وسط حزام ناري من الأزمات.. كيف تدير القاهرة ملفات أمنها القومي؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تشهد المنطقة العربية أزمات متسارعة فرضت واقعا جيوسياسيا معقدا على مصر، تمثَّل في تشكل ما يشبه “الحزام الناري” المشتعل حول حدودها من الجهات كافة، مما يضع صانع القرار في القاهرة أمام تحديات غير مسبوقة.

اقرأ أيضا: قاليباف: أميركا تبحث عن مخرج مشرف لها من المنطقة | عرب وعالم

وفي حلقة (19 أغسطس/آب 2026) من برنامج “موازين”، قدّم السفير المصري السابق لدى إسبانيا والنائب السابق لمساعد وزير الخارجية، أيمن زين الدين، قراءة شاملة للفكر الإستراتيجي المصري الراهن، وكيفية تعامل صانع القرار بالقاهرة مع هذه الأزمات المتداخلة التي تمس أمن البلاد القومي مباشرة.

وتنطلق فلسفة تعامل القاهرة مع الأزمات، وفق زين الدين، من السعي الدائم لإنهاء النزاعات وتسويتها بدلا من الانحياز لطرف على حساب آخر، مؤكدا أن حرص مصر على الهدوء والدبلوماسية ينبع من إدراك عميق بأن استقرار الإقليم هو الأساس للحفاظ على مصالحها ومصالح شعوب المنطقة.

وتنعكس هذه الإستراتيجية ميدانيا عبر ملفات متعددة، في مقدمتها الملف الفلسطيني الإسرائيلي، إذ استعرض السفير المسار التاريخي للسياسة الخارجية المصرية، مؤكدا أن مرحلة ما بعد عامي 2011 و2013 ركزت بالأساس على حماية “مفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها الجامعة”.

 

غير أن أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 شكلت “زلزالا هائلا” أعاد طرح الأسئلة حول نجاعة الخيارات الإستراتيجية السابقة ومدى ملاءمتها، وأجبر الفاعلين الإقليميين على إعادة حساباتهم وتوازناتهم الأمنية.

وأوضح زين الدين أن قناعة تشكلت لدى الدولة المصرية بضرورة إعادة تقييم الرهان السابق على “طمأنة المجتمع الإسرائيلي لإنتاج حكام معتدلين”، وذلك في ظل صعود توجهات أكثر تطرفا لدى كافة أطياف المجتمع والمؤسسة السياسية في إسرائيل.

أما عن معاهدة “كامب ديفيد” فقد ناقش السفير المصري الاتهامات والادعاءات الإسرائيلية بشأن وجود أنفاق ومنصات صواريخ تحت الأرض في سيناء وتصاعد التوترات على الحدود الشرقية، مشيرا إلى محاولات تل أبيب الترويج بأن مصر تُخلّ بالمعاهدة.

وأكد زين الدين أن مصر لم تنتهك التزاماتها الدولية، وأن صانع القرار غير معني بتهدئة المخاوف الإسرائيلية المزعومة بقدر اهتمامه بحماية حدوده، مشيرا إلى أن المسؤولية الحقيقية تقع على عاتق إسرائيل لطمأنة جيرانها وبناء علاقات تعايش، بدلا من الارتهان للحلول العسكرية.

كما استبعد السفير إدخال تعديلات جوهرية على معاهدة السلام، نظرا لأن أي تعديل يتطلب توافق الطرفين؛ وهو أمر غير متوفر حاليا في ظل تباين الرؤى الإستراتيجية بين القاهرة وتل أبيب.

قوات مصرية في سيناء على الحدود مع إسرائيل (رويترز)
قوات مصرية في سيناء على الحدود مع إسرائيل (رويترز)

كما عبّر عن قلق القاهرة البالغ من المشاريع المطروحة لـ”هندسة” قطاع غزة تنمويا وأمنيا، مشددا على تمسك مصر بالرؤية العربية والإسلامية لإعادة الإعمار وفق القانون الدولي وبما يحفظ حقوق الشعب الفلسطيني.

واختتم الدبلوماسي السابق هذا الملف بالإشارة إلى أن التراجع الحاد في المكانة الأخلاقية لإسرائيل عالميا -لا سيما لدى الرأي العام الغربي- يمثل فرصة إستراتيجية للجانب العربي، شريطة ترتيب الصفوف وتوحيد الخطاب.

الملف المائي وسد النهضة

واستعرض الحوار التوترات في مضيق باب المندب، مشيرا إلى أن هجمات الحوثيين رغم أنها تستهدف الضغط في ملف غزة، إلا أنها كبدت مصر خسائر متراكمة تجاوزت 10 مليارات دولار وانخفاضا في إيرادات قناة السويس زاد عن 60%.

وفيما يتعلق بالأمن المائي، فرّق السفير بين أزمة باب المندب وملف سد النهضة، حيث اعتبر التصرفات الإثيوبية الأحادية انتهاكا صارخا للمواثيق والمعاهدات الدولية وعملا عدائيا ضد مصر.

وشدد زين الدين على أن مصر تقع بالفعل تحت خط الفقر المائي وأن حصة الفرد متدنية للغاية، مما يجعل البلاد غير قابلة لتحمل أي نقص أو هزة في تدفقات مياه نهر النيل.

ورغم أنه لم تُسجَّل حتى الآن خسائر في الحصة المائية المصرية بسبب التغيرات الطبيعية والملء السابق، فإن السفير أكد أن عدم تضرر الحصة لا يعفي إثيوبيا من تقصيرها وامتناعها عن توقيع اتفاق قانوني ملزم.

وأكد زين الدين حسم موقف القاهرة في هذا الصدد، جازما بأنها ستتخذ كافة التدابير والإجراءات الكفيلة بحماية أمنها المائي ومصالحها الحيوية العليا، إن حدث أي ضرر بحصتها التاريخية مستقبلا.

اقرأ أيضا: استطلاع للقناة 14 اليمينية: تصدر لنتنياهو واليمين المتطرف في الانتخابات المقبلة

امتلاء بحيرة سد النهضة يعني استقطاع 15 مليار متر مكعب من حصة مصر والسودان سنويا (مواقع التواصل)
امتلاء بحيرة سد النهضة يعني استقطاع 15 مليار متر مكعب من حصة مصر والسودان سنويا (مواقع التواصل)

ملفات إقليمية أخرى

وبالحديث عن دول الجوار، ركز السفير في نقاشه خلال الحلقة على ملف السودان، مؤكدا أن الأزمة هناك تمثل أولوية إستراتيجية قصوى لمصر؛ نظرا لصلات الدم والتاريخ والمصالح الحيوية المباشرة التي تربط الشعبين الشقيقين.

وأوضح أن غياب شريك حكومي متماسك على الحدود الجنوبية ينعكس أمنيا وسياسيا واجتماعيا، لا سيما مع استضافة مصر لملايين السودانيين وما يترتب على ذلك من ضغوط على الخدمات والحدود.

وشدد على أن القاهرة تنتهج سياسة “الصبر الإستراتيجي”، ولن تتجه إلى الخيار العسكري أو دعم طرف على حساب آخر في السودان، بل تفضل تكثيف أدواتها الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تضمن إعادة بناء مؤسسات الدولة.

أما في ملف القرن الأفريقي، فقد اعتبر السفير المحاولات الإسرائيلية لتكريس تقسيم الصومال والاعتراف بأرض الصومال، بمثابة عمل عدائي يستهدف تطويق المجال الحيوي المصري والإضرار المباشر بالأمن القومي.

طائرات رافال تابعة لسلاح الجو المصري تحلق فوق القاهرة (رويترز)
طائرات رافال تابعة لسلاح الجو المصري تحلق فوق القاهرة (رويترز)

وبينما تسعى إسرائيل لتحقيق أمنها على حساب تفتيت الشعوب، فإن منهج مصر يربط بين حماية أمنها القومي ودعم استقرار ووحدة الصومال، وهو ما تجسد ميدانيا في تقديم المعدات والخبرات العسكرية لحكومة مقديشو والمشاركة في قوات الاتحاد الأفريقي.

وتناول الحوار الجبهة الغربية، حيث ترتكز الإستراتيجية المصرية في ليبيا على تمكين الشعب الليبي من إعادة بناء مؤسساته الوطنية الجامعة بعيدا عن تسييد طرف على آخر.

وكان إعلان القاهرة “خط سرت/الجفرة” خطا أحمر وخطوة استباقية حاسمة، نجحت في منع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية واسعة، والحيلولة دون صدام المليشيات المسلحة.

 

وعن العلاقات المصرية التركية، اعتبر زين الدين أن التقارب الحالي يمثل عودة للوضع الطبيعي بعد تراجع التدخل التركي في الشأن الداخلي المصري، وإدراك القوتين الإقليميتين أن مصلحتهما المشتركة تكمن في التعاون والتنسيق لجمع الفرقاء الليبيين وتحقيق استقرار المنطقة.

اقرأ أيضا: “شبكات”.. مكافأة لملاحقة هاكرز إيرانيين وجريمة قتل بتأثير الذكاء الاصطناعي | أخبار

‫0 تعليق