
وسط هذا المشهد العالمي المشتعل والمغمور بالمياه، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً هو إلى متى سيظل العالم يكتفي بوصف الكارثة بينما يتأخر في مواجهة أسبابها؟
لقد أمضى المجتمع الدولي عقودًا في إصدار الاتفاقيات واستراتيجيات وخطط العمل والتعهدات المتعلقة بالمناخ، ومع ذلك لا تزال الانبعاثات الكربونية العالمية عند مستويات مرتفعة، ولا تزال الدول تتعامل مع خفض الانبعاثات باعتباره هدفًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، لا التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا لا يحتمل الانتظار.
المفارقة تكمن هنا في أن العالم يعرف المشكلة، ويعرف أسبابها ويندد بها شبه سنوياً في إحدى قمم المناخ، ويعرف الحلول العلمية والتكنولوجية المتاحة لها ولاسيما الدول المتقدمة، ويعرف أيضًا أن كل عام من التأخير يجعل فاتورة المواجهة أكثر ارتفاعًا ومع ذلك، لا تزال الخطوات الفعلية أبطأ من سرعة تغير المناخ نفسه.
فكم حريقًا يجب أن يلتهم الغابات؟ وكم مدينة يجب أن تغرق؟ وكم مجتمعًا يجب أن يفقد موارده ومنازله حتى تتحول التعهدات المناخية إلى إجراءات إلزامية حقيقية؟
فالدول الكبرى التي راكمت ثرواتها عبر عقود من التصنيع واستهلاك الوقود الأحفوري وهي أيضاً التي تمتلك اليوم القدرة المالية والتكنولوجية على التحول إلى الطاقة النظيفة، كما تمتلك قدرة أكبر على تمويل التكيف وحماية الدول والمجتمعات الأكثر هشاشة، أين هي من تحمل مسؤوليتها المناخية؟
وعلى رأس هذه الدول أمريكا باعتبارها أكبر مؤثر في نسبة الانبعاثات الكربونية العالمية فالتحول في السياسة الأمريكية، خصوصًا مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، شكلت انتكاسة واضحة للجهود المناخية الدولية، إذ اتجهت إدارته إلى تقليص الالتزامات والبرامج الأمريكية المرتبطة بتمويل العمل المناخي، والانسحاب مجددًا من اتفاق باريس، فضلًا عن تبني سياسة أكثر انفتاحًا على الوقود الأحفوري
في المقابل، تظل الصين لاعبًا محوريًا في المعادلة المناخية، باعتبارها أيضاً من أكبر المساهمين في إطلاق غازات الاحتباس الحراري العالمي
و فهنا يجب ألا يظل الحديث عن هذه المسؤولية في إطار الخطابات الدبلوماسية للدول وإنما المطلوب هو ترجمة مبدأ المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ والمساءلة كلاً حسب مساهمته.
ولا يعني ذلك إعفاء الدول النامية من مسؤولياتها، بل يعني أن المسؤولية يجب أن تتناسب مع القدرة الاقتصادية وحجم المساهمة في المشكلة.
وليس المطلوب سن قانونًا بيئيًا جديدًا يضاف إلى عشرات القوانين الموجودة، وإنما إيجاد منظومة قانونية دولية أكثر صرامة، تتضمن أهدافًا كمية واضحة لخفض الانبعاثات، وجداول زمنية قابلة للقياس، وآليات للتحقق المستقل من البيانات، والتزامات مالية حقيقية، وجزاءات أو تدابير تصحيحية عند الإخلال بالالتزامات.
والأهم من ذلك أن تتحول حماية المناخ من سياسة تتغير بتغير الحكومات ورؤيتها وتوجتها إلى التزام قانوني دولي مستمر.
هنا نتخيل السناريو عم ماذا لو استمر مستوى الانبعاثات مرتفعًا، وظلت الإجراءات أبطأ من حجم الأزمة؟
قد تبدأ الصورة بمواسم حرائق أطول وأكثر عنفًا، ثم تتسع رقعة المناطق التي تعاني من الجفاف، بينما تصبح موجات الحرارة أكثر شدة تكرارًا, وفي الطرف الآخر من الصورة، تضرب الأمطار الغزيرة والفيضانات المدن خلال فترات قصيرة، فتغرق المناطق التي لم تكن مصممة لاستيعاب مثل هذه الكميات أو التي كان مناخها مختلف تماماً عن هذه الأجواء كمدن الخليج مثلاً.
ومع استمرار ارتفاع الحرارة، تتعرض الأنهار الجليدية والكتل الجليدية لمزيد من التراجع وسرعة الذوبان، وتزداد المخاطر في المناطق الجبلية، بينما يستمر ارتفاع مستوى سطح البحر، الأمر الذي يضع المدن الساحلية والمناطق المنخفضة أمام ضغوط متزايدة.
وفي عالم كهذا، لن تكون أزمة المناخ مجرد أزمة بيئية فحسب إنما ستصبح مجموعة من الأزمات المتسلسلة.
تبدأ من أزمة غذاء حينما تتعرض المحاصيل لموجات الحر والجفاف والفيضانات المتكررة.
وستصبح أزمة مياه عندما تتراجع الموارد المائية العذبة في بعض المناطق بينما تواجه مناطق أخرى فيضانات مدمرة لا تستطيع الاستفادة منها
وتتصاعد لأزمة اقتصادية عندما ترتفع تكلفة التأمين وإعادة الإعمار وحماية البنية التحتية من الكوارث.
وأزمة أخرى اجتماعية وإنسانية عندما تضطر أعداد أكبر من السكان للنزوح من مناطق لم تعد قادرة على توفير المياه أو الغذاء أو ظروف المعيشة الآمنة.
وقد تبقى بعض المناطق في دائرة الدفاع الدائم ولاسيما الساحلية عن المدن ضد ارتفاع البحر، بينما تضطر مناطق أخرى إلى الاستثمار المستمر في مكافحة الحرائق والحرارة والجفاف.
هذا التصور ليس نبوءة حتمية، وإنما قد يكون السيناريو الأسوأ
لكن المستقبل لا تحدده الطبيعة وحدها، وإنما تحدده القرارات التي تتخذها الحكومات والشركات والمجتمعات الآن
لعل العام الجاري، بدت فيه هذه الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى ففي أوروبا، تجاوزت المساحات التي أحرقتها الحرائق حتى أواخر أغسطس نحو 634 ألف هكتار داخل الاتحاد الأوروبي، أي أكثر من ضعف المتوسط التاريخي للفترة نفسها، بالإضافة لدرجات حرارة غير مسبوقة بمثل هذه الدول تسببت في مئات الوفيات
كارثة أخرى في نفس الشهر تقريباً حيث شهدت منطقة الهيمالايا في نيبال والتبت فيضانات مدمرة مرتبطة بانهيارات واندفاعات مائية في بيئة جبلية شديدة الحساسية للتغيرات المناخية، وأسفرت الكارثة عن مئات الضحايا وأضرار واسعة في البنية التحتية.
ومازالت الأمثلة الحية تضرب حرائق الغابات بالجزائر، حرائق الغابات بأسبانيا,سيول وأمطار تضرب دول الخليج بمناخ غير معتاد لدى هذه الدول ,أمطار وفيضانات طينية بصحراء أوتاكاما وهي من أكثر مناطق العالم جفافاً، حرائق كازاخستان، عواصف مطرية وفيضانات جارفة تضرب أجزاء متفرقة من العالم في غير موعدها والامثلة كثيرة مازالت
إن العالم يقف حالياً أمام مفترق طرق واضح
إما أن يستمر في التعامل مع الحرائق والفيضانات باعتبارها كوارث منفصلة، فينفق الأموال بعد وقوعها ليعيد بناء ما دمرته الكارثة، أو أن يعترف بأن جزءًا من هذه الكوارث أصبح مرتبطًا بواقع مناخي جديد، فيعيد بناء قوانينه واقتصاده ومدنه وفق هذا الواقع. ا نحتاج إلى مزيد من الوعود التي لا يمكن قياسها، ولا إلى خطط طويلة الأجل تفتقر إلى آليات التنفيذ، ولا إلى مؤتمرات تنتهي ببيانات سياسية بينما تستمر الانبعاثات في الارتفاع.
ما يحتاجه العالم اليوم حقاً هو نظام مناخي دولي وقوانين تجعل خفض الانبعاثات أمرًا واجبًا، وتمويلًا يجعل التكيف ممكنًا، وآليات مساءلة تجعل التقاعس مكلفًا.
وينبغي أن تشمل هذه المساءلة الشركات الكبرى كذلك، فلا يجوز أن تظل مسؤولية المناخ محصورة في الحكومات بينما تمتلك بعض الشركات العملاقة تأثيرًا مباشرًا على مستويات الانبعاثات العالمية، ويجب أن تصبح البيانات المتعلقة بالانبعاثات أكثر شفافية وقابلية للتحقق، وأن تتحمل الجهات الأكثر تلويثًا جزءًا عادلًا من تكلفة الانتقال والتعويض والتكيف.
فالعدالة المناخية ليست شعارًا سياسيًا، وإنما ضرورة لمنع تحول التغير المناخي إلى عامل جديد لتوسيع الفجوة بين الدول والمجتمعات، والتاريخ لن يحاسب الأجيال القادمة فقط على حجم الضرر الذي حدث، بل سيحاسب جيلنا على ما كان يعرفه، وما كان يستطيع فعله، ثم اختار أن يؤجله لتحقيق مكاسب مادية قصير الأجل. قرار سياسي حقيقي.
فلابد من اتخاذ قرار سياسي حقيقي, قرار بأن المناخ ليس ملفًا ثانويًا، وأن حماية البيئة ليست رفاهية, وإنما مسؤولية دولية سنسأل عنها أمام الأجيال القادمة.
اقرأ أيضا: نانسي عجرم تحتفل بذكرى زواجها من فادي الهاشم برسالة رومانسية