسواق، وأن تتحول قناة السويس من مجرد ممر عالمي إلى مركز صناعي ولوجستي وتجاري متكامل.

زيارة للمستقبل لا للماضي

بعد سبعين عامًا من العلاقات المصرية الصينية لم تعد القضية في عدد الزيارات أو الاتفاقيات أو البيانات المشتركة، القضية هي ماذا بعد الزيارة.

هل نشهد مصانع جديدة تعمل بالفعل؟

هل تنتقل التكنولوجيا إلى المهندس المصري؟

هل تدخل الشركات المصرية في سلاسل الإنتاج الصينية؟

هل ترتفع الصادرات المصرية إلى الصين؟

هل تتحول مصر إلى منصة للصناعة والتصدير نحو إفريقيا والعالم العربي؟

إذا حدث ذلك فستكون زيارة شي جين بينج محطة حقيقية في إعادة صياغة العلاقة بين القاهرة وبكين، أما إذا بقيت الزيارة في حدود الاحتفال والمذكرات والصور الرسمية فإننا سنكون أمام مناسبة سياسية أخرى تنتهي بانتهاء مراسمها

الشرق الأوسط يتغير والتحالفات يعاد تشكيلها والقوى الكبرى تبحث عن مواقعها في النظام الجديد، والصين تتحرك بثقلها الاقتصادي والسياسي نحو منطقة تعرف جيدًا أن مستقبل التجارة والطاقة والأمن العالمي يمر عبرها.

وفي قلب هذه الخريطة تقف مصر، ليست مجرد دولة تستقبل رئيسًا صينيًا، وإنما دولة تقع عند تقاطع طرق العالم.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي بعد مغادرة شي جين بينج للقاهرة لن يكون ماذا قال الرئيسان في المؤتمر الصحفي؟، بل ماذا ستفعل مصر بهذا الاختيار الاستراتيجي؟.

ففي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة لم يعد يكفي أن تكون الدولة مهمة في نظر الآخرين، الأهم أن تعرف كيف تحول أهميتها إلى قوة تفاوض ومصلحة وطنية، وهذه هي المعركة الحقيقية التي تبدأ بعد انتهاء الزيارة.

اقرأ أيضاً11 صورة توثق جولة الرئيس السيسي وقرينته مع الرئيس الصيني داخل المتحف المصري الكبير

الرئيس الصيني: المتحف المصري الكبير صرح عالمي يليق بعظمة الحضارة المصرية

من القناع الذهبي إلى كرسي العرش.. تفاصيل جولة الرئيس الصيني في قاعة كنوز توت عنخ آمون

اقرأ أيضا: سعر الريال القطرى اليوم الخميس 3سبتمبر أمام الجنيه المصرى

‫0 تعليق