
عمّان- تُعدّ القدرات المعرفية من أكثر الجوانب التي تميّز الإنسان، فهي الأساس الذي يقوم عليه التعلّم والتفكير والانتباه والذاكرة وحل المشكلات واتخاذ القرارات.
ومنذ سنوات طويلة، يثير موضوع العلاقة بين الجينات والقدرات العقلية جدلا علميا وتربويا واسعا حول سؤال مهم: إلى أي مدى تحدد الوراثة قدرات الإنسان المعرفية؟ وهل يولد الإنسان بقدرات عقلية محددة سلفا، أم أن التربية والخبرات والبيئة التعليمية تستطيع أن تحدث فرقا حقيقيا في مستوى هذه القدرات؟
تشير الأدلة العلمية إلى أن الجينات تؤدي دورا مهما في تشكيل الفروق الفردية في العديد من القدرات المعرفية، ومنها الذكاء والذاكرة وبعض جوانب الانتباه وسرعة معالجة المعلومات.
غير أن هذا الدور لا يعني وجود جين واحد يحدد مستوى ذكاء الإنسان أو قدرته على التعلم، فالقدرات المعرفية صفات معقدة تتأثر بتفاعل عدد كبير من الجينات مع مجموعة واسعة من العوامل البيئية. ولذلك، فإن الحديث عن “الذكاء الوراثي” بمعنى أن مستوى ذكاء الفرد محدد بصورة نهائية منذ ولادته يمثل تبسيطا مخلا لطبيعة العلاقة المعقدة بين الوراثة والبيئة.
ومن أهم المفاهيم التي ينبغي فهمها في هذا السياق مفهوم “الوراثية”، وهو مفهوم إحصائي يشير إلى مقدار الاختلاف في صفة معينة بين أفراد مجموعة ما يمكن تفسيره بالاختلافات الجينية بينهم. ولا تعني الوراثية أن نسبة محددة من ذكاء الفرد سببها الجينات، كما لا تعني أن هذه الصفة ثابتة وغير قابلة للتغيير. فالإنسان لا يعيش داخل الجينات، وإنما يعيش داخل بيئة تتفاعل باستمرار مع استعداداته البيولوجية، وتمنح هذه الاستعدادات فرصا مختلفة للظهور والتطور.
وهنا تظهر أهمية البيئة والتدخل التربوي. فالطفل الذي يولد باستعداد معرفي معين يحتاج إلى بيئة غنية بالخبرات حتى تتحول إمكاناته إلى قدرات فعلية. فالأسرة التي تشجع على القراءة والحوار وطرح الأسئلة والاستكشاف، والمدرسة التي توفر أنشطة متنوعة للتفكير والتحليل وحل المشكلات، والمعلم الذي يراعي الفروق الفردية ويقدم استراتيجيات تعليمية مناسبة، جميعها عوامل يمكن أن تؤثر في المسار الذي تتخذه القدرات المعرفية لدى الطفل. وبذلك، لا تكون التربية مجرد وسيلة لنقل المعلومات، وإنما تصبح عاملا أساسيا في استثمار الإمكانات الفردية وتوسيع فرص التعلم والنمو.
وتزداد أهمية هذه الفكرة في مجال التربية الخاصة، إذ إن وجود صعوبة تعلم أو اضطراب نمائي أو إعاقة معينة لا يعني أن جميع القدرات المعرفية لدى الفرد منخفضة. فقد يمتلك الطفل نقاط قوة واضحة في الذاكرة أو التفكير أو اللغة أو الإبداع، إلى جانب جوانب أخرى تحتاج إلى دعم وتدخل. ومن هنا، فإن التعامل التربوي الفعّال لا ينبغي أن ينطلق فقط من سؤال: “ما الذي لا يستطيع الطفل القيام به؟”، بل من سؤال أكثر أهمية: “ما الذي يستطيع القيام به، وكيف يمكننا البناء عليه؟”. وهذا التحول من التركيز على العجز إلى التركيز على الإمكانات يمثل جوهر التربية القائمة على نقاط القوة.
كما أن مفهوم المرونة العصبية يدعم أهمية التعلم والتدخل التربوي، فالدماغ يمتلك قدرة على التغير والتكيف استجابة للخبرات والتدريب والتعلم. وهذا يعني أن الخبرات التعليمية ليست مجرد معلومات تضاف إلى ذاكرة الطفل، بل يمكن أن تؤثر في طريقة استخدامه للمهارات المعرفية وفي كفاءة أدائه. لذلك، فإن التدخل المبكر، والتدريب المنظم، والممارسة المتكررة، وتقديم التغذية الراجعة، واستخدام الاستراتيجيات التعليمية المناسبة، كلها عناصر يمكن أن تساعد الفرد على استثمار قدراته بصورة أفضل.
إن الاعتراف بقوة البيئة والتربية لا يعني تجاهل أثر الوراثة أو الادعاء بأن التعليم قادر على تحويل جميع الأفراد إلى المستوى نفسه من القدرات. فهناك فروق فردية حقيقية بين الناس، وتتداخل فيها عوامل وراثية وعصبية ونفسية وبيئية واجتماعية. لكن الفرق الجوهري يكمن في عدم تحويل هذه الفروق إلى أحكام نهائية. فوجود استعداد وراثي أو نقطة ضعف معينة لا ينبغي أن يصبح سببا لخفض توقعات المعلمين أو الأسرة تجاه الطفل، بل ينبغي أن يكون دافعا لفهم احتياجاته وتصميم البيئة التعليمية التي تساعده على تحقيق أفضل أداء ممكن.
إن العلاقة بين الجينات والقدرات المعرفية ليست صراعا بين الوراثة والبيئة، وإنما هي عملية تفاعل مستمرة بين ما يحمله الإنسان من استعدادات وما يكتسبه من خبرات. فالجينات قد تمنح الفرد نقطة بداية، لكنها لا تحدد وحدها المسار الذي سيسلكه، والبيئة قد توفر الفرص، لكن الاستفادة منها تختلف من فرد إلى آخر. أما التربية الواعية، فهي التي تستطيع أن تلتقي مع هذه الاستعدادات والفرص لتصنع بيئة تسمح للقدرات بالظهور والنمو.
ختاما، فإن فهم دور الجينات في القدرات المعرفية يجب ألا يقودنا إلى الحتمية، بل إلى مزيد من المسؤولية التربوية. فنحن قد لا نملك اختيار الاستعدادات التي يولد بها الطفل، لكننا نملك القدرة على توفير بيئة تعليمية ثرية، وتدخلات مناسبة، وتوقعات إيجابية، وفرص حقيقية للتعلم. ولذلك، يمكن القول إن الجينات تمنح الإنسان بعض الاستعدادات، لكن التربية والخبرة والتعلم تسهم في تحويل هذه الاستعدادات إلى إمكانات وقدرات قابلة للاستثمار.
وهذه الرؤية هي التي تجعل التدخل التربوي ليس مجرد استجابة للصعوبات، بل وسيلة حقيقية لاكتشاف الإمكانات الإنسانية
وتنميتها.
* اختصاصي تربية خاصة
اقرأ أيضا: تواصل عمليات البحث عن مفقودين جراء فيضانات نيبال المدمرة | أخبار
