ثانوية غزة بين قسوة الفقد وإرادة الحياة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بعد سنوات من الانقطاع والدمار الذي طال أكثر من 90% من المباني التعليمية، لم تكن عودة طلبة غزة إلى أداء امتحانات الثانوية العامة وجاهيا خبرا عاديا، بل مشهدا يختصر معنى صناعة الحياة، وانتصارا كبيرا على المحتل الذي سعى إلى حرمان جيل كامل من حقه في التعليم ودفع مستقبله سنوات إلى الوراء.

ففي الدورة الثانية لعام 2026، تقدم 9036 طالبا وطالبة للامتحانات الوجاهية الورقية موزعين على 49 قاعة؛ وفي هذه الامتحانات تحول توفير أبسط المقومات – من أوراق وحبر وطابعات في ظل الحصار المشدد – إلى معركة لوجستية معقدة كُللت بالنجاح؛ فقد كان انتزاع حق تنظيم الامتحانات ورقيا بمثابة فعل مقاومة واجه القيود المفروضة على التعليم، وأكد قدرة الفلسطينيين على حماية مسارهم التعليمي من التوقف.

الثانوية العامة ليست محطة دراسية عابرة؛ إنها بوابة للمستقبل الجامعي والمهني. وفي السياق الفلسطيني يتحول التعليم إلى شكل من أشكال المقاومة، فحين يُهدم البيت يبقى العلم، وحين تضيق الجغرافيا تظل الشهادة والخبرة

تأتي هذه الخطوة استكمالا للدورة الأولى، التي أداها 37 ألفا و698 طالبا وطالبة إلكترونيا في يونيو/حزيران الماضي، من خيام النزوح ومن وسط ركام بيوتهم. وحين أُعلنت النتائج في 24 يوليو/تموز، ظهرت غزة وكأنها تستعيد قليلا من حياتها المسلوبة؛ فقد تحول النجاح إلى مناسبة عامة سعيدة، خرجت فيها وفود المهنئين ووزعت الحلوى في الشوارع وتعالت أصوات الزغاريد.

إن نجاح طلبة غزة لا يُقاس بالدرجات وحدها؛ فهؤلاء لم يعكفوا على الكتب في ظروف طبيعية، لقد درسوا خلال النزوح المتكرر وفقدان البيوت والأحبة، وأثناء شح الماء والطعام، وانقطاع الكهرباء والإنترنت بشكل دائم، إضافة إلى الاضطرار للوقوف في طوابير المساعدات وجمع الحطب، وفوق ذلك كله بحثهم المتواصل عن مكان آمن ومناسب للدراسة؛ بعضهم فتح كتابه في خيمة لا تقيه حر الصيف ولا برد الشتاء، وبعضهم تنقل بين المقاهي بحثا عن شبكة إنترنت أو مصدر للطاقة، لذلك كان الوصول إلى يوم الامتحان إنجازا يسبق النتيجة في حد ذاتها.

ويكشف هذا الإصرار على العلم عن المكانة الخاصة التي يحتلها التعليم في المجتمع الفلسطيني؛ فالثانوية العامة ليست محطة دراسية عابرة؛ إنها بوابة للمستقبل الجامعي والمهني. وفي السياق الفلسطيني يتحول التعليم إلى شكل من أشكال المقاومة، فحين يُهدم البيت يبقى العلم، وحين تضيق الجغرافيا تظل الشهادة والخبرة.

وبلا شك لا يمكن أن نقرأ هذا المشهد بمعزل عن الفقد الذي طوّقه؛ فبين صفوف الناجحين مَن فقد أبا أو أما، ومَن تحولت غرفته ومكتبه إلى ركام، ومَن يحمل في قلبه حزنا على مقاعد فارغة تركها زملاء ومعلمون رحلوا قبل أن يشهدوا قطاف التعب.
لهؤلاء لا يعود النجاح مجرد شهادة ورقية؛ بل يغدو عهد وفاء لأرواح صعدت، ورسالة تثبت أن وجع الفقد لن يكسر إرادة الحياة في قلوب الناجين.

ولم يكن امتزاج الفرح بمرارة الغياب صورة أراها في بيوت الآخرين فحسب، فقد دخل بيتنا هو الآخر بكل ثقله؛ ففي صبيحة يوم النتيجة، وقف أخي قتيبة تسكنه غصة الفرح المنقوص وهو يتخيل حضن أمي وزغاريد أخواتي الشهيدات؛ أولئك اللواتي نسجن معنا أحلام هذا اليوم بكل تفاصيله الدقيقة. أتذكر صوت أمي الدافئ وهي تبشرنا بأن يوم النتيجة سيكون عرسا استثنائيا، حيث سيزف ثلاثة فرسان دفعة واحدة. كان هؤلاء الثلاثة ابني عمر، وحمزة ابن أختي الشهيدة مؤتة، وأخي قتيبة.

اقرأ أيضا: هجمات إرهابية محتملة.. ألمانيا تحقق في استهداف شبكة الكهرباء

إن مشاهد الفرح التي انتُزعت من قلب الخيام ومن فوق ركام البيوت لا تتجاهل الموت والدمار، لكنها تحفظ للمجتمع تماسكه وحقه في الحياة

لطالما رسمت أمي ملامح هذا اليوم حتى إنها اختارت ألوان الزينة وشكلها، بل خططت لجمع الأحبة والمهنئين في دارها لتكتمل بهم فرحتنا الكبرى. وكانت تردد: “سيكون الثلاثة من أوائل القطاع، وسيعبرون معا أبواب كلية الطب، ليصبحوا أمهر الأطباء”.

لكن فجأة غابت الوجوه، ليبقى سؤال يمزق قلوبنا: مَن يعيد لنا فرحتنا المسروقة؟

رحلت أمي وأخواتي لكن أثرهن ظل حيا في دروب الأبطال الثلاثة؛ لقد ثابروا واجتهدوا حتى تفوقوا وقاربوا المعدل الكامل. فلم تكسرهم الخسارات، ولم ينل الحزن من عزيمتهم؛ بل جعلوا من ألمهم دافعا يضاعف إصرارهم على بلوغ القمة.

إنهم – ومثلهم كثر – يستحقون ما هو أبعد من التهنئة؛ يستحقون أن يُحتفى بصمودهم كما يُحتفى بتفوقهم. فقد خاضوا في آن واحد اختبارين عسيرين: اختبار الدراسة، واختبار البقاء.
وفي كليهما حصدوا أعلى الدرجات، وأثبتوا أنهم لا ينتظرون أن يأتيهم الأمل؛ بل يبنون له طريقا وسط الركام.

إن مشاهد الفرح التي انتُزعت من قلب الخيام ومن فوق ركام البيوت لا تتجاهل الموت والدمار، لكنها تحفظ للمجتمع تماسكه وحقه في الحياة. كما أن انعقاد الامتحانات وسط هذه الظروف هو إعلان صريح بأن الحرب – مهما بلغت قسوتها – عاجزة عن استئصال الرغبة في التعلم.

فالامتحان الأكبر لم يكن ما كتبه الطلاب على الأوراق، بل كان في يقينهم بأن للغد معنى يستحق أن يتعلموا ويعيشوا لأجله.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: نتنياهو يؤكد استمرار العمليات وعدم الانسحاب من غزة وسط تصاعد التوترات

‫0 تعليق