
ماذا لو قُدِّر
لمؤرخٍ أن يجلس بعد مئة عامٍ من اليوم ويفتح أمامه أوراق هذا الزمن الذي نعيشه
الآن ثم يحاول أن يكتب القصة الحقيقية للأيام التي نظن أننا نعرفها لأننا نعيش في
قلبها؛ فأيُّ الحوادث التي تملأ نشرات الأخبار اليوم وتتصدّر عناوين المواقع
الإلكترونيّة وتشتعل بها المنصات وتتزاحم حولها تحليلات الخبراء في المقالات
والحلقات المرئيّة وأحاديث المجالس سيكتشف أنها كانت فعلاً هي التي تصوغ المستقبل؟
وأيُّها سيجد المؤرّخ والباحث بعد قرنٍ من الآن أنّها كانت مجرد أحداثٍ صاخبة
مرَّت عالياً ثم انطفأت؟ وأيُّ شيءٍ يجري الآن في مكانٍ بعيد عن الضوء -ربما في
غرفةٍ صغيرة أو بلدةٍ نائيةٍ لا يعرف اسمها الكثيرون أو عقلٍ شاب لا تعرفه
الشّاشات والمنصّات- سيكتشف أحفادنا أنه كان النقطة التي بدأ منها زمنٌ كامل؟
اقرأ أيضا: بول بوجبا يقترب من الدوري السعودي بعد فسخ عقده مع موناكو
نحن نعيش التاريخ
من داخله ولذلك يخدعنا لمعانُ اللحظة؛ نرى البرق فنحسبه وجه السماء إذ يأخذ
أبصارنا إلى لمعانه، وهكذا تزدحم أمامنا الجيوش وأخبارها والعواصم الفاعلة وتحركاتها
والأساطيل وتموضعها والأسواق وتدافع الاقتصاد والثروات؛ حتى يبدو الغد وكأنه يُكتب
حصريّاً على موائد هؤلاء الكبار في عوالم السياسة والاقتصاد والعسكر، بينما قد
يكون المستقبل يصاغُ في مكانٍ هادئٍ لا يلتفت إليه أحد، ويتكوّن مع ولادة طفلٍ لا
يؤبه له حتّى في محيط أسرته، أو يتشكّلُ في عقل شابّ يصلّي في زاوية من مسجدٍ
متواضع في قريةٍ نائية؛ فالتاريخ عادةً يضع في واجهة اللحظة ما يلفت الأبصار
الحاضرة ولكنّه يخبّئ في هوامشها ما سيصنع القرون القادمة؛ حتى إذا نضجت البدايات
المستورة انكشف أن العالم كان يُغيّر مساره من ذلك الموضع الذي لم تلتفت إليه
العيون ولم تأبه له أقلام المحللين.
ولو أنّنا حملنا
هذا السؤال وعدنا به إلى القرن السادس الميلادي لوجدنا العالم -آنذاك- مشدوداً كلّه إلى الإمبراطوريتين
العظيمتين فارس والروم، وإلى الحبشة بما كان لها من قوةٍ ونفوذٍ في جنوب الجزيرة؛
فالعيون على قصور كسرى وقيصر وما فيهما من أحداث وصراعات، والأخبار تأتي من ساحات
الجيوش والحشود والمعارك والحدود تتحرك وتتغير خرائطها مع وقع السيوف، والثروات
والطرق والمدن تنتقل من يدٍ إلى يد، وكان كل من يجلس يومئذ في غرفة المراقبة
والتحليل سيظن أن التاريخ يُكتب هناك؛ في روما والمدائن حيث القوة الظاهرة والعروش
العالية الغالبة والجيوش التي تملأ الأفق، وأن مستقبل العالم سيخرج من تلك البقاع
التي ازدحمت عليها الأبصار والأفكار؛ بينما كانت بقعةٌ صغيرة من الأرض بعيدةٌ عن
هذا الحساب كله لا يأبه لها أحدٌ من الكتّاب والمؤرّخين والمحلّلين والمتابعين؛
تتهيأ في هدوءٍ لاستقبال الحدث الذي سيغيّر وجه التاريخ.
وفي مكة المكرّمة
-بعيداً عن ذلك الصخب كله- كان طفلٌ يولد بعيداً عن أعين أبيه في بيتٍ من بيوت
قريش التي لا تلفت نظر أصغر جنديّ في روما وفارس؛ فلا عرش ينتظر قدومه ولا جيش
يتحرك لميلاده ولا كاتب في بلاط فارس أو الروم يعرف أن شيئاً قد وقع يستحق أن يوضع
في حسابات الغد واستشرافات المستقبل، ومع ذلك كان في ذلك المهد ولادة صياغة مستقبل
البشرية كلها؛ مستقبلٍ يتكوّن في هدوءٍ سيطغى على صخب الإمبراطوريات مالئة الدّنيا
وشاغلة النّاس.
وهنا تكمن دهشة
الميلاد النبوي؛ فالعالم الذي كان يترقب صياغة مستقبله عند أبواب القصور وساحات
الجيوش وميادين المعارك الطّاحنة كان مستقبله الحقيقي قد بدأ في مكة، بولادة طفلٍ
سيعيش بين قومه أربعين سنةً كاملة يعرفونه كما يعرف أهل المدينة واحداً من
أبنائها؛ يلقونه في طرقاتهم ويرونه في أسواقهم ويأتمنونه على أموالهم ويعرفون صدقه
وطهارة سيرته، من غير أن يدركوا أن هذا الرجل الهادئ الذي يمشي بينهم سيخرج من بين
جنبيه بعد سنواتٍ قليلة شخصٌ يعيد ترتيب الجزيرة العربيّة ثم يغيّر مجرى التاريخ
البشريّ كلّه.
ومضت الأعوام حتى
بلغ الأربعين فجاءت اللحظة التي وصفها ابن القيم في “زاد المعاد: 1/77”
بقوله: “فلما كمل له أربعون أشرق عليه نور النّبوة وأكرمه الله تعالى برسالته
وبعثَه إلى خلقه واختصّه بكرامته وجعله أمينه بينه وبين عباده، ولا خلاف أن مبعثه
صلى الله عليه وسلم كان يوم الاثنين”. وعندها صار محمدٌ الذي عرفته مكة شخصاً
عادياً نبيّاً للعالمين صلى الله عليه وسلّم، وصارت السنوات الأربعون التي بدت
حياةً تمضي في هدوء مقدمةً طويلةً لـ”اقرأ” وللكلمة التي ستفتح في
تاريخ البشر طريقاً جديداً.
ولهذا يبدو جواب
النبي صلى الله عليه وسلّم عن يوم الاثنين شديد الجمال؛ إذ سئل عن صيامه -فيما
أخرجه مسلم- فقال: “ذاك يوم وُلدت فيه ويوم أُنزل عليَّ فيه”، فقد جمع
في يومٍ واحد بين دخول الإنسان إلى العالم ليكون بداية تغيير مساره ودخول الرسالة
إلى التاريخ لتكون منطلق إعادة تشكيله، وبين البداية التي رأتها أمٌّ بمفردها في
بيتٍ صغير بمكّة والبداية التي ستراها الإنسانية والبشريّة كلّها بعد أربعة عقود.
وهذا وحده كافٍ
ليغيّر نظرتنا إلى البدايات؛ فنحن نلتفت إلى الأشياء بعد أن تكبر أسماؤها ونرى
الشجرة يوم يزدحم الناس تحت ظلها، وننسى أن عمرها الحقيقي بدأ في بذرةٍ صغيرة لم
يلتفت إليها أحد. وقد قال ابن عطاء الله السكندري في حكَمِه: “ادفن وجودك في
أرض الخمول فما نبت مما لم يُدفن لا يتمّ نتاجه”؛ فالأشياء العظيمة تنمو أولاً
بعيداً عن العيون واستديوهات التحليل، ثم تظهر فجأةً فيحسب الناس أن الحكاية بدأت
عند الثمرة، مع أن أجمل فصولها كان يُكتب تحت التراب.
اقرأ أيضا: فرنسا تسجل 52 يوماً من موجات الحر في رقم قياسي غير مسبوق
وميلاد النّبي صلى
الله عليه وسلّم يبدّل فينا مقياساً كاملاً للتّعامل مع التاريخ وقراءته واستشرافه؛
فالقوة التي تمسك بالحاضر قد تعجز عن امتلاك الغد، والأحداث التي تملأ العالم
اليوم بالحروب والتحالفات والأزمات ليست بالضرورة هي التي ستصنع وجهه بعد جيل؛ فقد
يكون المستقبل في هذه اللحظة يتكوّن في مكانٍ هادئ لا يلتفت إليه أحد، كما كان
مستقبل ذلك العالم يتكوّن يوماً في مكة المكرمة بينما كانت العيون كلها معلقة
بفارس والروم.
فلعلك لا تدري
أين يُكتب الآن وجهُ العالم القادم؛ لعلّه يتكوّن في عقل شابٍّ في قريةٍ بعيدة أو
في أسرةٍ تربي طفلاً في مدينةٍ منسيّة، أو في حلقةٍ صغيرةٍ داخل مسجدٍ لا يعرفه
أحد، أو في فكرةٍ هادئةٍ تحملها قلوبٌ قليلة بينما الأنظار كلّها مشدودةٌ إلى
ترامب وأساطيله، ونتنياهو وجرائمه، وحروب المنطقة الممتدة من إيران إلى روسيا
وأوكرانيا؛ كأن هذه القوى وحدها هي التي تمسك بقلم التاريخ. ولكن ميلاد محمد صلى
الله عليه وسلّم يهمس لنا من وراء أربعة عشر قرناً بأن التاريخ قد يكتب أعمق
صفحاته الآن في ركنٍ قصيٍّ لا تتجه إليه عين، وأن المستقبل قد يبدأ صغيراً إلى
الحد الذي يعبر الناس بجواره كل يوم ثم يكتشف أبناؤهم بعد عقودٍ أن العالم الجديد
بدأ من هناك.
x.com/muhammadkhm
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
اقرأ أيضا: الاحتلال يعلن 1152 دونما من سنجل واللبن الشرقية وقريوت “أملاك …
