في الثامن عشر من آب الماضي، هبطت أسعار السندات الحكومية طويلة الأجل في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا معًا، فلامس عائد السند الأمريكي لأجل ثلاثين عامًا 5.34%، وهو أعلى مستوى له منذ 2007، واقترب العائد الياباني لعشر سنوات من 3%، وهو الأعلى في ثلاثة عقود. كان السبب المباشر خليطًا من عدة عوامل، أهمها ارتفاع أسعار النفط، ومخاوف التضخم والحرب، واتساع عجوزات الموازنات في تلك الدول، ومزاحمة القطاع الخاص، تحديدًا شركات الذكاء الاصطناعي، للحكومات في سوق السندات. لكن ما جعل الحركة لافتة هو أن البيع طال السندات التي يفترض أن يهرب إليها المستثمرون حين يخافون، وهي السندات طويلة الأجل.
اقرأ أيضا: ثلاثة مبتعثين من عمّان الأهلية يحققون إنجازات أكاديمية متميزة بجامعة سيميلويس
قبل أن نبدأ في فهم ما حدث خلال الأيام والشهور الماضية في أسواق السندات السيادية الدولية، علينا أن نفهم بصورة مبسطة ما هو السند من أجل فهم العلاقة بين سعر السندات والعائد عليها، والتي هي علاقة عكسية غالبًا ما تربك الكثير من متابعي سوق السندات الدولية. فالسند في أبسط صورة هو مجرد قرض أو دين، حيث يقرض المستثمر في الدين الحكومة مبلغًا من المال، فتدفع له عائدًا دوريًا عليها، ثم تعيد أصل المبلغ عندما يأتي ميعاد الاستحقاق. بالتالي، إذا أصدرت الحكومة على سبيل المثال أمس سندًا بعائد 3% لمدة معينة، ثم صارت السندات الجديدة تدفع عائدًا أعلى يبلغ 4%، فلن يشتري أحد السند السابق، وبالتالي على سعره أن ينخفض ليصبح العائد عليه مقاربًا للسند الجديد المصدر بسعر عائد أعلى. لذلك، تتحرك الأسعار والعوائد في اتجاهين متعاكسين، وتكون السندات طويلة الأجل أشد حساسية لأن حاملها يثبّت أمواله لمدة أطول.
هذه الخسارة السوقية لا تعني أن الحكومة توقفت فورًا عن الدفع، لكنها تعني أن القرض القادم سيكون أغلى. وهنا تكمن المشكلة بالنسبة للحكومات، ففي معظم الاقتصادات الكبرى عالميًا، تتحرك الحكومات حاليًا في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع عجوزات الموازنة، بالتالي من أجل أن تسدد الحكومة قرضًا قديمًا عليها أن تصدر سندات جديدة. تقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن متطلبات إعادة التمويل في الدول أعضاء المنظمة (وهي دول مرتفعة الدخل) وصلت إلى 14 تريليون دولار في 2026، مقابل 4 تريليونات في 2007. أي أن 80% من الاقتراض الإجمالي الحالي لهذه الدول يصب في إعادة تمويل الدين الحكومي، بينما يصل إجمالي إصدار السندات الحكومية للدول الأعضاء لنحو 18 تريليون دولار. وكنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفعت حصة إعادة تمويل الديون من 10% في 2007 إلى ما يقرب من 16% حاليًا، ما يعني أن وتيرة نمو الديون السيادية كانت أعلى من وتيرة نمو الاقتصادات المتقدمة خلال العقدين الماضيين.

يمكن تفسير زيادة تلك الكتلة من الديون بسبب حقبة أسعار الفائدة المنخفضة، والتي امتدت من بعد الأزمة المالية في 2008 وحتى بدايات 2022 حين بدأ الفيدرالي الأمريكي برفع الفائدة لمحاربة التضخم. خلال تلك الحقبة بقيت معدلات الفائدة على الديون الحكومية في مستويات منخفضة في معظم الدول المتقدمة، بل وصلت في حالة اليابان إلى الصفر. في السنوات القليلة الماضية، بدأ موعد سداد كل تلك الديون يحل، لكن بما أن الديون الجديدة التي يراد منها إعادة تمويل الديون القديمة أصبحت أغلى، فإن تلك التكلفة تتسرب للموازنات العامة في معظم تلك الدول. يتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن ترتفع مدفوعات الفوائد الصافية على ديون الحكومة الأمريكية من 3.3% من الناتج المحلي حاليًا إلى ما يقرب من 4.6% في 2036، وهو ما سيرفع الدين العام الأمريكي من 101% من الناتج المحلي حاليًا إلى ما يقارب 120% خلال العقد القادم.
تلك التوقعات بزيادة الديون الحكومية هي ما يرفع أسعار الفائدة الحالية على السندات طويلة الأجل. فالمستثمر الذي يشتري سندًا يستحق بعد 20 أو 30 سنة لا ينظر فقط إلى سعر الفائدة الحالي، ولكن إلى حجم السندات التي ستطرحها الحكومة طوال مدة احتفاظه بالسند، وكذلك إلى مخاطر التضخم، وبالتالي قيمة تلك الأموال في المستقبل. ولهذا يعبر العائد على السندات طويلة المدى بشكل ما عن توقعات مسار الفائدة على المدى القصير، مضافًا إليه ما يسمى «علاوة الأجل»، وهي بمثابة التعويض الذي يطلبه المستثمر مقابل تجميد أمواله لفترة طويلة. تصاعدت هذه العلاوة خلال السنوات الماضية بفعل زيادة المخاطر وانعدام اليقين حول مستقبل الاقتصاد العالمي، وبالأخص التضخم الناتج عن اضطرابات أسعار الطاقة في الوقت الحالي.
إذًا، يعبر الوضع الحالي عن دائرة يصعب كسرها. فتوقعات زيادة عجز الموازنة، وبالتالي زيادة الاحتياجات التمويلية للحكومات حول العالم تدفع المستثمرين للمطالبة بعائد أعلى على السندات طويلة المدى، لترتفع فاتورة الفوائد ومعها عجز الموازنة بالتبعية، فتحتاج الحكومات إلى إصدار المزيد من الديون. ومع تدفق تلك السندات الجديدة للسوق، يصبح السؤال هو بأي سعر عائد سوف يقبل المستثمرون أن يقرضوا الحكومات، خاصة مع التأثير العكسي لمزاحمة القطاع الخاص، تحديدًا شركات الذكاء الاصطناعي التي تطرح سندات طويلة المدى بعائد أعلى من السندات الحكومية.
ازدحام في سوق السندات
في الآونة الأخيرة، تزايد طلب شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، وبالأخص الأمريكية، على الديون بشكل ملحوظ. بداية تموز الماضي، طرحت شركة أمازون سندات بما يقارب 25 مليار دولار، لتمويل الاستثمار الضخم في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. بدت شهية المستثمرين غير محدودة، إذ تلقت أمازون طلبات شراء لتلك السندات تقدر بـ62 مليار دولار، أي أكثر من ضعف ما أرادت اقتراضه. لم تكن أمازون وحدها في هذا السباق، فبعد شهر عادت شركة ألفابيت المالكة لجوجل لاقتراض 20 مليار دولار أخرى عبر سندات يصل بعضها إلى 40 عامًا. ككل، أصدرت شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى سندات بما يقارب 220 مليار دولار من بداية العام الحالي حتى العاشر من آب، مقارنة بـ12.5 مليار دولار في نفس الفترة من عام 2025، بحسب تقديرات بنك الاستثمار الدولي BNB Paribas.
ومع تكرار الإصدارات وشهية الشركات المتزايدة نحو الاقتراض، ارتفع العائد على السندات، حيث سجلت بعض سندات أمازون طويلة الأجل عائدًا أعلى من نظيراتها من السندات السيادية الأمريكية بـ120 نقطة أساس (1.2%)، وهي نسبة كبيرة جدًا بالنظر في حال كانت تلك الفائدة مرتبطة بسندات تدفع عوائد لـ30 عامًا على سبيل المثال. خلال عام واحد، تضاعف الفارق بين عائد سندات شركات الذكاء الاصطناعي والسندات السيادية الأمريكية، ما عنى أن هذه الشركات باتت تزاحم الحكومات على فوائض المدخرات العالمية، وهو ما خلق حالة من الهلع في سوق السندات الدولية عبر أكثر من مركز مالي، من الولايات المتحدة لليابان، ومن أوروبا للصين وشرق آسيا.
تريد شركات التكنولوجيا أن تبني مراكز بيانات، وتطلب ملايين الرقائق اللازمة لتشغيل وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وكذلك تريد الطاقة الذي يرتفع سعرها ارتباطًا بأسعار النفط. كل ذلك يتطلب كمًا هائلًا من الأموال، ما جعل هذه الشركات تبرز كمنافس جديد على الديون طويلة المدى، يزاحم الحكومات وبقية القطاع الخاص على حد سواء. وتقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها عن حالة الدين العالمي الصادر في آذار 2026 أن الإنفاق الرأسمالي المتوقع لأكبر 9 شركات في مجال الذكاء الاصطناعي سوف يصل لـ4.1 تريليون دولار بين 2026 و2030. فيما تقدر شركة ماكينزي أن الإنفاق العالمي على مراكز البيانات والبنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي سيصل 7 تريليونات دولار بحلول عام 2030. لا تعني تلك المزاحمة أن الحكومات لن تجد أموالًا لتقترضها، لكن أسعار العائد على السندات الحكومية بالتأكيد سوف ترتفع، فهكذا تعمل أسواق السندات الدولية، تتأثر عوائدها المختلفة ببعضها البعض.
من يكسب من هذا كله؟
تنذر المزاحمة الحالية بارتفاع تكاليف تمويل الديون الحكومية حول العالم، وليس في الدول المتقدمة فقط. إذ ترتبط أسعار الفائدة على مختلف العملات في النهاية ببعضها البعض، وطالما أرادت الدولة الاحتفاظ بحساب رأس مال مفتوح وعلاقات استثمارية مع العالم، فسوف تخضع بالتأكيد لعمليات إعادة تسعير العوائد. وحتى قبل مزاحمة شركات الذكاء الاصطناعي، فقد شهدت الدول النامية زيادة مستمرة في تكاليف التمويل، بسبب رفع الفيدرالي الأمريكي للفائدة على الدولار خلال السنوات الماضية بدءًا من 2022.
لكن خلف تلك المزاحمة وارتفاع تكاليف التمويل سبب أكثر هيكلية. فالحكومات حول العالم لا تجمع ضرائب بما يكفي على الثروة بالتحديد، وفي الوقت نفسه، تعود لأصحاب الثروات من أجل الاقتراض منهم، ثم تدفع لهم الفوائد من الموازنات اللاحقة من خلال إعادة تمويل الديون. ومن ثم، فإن الآثار التوزيعية لزيادة الديون الحكومية على اللامساواة تبدو واضحة بشكل كبير على المدى الطويل. يمكن فهم ذلك من خلال الإجابة على أسئلة رئيسية هي: من يملك السندات الحكومية؟ ومن يدفع الضرائب التي تمول الفوائد المدفوعة على السند؟
تكشف حالة الولايات المتحدة عن تلك المفارقة، فهناك تركز واضح في ملكية السندات. بحسب بيانات الربع الأول من 2026، فإن أغنى 1% من الأسر الأمريكية تمتلك 38.4% من السندات على المستوى الفيدرالي أو المحلي، فيما يمتلك الـ10% الأغنى في الولايات المتحدة حوالي 88%، بينما يمتلك الـ50% الأفقر أقل من 1%. لا تشمل تلك الأرقام الملكية غير المباشرة للسندات عبر صناديق التقاعد، ولكنها تصلح كمؤشر على الملكية المباشرة، وكيف أن دخل الفائدة المباشر شديد التركز في شرائح اجتماعية بعينها.
تعد تلك السندات أصولًا وثروة تدر عوائد سنوية، لا تخضع لضريبة على الثروة وإنما تخضع فقط لضريبة الأرباح الرأسمالية وقت البيع، فالولايات المتحدة لا تفرض أصلًا ضريبة فيدرالية دورية على صافي الثروة، بما يشمل ما تراكم لدى الأسر من أسهم وسندات وأصول مالية. لكن الأغنياء يلتفون حتى على ضريبة الأرباح الرأسمالية عبر استخدام السندات للاقتراض بضمانها دون الاضطرار لبيعها.
أقرب ضريبة فيدرالية مباشرة على الثروة هي الضريبة المفروضة عند انتقالها عبر التركات والهبات، لكن تقديرات وزارة الخزانة لعام 2025 تضع حصيلتها عند 33.2 مليار دولار فقط، من إجمالي ضرائب فيدرالية يبلغ نحو 4.59 تريليون دولار، أي ما يعادل 0.7% تقريبًا من الحصيلة. إذن، تدفع الحكومة الأمريكية فوائد متزايدة على سندات تتركز ملكيتها لدى الأغنياء، بينما لا تفرض ضريبة مقابلة على أصل الثروة التي تتيح لهم شراء هذه السندات، فتتحول خدمة الدين تدريجيًا إلى قناة تنقل جزءًا من الإيرادات العامة إلى أصحاب الثروات المالية وتعيد إنتاج التفاوت نفسه.
هذه هي الأزمة الأكثر إلحاحًا، والمتعلقة بمشكلات النظام الضريبي في الولايات المتحدة وغيرها من الدول في العالم التي لا تفرض ما يكفي من الضريبة على الثروات. ولذلك، عندما ترتفع الفوائد كما يحدث حاليًا، يظهر أمام الحكومات حل من اثنين: الأول هو حل سياسي يتعلق بزيادة الضرائب على الثروة وبالأخص في القطاع المالي الذي تضخم حجمه في العقود الماضية مقارنة بالاقتصاد الحقيقي، والثاني هو زيادة الضرائب على الدخول والاستهلاك وخفض الإنفاق العام من خلال التقشف الذي يؤثر أكثر على الفقراء. بذلك، نصبح أمام مجتمع ينقسم بشكل واضح بين حملة الأصول (السندات) الذين يحصلون على عوائد تحميهم من التضخم، بينما تكافح الغالبية التضخم الذي يأكل قيمة الدخول، ويخفّض من الأجر الحقيقي مع الوقت، وهو جوهر أزمة اللامساواة الحالية في العالم.
اقرأ أيضا: وزيرة التنمية الاجتماعية تبحث ورئيسة مؤسسة فورد تعزيز…
ما يحدث في المركز يصل الأطراف مضاعفًا
يعتبر العائد على السندات الأمريكية مرجعًا عالميًا في تسعير الفوائد، بسبب مكانة الولايات المتحدة كمنشأ ومنظم وحامٍ لهذا النظام المالي العالمي. حيث يمثل عائد سندات الخزانة الأمريكية نقطة البداية التي يسعّر المستثمرون فوقها ديون بقية العالم، فإذا كان بإمكانهم الحصول على عائد مرتفع من سند أمريكي شديد السيولة ومنخفض المخاطر، فلن يشتروا سندًا صادرًا عن دولة نامية إلا إذا منحتهم فائدة أعلى تعوض مخاطر سعر الصرف، والمخاطر السياسية، والتخلف عن السداد. لذلك، حين بدأ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مساره في رفع الفوائد عام 2022، وجد صندوق النقد الدولي أن صافي إصدارات اليوروبوند في الاقتصادات الناشئة والنامية هبط إلى نحو 40 مليار دولار سنويًا في 2022 و2023، بانخفاض 70% عن العامين السابقين.
المفارقة أن نافذة التمويل قد تُغلق حتى لو لم تتدهور أوضاع الدولة المقترضة نفسها، لمجرد أن الاحتياطي الفيدرالي رفع الفائدة. وهنا تتحول السياسة النقدية الأمريكية إلى آلية تعمّق عدم المساواة بين الدول؛ فالولايات المتحدة تقترض بعملتها، وفي سوق واسع يستطيع امتصاص احتياجاتها، بينما تضطر دول الجنوب إلى دفع علاوة مخاطر مرتفعة، أو تقليص الاستثمار والواردات، أو استنزاف احتياطياتها لسداد الديون القديمة. بذلك، لا تحصل الدول الأفقر على التمويل حين تكون حاجتها إليه أكبر، وتدفع ثمن أزمة لم تبدأ داخل اقتصاداتها، بينما تنتقل المدخرات العالمية نحو الدولة الأغنى والأقدر أصلًا على الاقتراض. وهو ما يوسع فجوة التنمية بين دول الشمال والجنوب في العالم.
ولا يتوقف الأثر عند ارتفاع العائد المطلوب على سندات الدول النامية، بل يمتد للاقتصادات المحلية بشكل كامل. فحين ترتفع تكلفة التمويل، تجد حكومات تلك الدول نفسها أمام خيارات صعبة: إما السحب من الاحتياطيات النقدية لسداد الديون، أو ترك العملة المحلية تنخفض لتقليل الضغوط على ميزان المدفوعات، وفي حالات كثيرة تكون النتيجة مزيجًا من الخيارين.
تكشف بيانات البنك الدولي حجم مدفوعات الديون في فترات ارتفاع الفائدة على الدولار. إذ دفعت الدول النامية بين 2022 و2024 نحو 741 مليارًا كمدفوعات على أصل وفوائد ديونها الخارجية، كما بلغت مدفوعات الفائدة وحدها 415 مليار دولار في 2024. بالطبع، تكمن خلف تلك الأرقام معاناة أكبر، فهي ليست حبرًا على ورق، بل تظهر في تخفيض الإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والبنية التحتية. هكذا تنتقل زيادة صغيرة في عائد السند الأمريكي، عبر سلسلة من إعادة التسعير وضغط العملة والموازنة، إلى خفض فعليّ في قدرة دول الجنوب على الإنفاق على التنمية، بينما يتحول جزء متزايد من مواردها العامة إلى دخل لحملة السندات في المراكز المالية العالمية، وتتراجع معها فرص اللحاق الاقتصادي بالمركز أكثر.
لهذا، فإن ما يجري في سوق السندات ليس مجرد اضطراب عابر في سوق مالية معقدة، بل صراع على من يحصل على مدخرات العالم، وبأي سعر، ومن يدفع الفاتورة في النهاية. تدخل الحكومات السنوات المقبلة وهي مطالبة بإعادة تمويل ديون ضخمة اقترضتها خلال حقبة الفائدة المنخفضة، وفي اللحظة نفسها تدخل شركات الذكاء الاصطناعي السوق طالبة تريليونات الدولارات لبناء مراكز البيانات وشراء الرقائق والطاقة. وكلما اشتدت المنافسة ارتفع العائد الذي يطلبه الدائنون، فيحصل أصحاب الثروة المالية على دخل أكبر، بينما تنتقل التكلفة إلى الموازنات العامة.
داخل الدول الغنية، يجري ذلك في ظل نظم ضريبية لا تفرض ما يكفي على أصل الثروة، فتقترض الدولة من أصحاب الأصول ثم تسدد لهم الفوائد من ضرائب المجتمع أو من خفض الإنفاق. وبين الدول، تتكرر العملية بصورة أشد ظلمًا، فالولايات المتحدة تقترض بعملتها وتحدد بسنداتها السعر المرجعي للعالم، بينما تقترض دول الجنوب بعملة لا تصدرها وتدفع فوقها علاوة مخاطر إضافية. لذلك لا يتعلق السؤال بحجم الدين وحده، بل بمن يملك السندات، ومن يحدد سعرها، ومن يتحمل كلفة سدادها. ومن دون ضرائب أكثر عدالة على الثروة، وتمويل دولي أقل كلفة وآليات أسرع لإعادة هيكلة الديون، ستظل السندات أداة لتمويل الحكومات، لكنها ستظل أيضًا قناة لإعادة توزيع الدخل من دافعي الضرائب والفقراء في الجنوب إلى أصحاب الثروات والدائنين في المركز.
اقرأ أيضا: منح خارجية للطلبة الأردنيين بمعدلات 90% فأعلى.. التقديم يبدأ 5 أيلول
