سيارة “شي جين بينج” في القاهرة.. أسرار «هونتشي N701» من التدريع إلى الاتصالات الآمنة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، مساء امس الثلاثاء 1 سبتمبر 2026، في زيارة رسمية إلى مصر هي الأولى له منذ عشر سنوات، وكان في استقباله الرئيس عبدالفتاح السيسي وقرينته السيدة انتصار السيسي في مطار القاهرة الدولي. وبينما تصدرت الملفات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية أجندة الزيارة، لفتت سيارة الرئيس الصيني الأنظار باعتبارها جزءًا أساسيًا من المشهد البروتوكولي والأمني المصاحب له، إذ ظهر الموكب الرئاسي الصيني مصحوبًا بسيارة Hongqi N701، الليموزين الرئاسية شديدة التحصين التي صُممت خصيصًا لكبار قادة الدولة الصينية.

اقرأ أيضا: الرئيسان المصري والصيني يرحبان بتوسيع استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار

وتحمل زيارة شي جين بينغ إلى مصر أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ تأتي في توقيت يشهد تحولات حادة في موازين القوى الدولية والشرق الأوسط، بينما تسعى القاهرة وبكين إلى توسيع الشراكة الاستراتيجية بينهما. وأكدت الرئاسة المصرية أن الزيارة تستهدف تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والتنموية، ومتابعة تنفيذ اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقع بين البلدين عام 2014، إلى جانب التشاور بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وفي هذا السياق، لا تبدو سيارة شي جين بينغ مجرد وسيلة انتقال لرئيس دولة خلال زيارته القاهرة، بل تمثل جزءًا من صورة أوسع للصناعة الصينية التي تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها قادرة على إنتاج منتجات فائقة التعقيد تجمع بين الفخامة والحماية والأمن السيبراني، في وقت تتحول فيه العلامة الصينية Hongqi من رمز تقليدي لسيارات الدولة إلى علامة فاخرة تتوسع تدريجيًا في الأسواق الخارجية.

«هونشيN701» سيارة الدولة وعلامة السيارات الفاخرة

اسم Hongqi يعني باللغة الصينية «العلم الأحمر»، وهي علامة تابعة لمجموعة FAW الصينية، وتعود جذورها إلى عام 1958، عندما أصبحت واحدة من أبرز رموز صناعة السيارات الصينية وأول علامة محلية صينية موجهة إلى قطاع سيارات الركوب.

وعلى مدار عقود، ارتبطت هونشي بالقيادة السياسية الصينية، حيث كانت سياراتها تُستخدم في المناسبات الرسمية والاستقبالات والاحتفالات الوطنية، قبل أن تبدأ الشركة في السنوات الأخيرة إعادة تقديم نفسها كعلامة سيارات فاخرة قادرة على منافسة العلامات الأوروبية والأمريكية في الفئات الأعلى سعرًا.

ويعكس هذا التحول استراتيجية صينية أوسع تهدف إلى الانتقال من صورة المنتج منخفض التكلفة إلى منتجات تحمل قيمة تقنية وتصميمية أعلى. وتعد سيارة Hongqi L5 أبرز مثال على هذا التوجه؛ فهي سيارة فاخرة ضخمة ذات تصميم مستوحى من سيارة CA770 الكلاسيكية التي ارتبطت بقيادات الصين خلال القرن الماضي.

لكن السيارة التي يستخدمها شي جين بينغ في تنقلاته الرسمية ليست بالضرورة النسخة التجارية من L5، إذ تشير التقارير إلى أن السيارة الرئاسية المعروفة باسم N701 هي نموذج خاص شديد التحصين، ولا تنشر السلطات الصينية تفاصيل دقيقة عن مواصفاته الأمنية.

ليموزين رئاسية تحت السرية

تعد Hongqi N701 من أكثر السيارات الرئاسية غموضًا في العالم. وعلى الرغم من ظهورها في عدد من زيارات الرئيس الصيني الخارجية، فإن التفاصيل المتعلقة بدرجة تدريعها وأنظمة الاتصالات والحماية الإلكترونية تظل محدودة للغاية.

ويبلغ طول السيارة نحو 18 قدمًا، أي قرابة 5.5 متر، وتتميز بتصميم طويل ومهيب يضعها في الفئة نفسها من حيث الحضور البصري مع أشهر سيارات رؤساء الدول، وإن كانت فلسفتها مختلفة عن السيارات الرئاسية الغربية.

وتشير المعلومات المتداولة حول السيارة إلى أنها مزودة بتدريع ثقيل قادر على مقاومة الانفجارات والرصاص، إضافة إلى زجاج سميك مضاد للرصاص وإطارات قادرة على مواصلة السير في حال تعرضها للتلف.

لكن مستوى الحماية لا يتوقف عند التدريع التقليدي. فالتقارير المتخصصة تتحدث عن مقصورة محكمة الإغلاق صُممت لتوفير مستوى مرتفع من الحماية في مواجهة تهديدات بيولوجية وكيميائية محتملة، إلى جانب نظام مستقل لإمداد المقصورة بالأكسجين.

ومع ذلك، ينبغي التعامل بحذر مع هذه التفاصيل، إذ إن الحكومة الصينية لا تنشر مواصفات رسمية شاملة للسيارة، كما أن بعض المعلومات المتداولة بشأن تجهيزاتها الأمنية تعتمد على تقارير صحفية ومصادر غير رسمية.

سيارة تتجاوز الفخامة إلى «قلعة متحركة»

تكمن أهمية N701 في أن وظيفتها الأساسية ليست الفخامة، وإنما الحفاظ على أمن الرئيس الصيني أثناء تحركاته داخل البلاد وخارجها.

ولهذا السبب، فإن وزن السيارة وتجهيزاتها لا يمكن مقارنتهما بسهولة بالسيارات الفاخرة التقليدية. فإضافة طبقات التدريع والزجاج المضاد للرصاص وأنظمة الحماية المختلفة تجعل السيارة أثقل بكثير من السيارات التجارية التي تحمل التصميم نفسه.

وتشير المعلومات المتداولة كذلك إلى وجود أنظمة اتصالات آمنة تسمح للرئيس بالبقاء على اتصال بشبكات الدولة، إضافة إلى تجهيزات إلكترونية دفاعية. ولا تتوافر معلومات رسمية كافية لتحديد طبيعة هذه الأنظمة أو نطاق عملها، وهو أمر متوقع بالنسبة لسيارة مخصصة لرئيس دولة كبرى تمتلك قدرات عسكرية وتقنية واسعة.

وهنا تتحول السيارة إلى ما يشبه مركز قيادة متحركًا، وليس مجرد ليموزين رئاسية. فسيارات القادة في الدول الكبرى عادة ما تجمع بين النقل والحماية والاتصالات، بما يتيح استمرار عمل القيادة السياسية في حالات الطوارئ.

هونشي L5.. الوجه التجاري للعائلة الرئاسية

وبينما تحيط السرية بسيارة N701، فإن سيارة Hongqi L5 أكثر وضوحًا من الناحية التجارية، وقد أصبحت واحدة من أشهر السيارات الصينية الفاخرة.

ظهر الجيل الأول من L5 في معرض شنغهاي للسيارات عام 2013، مستفيدًا من تصميم مستوحى من Hongqi CA770، السيارة التاريخية التي ارتبطت بقيادات الصين، ومن بينها الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ.

وتتميز L5 بتصميم كلاسيكي يجمع بين المقدمة العمودية والهيكل الضخم والتفاصيل المستوحاة من السيارات الصينية الرسمية القديمة. ويبلغ طول الجيل الأول نحو 5.555 متر، وهو رقم اختير أيضًا لما يحمله الرقم خمسة من دلالات ثقافية في الصين.

وكانت السيارة تُطرح بنسخ مدنية ورسمية ونسخ مخصصة للاستعراضات، فيما وصلت أسعار النسخ المدنية إلى نحو 5 ملايين يوان، أو قرابة 800 ألف دولار وفق أسعار الصرف والتقديرات المتداولة في فترة طرحها، لتصبح واحدة من أغلى السيارات الصينية التي أتيحت للبيع للأفراد.

أما المحرك، فشملت الإصدارات السابقة محركًا ضخمًا من 6.0 لترات و12 أسطوانة، كما أعلنت هونشي لاحقًا عن نسخة بمحرك V8 سعة 4.0 لترات مزود بشاحنين توربينيين، بقوة تقارب 381 حصانًا مع ناقل حركة أوتوماتيكي من ثماني سرعات.

الجيل الجديد ل«Hongqi Guoli» بسعر يتجاوز 7 ملايين يوان

في أبريل 2023، كشفت هونشي عن الجيل الثاني من L5 خلال معرض شنغهاي الدولي للسيارات، قبل إعادة تسمية السيارة في السوق الصينية إلى Hongqi Guoli، وتعني التسمية تقريبًا «هدية الدولة» أو «التحية الوطنية» وفق السياق اللغوي.

وجاء الجيل الجديد أكبر من سابقه، بطول يبلغ 5.980 متر، وعرض 2.090 متر، وارتفاع 1.710 متر، مع قاعدة عجلات بطول 3.730 متر.

وتزن السيارة نحو 3.150 طن، وهي مجهزة بمحرك V8 توربيني سعة 4.0 لترات، ينتج نحو 285 كيلوواط، أي ما يقارب 382 حصانًا، مع نظام دفع رباعي.

وأعلنت هونشي في يونيو 2024 سعر Guoli عند نحو 7.18 مليون يوان، لتواصل السيارة موقعها كواحدة من أغلى السيارات الصينية المتاحة للبيع.

لكن Guoli، رغم ارتباطها التاريخي بسيارات الدولة، لا ينبغي الخلط بينها وبين N701 التي يستخدمها شي جين بينغ في مهماته الرسمية. فالسيارة الرئاسية N701 نموذج أمني خاص، بينما Guoli هي سيارة فاخرة يمكن تقديمها للسوق المدني.

لماذا يصطحب شي سيارته في الخارج؟

اختيار الرئيس الصيني استخدام سيارته الوطنية خلال الزيارات الخارجية يحمل بُعدًا عمليًا وسياسيًا في الوقت نفسه.

فمن الناحية الأمنية، تتيح السيارة التي تعرفها أجهزة الحماية الصينية وتتحكم في تجهيزاتها إمكانية تقليل الاعتماد على مركبات الدولة المضيفة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر برئيس إحدى أكبر القوى العسكرية والاقتصادية في العالم.

كما أن استخدام سيارة صينية الصنع في الخارج يمثل رسالة مرتبطة بالثقة في الصناعة المحلية. وقد نُسب إلى شي جين بينغ تفضيله استخدام السيارات الصينية خلال الزيارات الخارجية، باعتبار أن ظهوره داخل سيارة أجنبية لا يعكس الصورة التي تريد بكين تقديمها عن صناعتها الوطنية.

وفي حالة زيارة مصر، فإن ظهور N701 في شوارع القاهرة لا يحمل أهمية أمنية فقط، وإنما يأتي في إطار احتفالي وسيادي، إذ تظهر الصين أمام شريك استراتيجي في المنطقة بسيارة تحمل علامة وطنية مرتبطة تاريخيًا بالدولة والقيادة السياسية.

موكب متعدد الطبقات

وتزداد أهمية السيارة عند النظر إلى طريقة تحركها ضمن الموكب الرئاسي.

فخلال زيارة شي إلى موسكو في وقت سابق من العام، ظهرت N701 ضمن موكب أمني ضخم، وكانت هناك سيارة مماثلة تعمل كسيارة خداع أو احتياط، فيما أحاطت بها مركبات أمنية أخرى.

اقرأ أيضا: قافلة طبية مجانية لجامعة سوهاج بنجع الخطيب في أخميم | صور

وظهرت في الموكب الروسي مركبات Aurus Arsenal الروسية، إضافة إلى سيارات Aurus أخرى ومركبات أمنية ومرسيدس، في تشكيل يعكس طبيعة الحماية متعددة الطبقات التي تحيط بالرئيس الصيني أثناء تحركاته في الخارج.

وتتمثل الفكرة الأساسية في عدم الاعتماد على سيارة واحدة، وإنما إنشاء منظومة متكاملة تضم مركبات حماية واتصالات ودعم، إلى جانب عناصر أمنية متخصصة.

«N701» في مواجهة «The Beast»

وعلى الجانب الآخر من العالم، تمتلك الولايات المتحدة نموذجًا مشابهًا من حيث الوظيفة والرمزية، وهو الليموزين الرئاسية الأمريكية المعروفة باسم The Beast.

السيارة الأمريكية، التي ظهرت نسختها الحديثة في 2018، ترتبط بالرئاسة الأمريكية وتعد واحدة من أكثر السيارات تحصينًا وسرية في العالم. وتشير التقديرات إلى أن وزنها قد يصل إلى نحو 20 ألف رطل، أو أكثر من تسعة أطنان، وتستوعب سبعة أشخاص.

وتتضمن السيارة تجهيزات للحماية من الرصاص والانفجارات وتهديدات كيميائية، بينما تظل العديد من تفاصيلها محاطة بالسرية من جانب جهاز الخدمة السرية الأمريكي.

وتبلغ التقديرات المتداولة لسعر The Beast نحو 1.5 مليون دولار، وإن كان السعر الحقيقي لمنظومة السيارة الرئاسية يصعب تحديده بسبب طبيعة التجهيزات الخاصة والتحديثات الأمنية.

لكن الفارق بين السيارتين لا يتعلق فقط بالمواصفات. فالـBeast تحمل هوية أمريكية واضحة مستمدة من تصميم سيارات كاديلاك، بينما تعتمد N701 وL5 على تراث Hongqi، بما يجعل السيارة الصينية أقرب إلى رمز للسيادة الصناعية والسياسية الصينية.

وتأتي هذه الصورة في وقت توسع فيه هونشي حضورها خارج الصين. فقد أعلنت الشركة خططًا للتوسع في أسواق آسيوية وغربية، مع دخول أسواق جديدة في جنوب شرق آسيا وأستراليا، إلى جانب وجودها في الشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا.

وفي سنغافورة، كان من المقرر إطلاق العلامة عبر مجموعة Eurokars، على أن تكون E-HS9 الكهربائية الرياضية متعددة الاستخدامات من أبرز طرازات البداية. كما تستعد هونشي للتوسع في أستراليا، مع توقع طرح E-HS9 في السوق هناك، في خطوة تعكس تحول العلامة من رمز لسيارات الدولة الصينية إلى لاعب في سوق السيارات الفاخرة العالمية.

وتأتي هذه الخطوة في ظل صعود سريع للعلامات الصينية، خصوصًا في السيارات الكهربائية والهجينة، حيث لم تعد المنافسة قائمة على السعر فقط، بل أصبحت تشمل التكنولوجيا والتصميم ومدى القيادة وأنظمة القيادة والمقصورة الفاخرة.

وتعزز هونشي هذا التحول بتوجه تصميمي جديد ارتبط أيضًا بالاستعانة بمصمم السيارات البريطاني Giles Taylor، الرئيس السابق لقسم التصميم في Rolls-Royce، وهو ما ساعد العلامة على تطوير لغة تصميم أكثر فخامة مع الحفاظ على بعض العناصر الصينية التقليدية.

سيارة تحمل رسالة سياسية واقتصادية

في النهاية، فإن ظهور Hongqi N701 في القاهرة بالتزامن مع زيارة شي جين بينغ إلى مصر يمنح السيارة دلالة تتجاوز مواصفات التدريع والمحرك والوزن.

فزيارة الرئيس الصيني نفسها تمثل محاولة لتعميق الشراكة بين القاهرة وبكين في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، بينما تمثل السيارة الوجه الأكثر وضوحًا للصناعة الصينية السيادية.

وبينما تظل تفاصيل N701 الأمنية طي الكتمان، فإن ظهورها في موكب شي يبعث برسالة واضحة: الصين لا تريد أن تقدم نفسها فقط باعتبارها قوة صناعية تنتج السيارات للاستهلاك، بل كدولة قادرة على تصنيع أكثر المركبات الرئاسية تعقيدًا وحساسية، من منظومات الحماية إلى الاتصالات والأمن الإلكتروني.

أما بالنسبة لمصر، فإن وصول السيارة الصينية إلى شوارع القاهرة بالتزامن مع الزيارة يعكس مستوى التنسيق الأمني والبروتوكولي المصاحب لتحركات رئيس دولة كبرى، ويمنح مشهد الموكب بعدًا إضافيًا في العلاقات المتنامية بين القاهرة وبكين.

وهكذا، تصبح N701 أكثر من سيارة مصفحة؛ إنها قطعة من الدولة الصينية المتحركة، تحمل معها رمزية «العلم الأحمر»، وتختصر في هيكل واحد مزيجًا من الفخامة والتكنولوجيا والأمن والسيادة الصناعية، في وقت تسعى فيه بكين إلى تحويل قوتها الصناعية إلى نفوذ عالمي يمتد من السيارات إلى البنية التحتية والتكنولوجيا والتجارة والجغرافيا السياسية.

اقرأ أيضا: نتيجة قرعة الحج 2027.. مواعيد إعلان الفائزين وطريقة الاستعلام بالرقم القومي

‫0 تعليق