يحذّر المقال من السقوط الحاد من قمة القبول والمحبة إلى العزلة والنفور، باعتباره نتيجة طبيعية لتحولات سلوكية ونفسية تصيب الإنسان بعد النجاح والشهرة، أبرزها تضخم الأنا والأنانية والتعالي والاستهانة بالآخرين. ويوضح أن الشهرة لا تغيّر الإنسان بقدر ما تكشف حقيقته وتضخّم عيوبه، خاصة مع تأثير “بطانة السوء”…
اقرأ أيضا: الرئيس الأرجنتيني يقول إن إجراءات التقشف “غير قابلة…
يعيش الإنسان في حياته تقلبات عديدة ، لكن أصعب هذه التقلبات هي رحلة السقوط المدوّي من قمة القبول والمحبة إلى قاع العزلة والنفور ، فكثيراً ما نرى شخصاً كان ملء السمع والبصر ، يمتلك كاريزما تأسر القلوب ، ومكانة مرموقة بين الناس ، وفجأة تبدأ هذه الصورة البراقة في التآكل ، ويتفرق من حوله واحدًا تلو الآخر ، هذا التحول ليس وليد الصدفة ، بل هو نتيحة حتمية لتغيرات سلوكية ونفسية تطرأ على الفرد عندما يعتلي “القمة”.
وتبدأ المأساة عندما تتسلل جرثومة الأنانية والتعالي إلى نفس الإنسان فالسلوكيات التي صنعت مجد الشخص في البداية كالتواضع ، والإنصات ، والتعاطف ، تبدأ بالاختفاء تدريجياً ، ليحل محلها سلوكيات طاردة للبشر ، من أبرزها الأستاذية والتعالي حيث يبدأ الفرد رؤية نفسه أعلى شأناً من الآخرين ، ويتعامل مع نصائحهم أو آرائهم بنوع من الاستخفاف ، فيصبح الشخص متمحوراً حول ذاته ، لا يرى إلا مصلحته أو صورته ،متجاهلاً مشاعر واحتياجات من حوله ، فيظن في قمة نجاحه أنه بات قادراً على فعل أو قول أي شيء دون أن يخسر مكانته ، وهي البداية الحقيقية للنهاية .
هذا التغير في السلوك يُحدث صدمه لدى المحيطين به ، فالناس لا ينفرون من الشخص الناجح لنجاحه ، بل ينفرون من الشخصية المشوهة التي تحوّل إليها بعد النجاح .
والشهرة لا تغير الإنسان ، بل تكشف حقيقته وتضخّم عيوبه ، فالشهرة والمال والسلطة ، كلها عوامل تُسقط الأقنعة عندما يكون الإنسان مغموراً أو في بداية طريقه ، تصد سلوكه كوابح مجتمعية واقتصادية تجبره على مداراة الناس والتواضع لهم ، لكن بمجرد نيل الشهرة ، تختفي هذه الكوابح ، ويشعر الفرد بالاستغناء ، وهنا تظهر نرجسيته أو غروره الكامن ، ومع ذلك تفرض الشهرة ضغوط نفسية حقيقية تسهم فيتغير السلوك نحو الأسوأ من خلال بطانة السوء الذين يُحيطون بالمشهور حيث يمدحون كل أفعاله ويبررون أخطاءه وهذا العزل عن الحقيقة يجعله يعيش في فقاعة وهمية ، ويفقد قدرته على التقييم الذاتي المنطقي ، ويتحول الخوف من فقدان الشهرة إلى قلق دائم ، مما يجعل الشخص حاد الطباع ، متشككاً في نوايا من حوله ،ويميل إلى الهجوم لحماية مكتسباته .
اقرأ أيضا: 23 اعتداء جنسيا في سبتة بعد تدفق المهاجرين.. 9 ضحايا أطفال
إن تضخم الأنا بتكرار المديح والاهتمام اليومي يُغذي شعوراً زائفاً بالعظمة ، فيرى المشهور نفسه استثناءً لا تنطبق عليه القواعد التي تسري على بقية البشر .
ولحماية الإنسان نفسه من السقوط فإن البقاء في القمة لا يتطلب مهارة أو موهبة فقط ، بل يتطلب صلابة أخلاقية ونفسية ، ولتجنب هذا السقوط المأساوي، يحتاج الفرد إلى الوعي الذاتي المستمر بمراجعة تصرفاته ومراقبة ردود فعل المقربين الصادقين لا المنافقين ، وتذكر البدايات ، والإيمان بأن القبول والمحبة نِعَم يمكن أن تزول إذا أُسيء استخدامها ، وأن يدرك الشخص أن شهرته أو نجاحه مجرد دور يؤديه أو مرحلة يمر بها ،وليست جوهر قيمته كإنسان .
وفي الختام :
فإن الصعود إلى القمة يحتاج إلى الجهد ، لكن البقاء فيها يتطلب نبلاً وأخلاقاً ، والناس قد يغفرون للشخص العادي زلاته ، لكنهم لا يتسامحون مع غرور من رفعوه يوماً على أكتافهم ، فمن صعد بقلوب الناس ، يسقط فوراً إذا تخلى عن تلك القلوب .
اقرأ أيضا: الذهب يرتد بأكثر من 1 % مع تراجع الدولار وعوائد السندات عن أعل…
