لماذا تخاف إسرائيل من دولة قوية في سوريا؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في 19 أغسطس/آب الماضي، حولت غارات إسرائيلية مدرج مطار أبو الظهور العسكري في إدلب إلى ركام، دون أن تسفر الهجمات عن خسائر بشرية. تضرب إسرائيل في العمق السوري لتدرأ أي محاولة لتأسيس جيش حديث على حدودها الشمالية ومنع الدولة السورية الجديدة من تطوير قدراتها العسكرية والدخول في تحالفات أمنية متماسكة. وهو ما يدفعنا للتساؤل عن طبيعة تلك الحرب “الوقائية” الإسرائيلية، وهل بدأت في سوريا أم أن للأمر تاريخا أقدم من ذلك؟

اقرأ أيضا: حركة جزئية في سلك القضاة  – النهار أونلاين

في يونيو/حزيران 1967، فوجئت 15 سفينة شحن بأن الحرب أغلقت قناة السويس من خلفها ومن أمامها في آن واحد. لم يكن حينها أمام ربابنة السفن خيار غير الانتظار في ممر القناة. انتظروا 8 سنوات، نظموا فيها بطولات رياضية وطبعوا طوابع بريد خاصة بهم، وتراكمت الرمال على الهياكل الفولاذية حتى اصفرّت السفن وباتت تبدو وكأنها لم تكن يوما مخصصة للحركة. حين أُعيد افتتاح القناة عام 1975، لم تستطع إلا سفينتان ألمانيتان مغادرة مكانهما بمحركاتهما. أما السفن الباقية فكأنما قد نسيت كيف تسير.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2قصة السويس.. كيف تحولت قرية مهجورة إلى قلب العالم؟
  • list 2 of 2لحية على وجه الأسد.. كيف صنع النظام السوري البائد مشايخه؟

end of list

خسرت مصر إيرادات العبور 8 سنوات، لكن الأهم من ذلك أن الحرب دمرت مشروع تحديث كان قد بدأ يُرسي قواعده منذ سنوات، وتلك جريمة إسرائيلية ممتدة ولا تأخذ حقها من الاهتمام. ليست هذه الجريمة قصف المدن أو اغتيال القادة أو الحصار الخانق -وإن كانت كل هذه جرائم موثقة- بل هي جريمة من طبيعة مختلفة: تدمير الشروط الموضوعية التي يمكن في ظلها تأسيس دولة حديثة في المنطقة العربية.

تنشأ الدولة الحديثة حين تنجح سلطة ما في احتكار القوة داخل حدودها، وتبني جهازا إداريا يجمع الضرائب ويوزع الخدمات، وتحول هذه القدرة شيئا فشيئا إلى شرعية يقبلها المواطن ويثق بها. هذا ما رصده ماكس فيبر حين عرّف الدولة، وما تتبعه تشارلز تيلي حين درس كيف بنت أوروبا دولها: عبر الحرب ذاتها، التي دفعت الحكومات نحو مزيد من التنظيم والمركزية والكفاءة البيروقراطية لتمويل الجيوش وإدارة الأزمات.

“تنشأ الدولة الحديثة حين تنجح سلطة ما في احتكار القوة داخل حدودها، وتبني جهازا إداريا فعالا”

كانت الحرب في التجربة الأوروبية -على قسوتها- أداة بناء، بينما الحروب التي تخوضها دول المنطقة في مواجهة إسرائيل تعمل بمنطق معاكس تماما، فهي لا تبني الدول بقدر ما تفككها. والفارق ليس في طبيعة الحرب وحدها، بل في البيئة التي تشن فيها، وهي بيئة تتشابك فيها التدخلات الخارجية مع الدعم الغربي المفتوح لإسرائيل، لتتحول الحرب في منطقتنا من محرك للبناء إلى أداة إعاقة هيكلية مصممة لإجهاض أي مسار للتراكم المؤسسي العربي.

إعلان

بالقطع، لا يعني هذا بأي شكل إعفاء النخب المحلية العربية من مسؤوليتها عن تعطيل مشروع الدولة الحديثة عربيا. غير أن توصيف الدولة العربية بالفشل دون فهم البيئة التي تتحرك فيها ينتج تشخيصا ناقصا يشبه إدانة النبتة التي لم تنمُ، دون السؤال عن التربة التي زُرعت فيها.

الجغرافيا المبتورة

الشرط الأول لأي اقتصاد وطني قادر على إنتاج تراكم حقيقي هو وجود فضاء جغرافي متصل: سوق تتدفق فيها البضائع ورأس المال البشري بحرية بين المدن والأقاليم. هذا الشرط الأولي انكسر في المشرق العربي بشكل مادي وتدريجي منذ عام 1948.

قبل قيام إسرائيل، كانت شبكة السكك الحديدية الفلسطينية تربط مصر بالشام، والقنطرة بحيفا، وتدمج الأجزاء المتفرقة من المنطقة في منظومة نقل واحدة. مع إنشاء دولة إسرائيل انقطعت هذه الشبكة دفعة واحدة، وأصبح العالم العربي شقين: آسيويا وأفريقيا، يتصلان حصرا عبر طرق بديلة طويلة ومكلفة ومحملة باعتبارات أمنية خالصة. وما كان ينبغي أن يصبح إقليما اقتصاديا متكاملا تحول إلى أرخبيل من الجزر المنعزلة.

“مثل ظهور إسرائيل انقطاعا في الجغرافيا العربية، وبترا لذاكرة اقتصادية إقليمية كاملة كانت في طور التشكل”

مثل هذا الانقطاع الجغرافي بترا لذاكرة اقتصادية إقليمية كاملة كانت في طور التشكل. ففي عام 1942، ومع افتتاح خط (حيفا-بيروت-طرابلس)، بدا أن المشرق العربي يقترب من صياغة حيز متصل يربط القاهرة ببيروت ودمشق عبر فلسطين، خاصة مع وجود خط (درعا-حيفا) منذ عام 1905 كشريان رئيسي يربط الداخل السوري بالمحيط المتوسطي.

وجود إسرائيل في هذا الموقع الإستراتيجي خنق تدفق البضائع الإقليمية، ووجه الاقتصادات العربية قسرا بشكل عمودي؛ حيث أجبرت دول المغرب العربي مثلا على الارتهان للأسواق الأوروبية كبديل عن التكامل الأفقي مع الجوار، مما جعل الدولة العربية تابعا تجاريا معزولا عن عمقها الطبيعي.

Haifa railroad station. 1925, Israel. (Photo by: Sepia Times/Universal Images Group via Getty Images)
محطة حيفا للسكك الحديدية – أرشيف (غيتي)

يُمكن للأرقام أن تشرح حجم الخسارة الاقتصادية التي أدى إليها هذا التفكك الجغرافي. على سبيل المثال، تشير تقارير البنك الدولي حول التكامل الإقليمي إلى أن التجارة البينية داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تتجاوز 8% من إجمالي لسنوات متتالية. إذا قارنا هذا الرقم بالاتحاد الأوروبي حيث يبلغ حجم التجارة البينية 66%، أو حتى برابطة آسيان بنسبة تقارب 25%، سيظهر جليا لماذا ظلت اقتصادات المنطقة هشة أمام الصدمات الخارجية رغم كل مبادرات التحرير التجاري العربي التي هدفت لإزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية بين الدول العربية.

أما إغلاق قناة السويس بين عامي 1967 و1975 فيقدم حالة نموذجية لهذا الأثر المادي المباشر على حركة التبادل التجاري الإقليمي في المنطقة. دمرت إسرائيل مدن القناة الثلاث تدميرا كاملا وأجبرت نصف مليون مصري على النزوح. ولمعالجة ذلك خصصت ميزانيات ضخمة لإعادة الإعمار ما استنزف مسار التنمية، وعطل مشروع التحديث الناصري وصولا إلى انهياره الشامل بعد الهزيمة.

“تصطدم أي إرادة سياسية تهدف لتكوين تكتل تجاري واقتصادي عربي بغياب الشرط الجغرافي الذي يمثل حاضنتها الأساسية”

هنا، تصطدم أي إرادة سياسية تهدف لتكوين تكتل تجاري واقتصادي عربي بغياب الشرط الجغرافي الذي يمثل حاضنتها الأساسية، وهو شرط تواصل إسرائيل تدميره يوما بعد آخر بحروبها المستمرة. هكذا خسر العرب السوق الإقليمية التي كان بإمكانها تغذية الدولة بالضرائب والاستثمار المحلي، وفقدت معها قدرة هذه الدول على بناء اقتصاد سياسي مستقل عن الهيمنة الغربية.

Photograph of Scuttled ships blocking the entrance to the Suez canal at Port Said during the Six-Day War between Israel and Egypt. Dated 20th Century (Photo by: Universal History Archive/Universal Images Group via Getty Images)
إغلاق قناة السويس بين عامي 1967 و1975 يقدم حالة نموذجية للأثر المادي للحروب الإسرائيلية على حركة التبادل التجاري في المنطقة (غيتي)

الصدمات الديموغرافية

تفكك آلة الحرب الإسرائيلية التركيبة السكانية للمنطقة عبر موجات تهجير ممنهجة تلقي بكتل ديموغرافية ضخمة داخل حدود دول جوار تعاني أصلا من هشاشة مؤسسية. لقد ألقت نكبة عام 1948 بأكثر من 700 ألف فلسطيني خارج أرضهم، ليتضخم الرقم اليوم إلى قرابة ستة ملايين لاجئ مسجل لدى الأونروا، يتكدس ثلثهم في 58 مخيما. تمثل هذه المخيمات استثناء حضريا دائم التوسع يعطل سيطرة الدولة على مجالها المكاني. تتحول أطراف المدن العربية إلى جيوب جغرافية تفلت من هندسة المؤسسة الرسمية، وتنتج تخطيطا عمرانيا مشوها ومراكز قوى موازية ماديا واجتماعيا.

إعلان

تضخ هذه الموجات جيشا احتياطيا هائلا من العمالة الرخيصة ومسلوبة الحقوق في أسواق الدول المضيفة. هذا التدفق السريع يعرقل تشكل قوى عاملة وطنية متماسكة قادرة على التنظيم النقابي وانتزاع حقوقها. تجد النخب الرأسمالية والوكلاء التجاريون فرصة ذهبية لمراكمة الثروة عبر استغلال هذه العمالة الفائضة، وتتخلى عن أي حافز للاستثمار في تطوير بنية صناعية حقيقية. بهذا الشكل يغيب التحديث التقني تماما لصالح استنزاف الجهد البشري الرخيص، وتتعمق الفجوة الطبقية وتتركز الثروة في أيدي فئة محدودة تستفيد من هذه الحالة غير العادلة.

يتجاوز الضغط المتولد عن هذه الصدمات مسألة الخدمات والقوى العاملة ليضرب صميم الهوية الوطنية، واحتكار الدولة للعنف المادي، وموازين الزبائنية السياسية. يستضيف الأردن على سبيل المثال ما يزيد على مليوني لاجئ فلسطيني مسجلين لدى الأونروا. ولهذا السبب تُعاد صياغة آليات الحكم جذريا لاحتواء هذا المتغير المستمر في بلد يمثل فيه اللاجئون حصة ديموغرافية وازنة، وهو ما يفرض تحديات هيكلية على تعريف المواطنة وشبكات توزيع الثروة.

في لبنان، تشابكت موجات اللجوء الفلسطيني مع أوضاع طائفية هشة بالأساس، فتحولت الدولة إلى ساحة للصراع حول السيادة. أنتج هذا التناقض انهيارا هيكليا دخلت على أثره البلاد في حرب أهلية بين عامي 1975 و1990، قدر الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي تكلفة إعادة الإعمار في أعقابها بنحو 20 مليار دولار، فيما تراكم الدين العام اللبناني حتى بلغ 46 مليار دولار وفق التقديرات المتوسطة (تعادل 130-140% من الناتج المحلي الإجمالي)، وسُحقت مؤسسات الدولة الوليدة تحت ثقل هذا الإرث المركب.

بهذا الشكل، تعيد موجات التهجير الإسرائيلية رسم خريطة الدول العربية المضيفة من الداخل، وتغرقها في نزاعات وأزمات مزمنة. وتحت وطأة هذه الصدمات السكانية، يتوقف مسار التطور المؤسسي لتتحول الدولة إلى مجرد “ورشة طوارئ” تدير الأزمات اليومية، وتعيش حالة ارتباك جغرافي واجتماعي لا ينتهي. وهو ما قد يفسر -جزئيا- الموقف الصارم لدول الجوار ضد أي موجة تهجير جديدة من قطاع غزة.

التفكك البيروقراطي

تحتاج المؤسسة الإدارية الحديثة إلى ما لا تستطيع أي خطة سياسية توفيره بمرسوم: الزمن. زمن يتراكم فيه التقليد البيروقراطي، وتُختبر فيه السياسات، وتُصحح فيه الأخطاء ببطء ومنهجية. ما يحدثه الصراع الممتد مع إسرائيل هو تكسير هذا الزمن بصورة مستمرة، وتحويل الأزمة من حدث استثنائي إلى خلفية دائمة للحكم.

مع كل صدمة جديدة تسببها الحرب مع إسرائيل، يُعاد ضبط الزمن السياسي العربي من الصفر. فالدول العربية تعيش منذ عقود في حالة استجابة دائمة لمجرد الحفاظ على البقاء، غارقة في زمن متقطع يغتال أي فرصة للتخطيط وتراكم المنجزات. هنا يتشكل ما يمكن تسميته بـ”الحاضر اللا نهائي”، وهو نوع من الواقع السياسي لاهث ومتقطع، ويصادر أي إمكانية لإنتاج تراكم مؤسسي حقيقي.

“مع كل صدمة جديدة تسببها الحرب مع إسرائيل، يُعاد ضبط الزمن السياسي العربي من الصفر”

يخضع هذا الإيقاع المفروض على الزمن السياسي عربيا لإدارة هيكلية ضمن بنية إقليمية تضبط وتيرة الأحداث وتتحكم بها. فإسرائيل، بما تمتلكه من موقع إستراتيجي ودعم غربي، حين تبدأ أي حرب على بلد عربي ما، فإنها في الحقيقة تتحكم في الزمن وكيفية اختباره عربيا. تبدأ إسرائيل الحرب متى شاءت، وعلى أي دولة تشاء بمجرد أن تصنفها خطرا على أمنها القومي، ومع مباركة أمريكية، تدخل هذه الدولة نفقا مظلما من الحرب المفتوحة.

استجاب ناصر للضغط المجتمعي بإعلان
استجاب ناصر للضغط المجتمعي بإعلان “بيان 30 مارس” عام 1968 كوثيقة للإصلاح الدستوري والسياسي. لكن متطلبات حرب الاستنزاف ابتلعت هذا المسار بالكامل (الفرنسية)

حققت مصر الناصرية بين عامي 1957 و1967 معدل نمو سنوي يلامس 7%، وقفز معدل الاستثمار الإجمالي إلى 22.3% من الناتج القومي عام 1964. جسدت هذه الأرقام مشروع دولة بيروقراطية إنتاجية تتجاوز الاستعراض الخطابي للتحديث، لتؤسس قاعدة صناعية. امتد هذا التراكم إلى إطلاق برامج عسكرية متقدمة، كمشروع المقاتلة النفاثة والصواريخ الباليستية، ما فرض ندية تكنولوجية واضحة وتعاونا فنيا مباشرا مع دول صاعدة كالهند، وقوى كبرى مثل الاتحاد السوفياتي.

إعلان

وعلى وقع هزيمة عام 1967، استجاب ناصر للضغط المجتمعي بإعلان “بيان 30 مارس” 1968 كوثيقة للإصلاح الدستوري والسياسي. لكن متطلبات حرب الاستنزاف ابتلعت هذا المسار بالكامل، وصادرت حالة الاستنفار العسكري مسار التطور السياسي الداخلي، ليرحل ناصر عام 1970 تاركا بيانه وعدا معلقا. ورث خليفته السادات برامج صناعية متوقفة عمليا، فاستحال التوقف إلى تفكك هيكلي. وهكذا قضت الحرب من بين أسباب أخرى، على مشروع دولة تنموية ناشئة، وحكمت بتوجيه كامل الجهد الاقتصادي لمجهود حربي لا مفر منه لاستعادة سيناء المحتلة.

FILE - Egypt's President Anwar Sadat, left, shakes hands with Israeli Prime Minister Menachem Begin as President Jimmy Carter watches at Camp David, Md., in September 1978, during talks aimed at laying the groundwork for a permanent Middle East peace. (AP Photo, File)
أنور السادات (يسار) يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، بينما يراقب جيمي كارتر المشهد في كامب ديفيد عام 1978 (أسوشيتد برس)

سوريا هي الأخرى قدمت حالة لا تقل كشفا. حين وصل حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، ورث دولة شهدت خلال عقدين تعاقبا لانقلاب عسكرية أشارت إلى أزمة بيروقراطية حادة. غير أن هزيمة عام 1967 وضياع الجولان منحاه ما لم يملكه أسلافه: مسوغا دائما لتجميد الزمن السياسي. وهكذا أبقى الأسد حالة الطوارئ التي أعلنت عام 1963 وظلت سارية حتى عام 2011، أي 48 عاما متواصلة.

خصصت سوريا تحت حكم حافظ الأسد، تحديدا خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، بين 35-40% من ميزانيتها للإنفاق العسكري، ما يعادل 10-16% من الناتج المحلي الإجمالي. ومثل هذا التخصيص المالي فرصة لإعادة هندسة متعمدة للدولة، وتقديم سوريا بوصفها كيانا في حالة حرب دائمة. والمفارقة المرة فإن الأسد، ورغم امتناعه عن خوض أي حرب فعلية مع إسرائيل بعد عام 1973، حول الصراع معها إلى مبدأ تنظيمي للسياسة الداخلية، فاحتكر المقاومة وحولها من مشروع مجتمعي إلى أداة للسيطرة، وجرد المؤسسات المدنية من أي استقلالية وظيفية، وتحول الجهاز البيروقراطي من أداة إنتاج خدمات إلى أداة ولاء.

Syrian President Hafez Assad is pictured during the dedication ceremony at Sports Stadium in Damascus, March 8, 1974. This is the 8th anniversary of the Baath Party takeover of power in Syria. Assad is flanked by top party aids, all wearing garlands. (AP Photo/Azad)
هزيمة عام 1967 وضياع الجولان منحا حافظ الأسد (يمين) ما لم يملكه أسلافه: مسوغا دائما لتجميد الزمن السياسي (أسوشيد برس)

تشكل الدولة العربية حول هذا الصراع جعل البيروقراطيات العربية مرتهنة دائما للخارج ومتجاهلة لعمقها الداخلي. وقد أفضى هذا البناء إلى تفتيت مفهوم السيادة تماما. ففي حين تتمتع إسرائيل بسيادة مكتملة يضمنها الغرب، تعمل الدول العربية ضمن سيادة مشروطة، مجزأة، تُعاد صياغتها باستمرار بفعل الحرب وأزماتها.

تصادر إسرائيل أي محاولة لإعادة التوازن الإقليمي تحت ذريعة “التهديد الأمني”، ما يقوض شروط الحكم المستقر القائم على الاستمرارية. وتترجم تل أبيب هذه الذريعة إلى ضربات استباقية تسحق أي مسار لتأسيس مؤسسات بيروقراطية صاعدة. والحقيقة أن التهديد الذي تعنيه إسرائيل فعليا هو خطر قيام كيان مستقر لدولة عربية حديثة.

عقيدة “الضاحية”

مثل خروج عشرات الآلاف من الكفاءات اللبنانية بعد حرب عام 2006 إعلانا ماديا بانتفاء الجدوى السياسية والاقتصادية للبقاء. يصدر المهندس والطبيب حكما عقلانيا بالهجرة، ليتحول هذا الخلاص الفردي فورا إلى “أمية مؤسسية” تجرد الدولة من تراكمها البيروقراطي. هكذا تفرض آلة الحرب الإسرائيلية تصفيرا مستمرا للأجهزة الإدارية العربية، وتحيلها قسرا إلى هياكل مفرغة تفقد أبسط شروط التخطيط طويل المدى.

تدفع غزة هذه الآلية إلى أقصاها. وهي التي فقدت الجزء الأكبر من كوادرها الطبية خلال الحروب المتعاقبة مع إسرائيل، ما يكشف عن تصميم دقيق تمارسه دولة الاحتلال لخنق الحياة المدنية ودفع العقول العربية نحو الهجرة. في الحرب الأخيرة تجاوزت إسرائيل هدف إنقاص الكوادر ليصل إلى تدمير وإزاحة جيل كامل من الخبرات، بالقتل وبالتهجير.

يتقاطع هذا النزيف الديموغرافي مع هندسة تدميرية للفضاء المادي، تتجلى في “عقيدة الضاحية” التي صاغها رئيس الأركان الأسبق غادي أيزنكوت عام 2008 كمنهج قتالي يكرس للإبادة الحضرية، وارتبطت بالدمار الشامل الذي ألحقته آلة الحرب الإسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت عام 2006. يتجاوز المنطق الاقتصادي لهذه العقيدة الأثر العسكري المباشر للمتفجرات؛ إذ يكفي تدمير محطة طاقة واحدة لسحق البنية التحتية للإنتاج المحلي بالكامل. يسفر هذا العنف المكاني عن هروب فوري لرأس المال الخاص للاحتماء بقطاعات المضاربة سريعة التسييل، ويستنزف الفائض المالي للسلطة المحلية في دوامة ترقيع الأضرار وإعادة الإعمار، مجهضا أي إمكانية لتأسيس تراكم تنموي مستقر.

“عبر قصف جسر واحد تعزل إسرائيل أطراف المدينة عن سوقها المركزي وتشل دورتها الاقتصادية بالكامل”

عبر قصف جسر واحد تعزل إسرائيل أطراف المدينة عن سوقها المركزي وتشل دورتها الاقتصادية بالكامل. وتستنزف عملية إعادة هذا الربط سنوات طويلة تجهض مسار التنمية من جذوره. يفسر هذا المنطق تركيز إسرائيل على ضرب البنية التحتية المدنية في المنطقة، كاستهداف الجسور في لبنان خلال الحرب الحالية. يتجه الهدف المباشر لهذه الضربات نحو غاية هيكلية مستدامة: التقطيع المنهجي للأوصال الاقتصادية للمجتمعات المحلية، وإجبارها على العيش في حالة تأخر دائم.

إعلان

ينسف هذا التدمير المنهجي شرط “التراكم” المادي الذي تتأسس عليه أي دولة حديثة، فارضا على دول المنطقة عودة قسرية ومستمرة إلى نقطة الصفر بعد كل مواجهة مع إسرائيل. وتمثل غزة اليوم المختبر الأقصى لآلية “التصفير” هذه؛ إذ سحقت آلة الحرب ما يتجاوز 18.5 مليار دولار من بنيتها التحتية منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حتى نهاية يناير/ كانون الثاني 2024، لتبتلع بفترة وجيزة ما يعادل 97% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني لعام 2022.

اقرأ أيضا: انطلاق الجولات التأهيلية لسباق الدرفت الثالث والأخير اليوم…

يجرد هذا الواقع مصطلح “إعادة الإعمار” من أي حمولة تنموية، ليحيله إلى مجرد صراع بدائي لاستعادة شروط الحياة البيولوجية الدنيا. هكذا يشكل الدمار الإسرائيلي جوهر الحرب ذاتها، وتثبت غزة في العقل الإبادي الإسرائيلي موقعها كمعمل تجريبي متقدم لآليات الإبادة التي تطبقها مناطق أخرى، وتطمح لتعميم هندستها على كامل المنطقة.

عقيدة بيغن

أسس قصف المفاعل النووي العراقي “أوزيراك” عام 1981 لما عرف لاحقا بـ”عقيدة بيغن”، وهي إستراتيجية تدخل استباقية إسرائيلية تحظر على أي دولة عربية امتلاك دورة تكنولوجية متقدمة أو قدرات تنموية مستقلة.

في عام 1976 أبرم العراق عقدا مع فرنسا للحصول على مفاعل أوزيراك للبحث العلمي المدني، موقعا على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وقابلا اشتراطاتها: رقابة فرنسية، تفتيش دوري من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكاميرات مراقبة دائمة على قلب المفاعل. كان المشروع من البداية علنيا ومنضبطا ومؤسسيا. في يونيو/حزيران 1981 دمرت إسرائيل المفاعل قبل اكتمال بنائه.

أسفرت الضربة الإسرائيلية عن تحول بنيوي جذري في مسار البرنامج. تراجعت بغداد عمليا عن التزاماتها رغم حفاظها على عضوية معاهدة عدم الانتشار، وضاعفت ميزانيتها النووية بين 10-15 ضعفا، دافعة بالبرنامج نحو السرية المطلقة خارج أي إطار رقابي. وهكذا حولت الضربة الإسرائيلية مشروعا مدنيا شرعيا، إلى مشروع طارئ سري يستنزف الدولة من الداخل.

“حولت الضربة الإسرائيلية مشروعا مدنيا شرعيا، إلى مشروع طارئ سري يستنزف الدولة من الداخل”

تتمدد هذه العقيدة لتشمل التصفية الجسدية المباشرة لرأس المال البشري وتخريب سلاسل التوريد الصناعية المتقدمة. تجلى هذا النمط بوضوح في تصفية يحيى المشد عام 1980، عالم الذرة المصري وأحد أهم مهندسي البرنامج النووي العراقي، في عملية استخباراتية في باريس استبقت قصف مفاعل “أوزيراك” ذاته. ينسحب النهج ذاته على اغتيال المهندس الكندي جيرالد بول عام 1990 في بروكسل، وهو العقل المدبر لـ”مشروع بابل” العراقي الذي استهدف بناء أنظمة مدفعية عملاقة، والذي يعتقد على نطاق واسع أن إسرائيل هي من قتلته.

تلاحق آلة التصفية مسارات التحديث التقني، وتغتال الكفاءات الساعية لتوطين تكنولوجيا الطيران والأنظمة الذاتية. يفسر هذا النسق اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري عام 2016، الخبير في هندسة الطائرات المسيرة، وتصفية المهندس الفلسطيني فادي البطش في ماليزيا عام 2018، المتخصص في الهندسة الكهربائية المتقدمة ونظم الطاقة. تدرك إسرائيل أن هذه العقول تمثل بنية تحتية متحركة قادرة على كسر احتكار السماء وتأسيس صناعة عسكرية محلية خارج سيطرة المركز الغربي.

يتكامل هذا العنف الجسدي مع حصار هيكلي تفرضه تل أبيب بدعم وغطاء أمريكي مطلق على سلاسل التوريد العالمية. تفرض واشنطن نظام عقوبات وحظرا صارما يمنع وصول تقنيات “الاستخدام المزدوج”، والموصلات الدقيقة، وأدوات التصنيع الآلي إلى المحيط العربي. كما يوظف هذا الاحتكار التقني كأداة عنف جيوسياسي صريح؛ حيث تحتفظ تل أبيب بموقع المركز الصناعي والتقني المتفوق المرتبط عضويا برأس المال العالمي، وتجبر دول الأطراف العربية على البقاء كساحات استهلاك ريعية.

وهكذا تُحرم الجغرافيا العربية بشكل واضح من أي فرصة لمراكمة رأسمال علمي أو صناعي، لتظل خاضعة لتراتبية إقليمية حادة تُفرض بقوة الطيران، وتُصان بالاغتيال، وتُحرس بالاحتكار المطلق للتكنولوجيا.

تشويه العقد الاجتماعي

يمتد تأثير الحروب الإسرائيلية إلى القطاع الخاص في الدول العربية. يتطلب النمو الصناعي والزراعي أفقا زمنيا مستقرا وضمانات قانونية ومادية، وهو ما تحطمه حالة الحرب الدائمة. فحين يدرك المستثمر أن منشآته قد تتحول إلى هدف عسكري في أي لحظة، فإنه يتجه قسرا نحو القطاعات “الريعية” والمضاربات القابلة للتسييل السريع. والنتيجة الحتمية هي تضخم قطاعات طفيلية عقيمة تنمويا، وضمور القطاعات القادرة على إحداث التنمية الفعلية، مما ينتج اقتصادات هشة تفتقر للعمق الإنتاجي.

يتقاطع هذا التشوه مع ظاهرة “رأس المال الهارب” حيث يُسحب رأس المال البشري والكفاءات من الاقتصاد المنتج نحو اقتصاد ريعي يصادر القيمة التنموية ليرسخ ثقافة توظيف قائمة بالأساس على مقاييس الولاء وتهميش الجدارة المهنية. تبرز هنا المفارقة المأساوية؛ فبينما طورت إسرائيل “اقتصادا أمنيا” قائما على تصدير التقنية الدفاعية وبناء قطاع تكنولوجي ناضج، يكتفي المحيط العربي باستيراد هذه التقنيات واستهلاكها، مما يثري المصانع الأجنبية ويعمق الفجوة التقنية.

كما تجبر الآلة العسكرية الإسرائيلية المحيط العربي على حالة استنفار هيكلي يستنزف نسبة معتبرة من ناتج دول المنطقة. إذ قفز الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط ليلامس 200 مليار دولار في عام 2023، وفق تقديرات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام. بهذه الكيفية تُسحب مئات المليارات سنويا من شرايين المدن والتعليم والبنية التحتية، لتُضخ في صفقات خارجية تعيد تدوير التبعية وتفرغ المنطقة العربية من أي تراكم رأسمالي منتج.

“تتجاوز الأزمة حدود الهدر المالي المباشر لتشوه صميم الهيكل الإنتاجي”

تتجاوز الأزمة حدود الهدر المالي المباشر لتشوه صميم الهيكل الإنتاجي. إذ يحتكر هذا النمط من الهيمنة قنوات الثروة، ويجهض منهجيا تشكل أي برجوازية وطنية مستقلة قادرة على موازنة سلطة الدولة. يغيب الفاعل الاقتصادي المستقل، وينعدم معه الضغط المجتمعي القادر على انتزاع الحق في التمثيل والمحاسبة. بهذا الشكل تُعاد صياغة العقد الاجتماعي من جذوره، بأن تسقط معادلة الضرائب مقابل الخدمات. كما عزز تدفق المساعدات الأجنبية هذا التشوه المادي، وخلق ريعا جيوسياسيا يعفي من تأسيس علاقة ضريبية مع المجتمع.

إضافة لذلك، تتجاوز حالة الاستثناء التي تفرضها الحروب مع إسرائيل لحظة انتهاء المواجهات العسكرية، لتتأسس كهندسة قانونية دائمة تعيد صياغة العقد الاجتماعي. يُستخدم مفهوم جورجيو أغامبين عن “حالة الاستثناء” ليصف اللحظات الطارئة التي تُعلق فيها الدولة قانونها، لكن الواقع العربي حول هذا التعليق إلى بنية تشريعية دائمة.

يؤدي هذا التآكل في سلطة القانون إلى دفع المواطن نحو البحث عن شبكات ثقة بديلة تحميه؛ كالعائلة والطائفة والقبيلة. لتنبثق هذه الشبكات كاستجابة عقلانية ومنطقية لغياب مؤسسة قانونية موثوقة. ويغذي الصراع مع إسرائيل هذا المسار عبر توفير المسوغ الدائم لتمديد التشريع الاستثنائي.

الدولة المؤجلة

لا يمثل إجهاض مشروع الدولة العربية الحديثة نتيجة عرضية للصراع مع إسرائيل، بل يرتكز إلى عقيدة إستراتيجية إسرائيلية، نجد صداها في مقالة عوديد ينون، التي نشرها الصحفي والمخطط الإستراتيجي الإسرائيلي في مجلة كيفونيم عام 1982. تقدم المقالة تصورا تشريحيا صريحا لتفكيك الدول العربية المركزية، كالعراق وسوريا ومصر، إلى كانتونات طائفية وعرقية هشة. وهي تتوافق مع مراسلات مبكرة لديفيد بن غوريون في الخمسينيات أكد فيها على ضرورة استغلال التصدعات المجتمعية في لبنان وسوريا لمنع تبلور أي نواة لدولة عربية صلبة.

يُبنى الأمن القومي الإسرائيلي، وفق هذه العقيدة، من أجل إدامة الهشاشة الهيكلية للمحيط الإقليمي، وتحويل الفشل المؤسسي العربي من احتمالية سياسية يمكن تداركها إلى حتمية جيوسياسية مطلوبة لذاتها ومصممة لضمان التفوق المطلق للمشروع الاستيطاني، ولبقاء إسرائيل.

أنتج هذا السياق ما يمكن تسميته بـ”الدولة العربية المؤجلة”، التي فيها تتشكل المؤسسات دون أن تترسخ، وتُمارس السيادة بشكل مشروط ومقيد من الخارج، تماشيا مع العقيدة الإستراتيجية الأمريكية، المكرسة لتثبيت التفوق العسكري الإسرائيلي النوعي، وإدامة بيئة عربية محيطة هشة ومفككة.

هذا الواقع يضع الراغبين في إقامة دولة عربية حديثة أمام حائط صد صلب هو: إسرائيل، التي لا ترغب ولا تسمح لأي كيان عربي بالنمو والتحديث المستقل. وبدون حل هذه المعضلة تبقى كل رغبة في التنمية وبناء دولة حديثة حبرا على ورق، أو هدفا محتملا لقصف إسرائيلي طال الزمان أو قصر.

اقرأ أيضا: اتحاد الإعلام الرياضي يقيم دورة “تغطية الرياضات الإلكترونية”…

‫0 تعليق