
حذرت منظمة العمل الدولية من اتساع تأثير المخاطر النفسية والاجتماعية في بيئة العمل على صحة العاملين والاقتصاد العالمي، مؤكدة أن ضغوط العمل وساعات العمل الطويلة والعنف والتحرش الوظيفي أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه أسواق العمل في مختلف دول العالم، في ظل التحولات المتسارعة الناتجة عن الرقمنة والذكاء الاصطناعي والعمل عبر المنصات الرقمية وتغير أنماط التشغيل.
اقرأ أيضا: “يلا ساحل 2026″| الخميس أغاني التسعينيات.. والجمعة إليسا وتامر عاشور
وكشف تقرير المنظمة العالمي الجديد بعنوان “بيئة العمل النفسية والاجتماعية.. التطورات العالمية ومسارات العمل” أن عوامل الخطر النفسية والاجتماعية المرتبطة بالعمل تتسبب في أكثر من 840 ألف حالة وفاة سنويا نتيجة أمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات النفسية المرتبطة بالعمل، كما تؤدي إلى فقدان ما يقرب من 45 مليون سنة من سنوات العمر المصححة باحتساب العجز (DALYs) سنويا، فيما تبلغ الخسائر الاقتصادية الناجمة عنها نحو 1.37% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي كل عام.
35 % من العمال حول العالم يعملون أكثر من 48 ساعة أسبوعيا
وأشار التقرير إلى أن ساعات العمل الطويلة لا تزال من أكثر عوامل الخطر انتشارا، إذ يعمل 35% من العمال حول العالم أكثر من 48 ساعة أسبوعيا، وهو ما يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية، ويؤثر سلبا على الصحة النفسية للعاملين، مؤكدا أن الحد من ساعات العمل المفرطة يمثل أحد أهم محاور الوقاية من المخاطر المهنية الحديثة.
وأضاف أن العنف والتحرش في أماكن العمل يمثلان تحديا متزايدا، حيث تعرض 23% من العاملين عالميا لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف أو التحرش خلال حياتهم العملية، بينما يعد العنف النفسي الأكثر انتشارا بنسبة 18%، وهو ما يعكس الحاجة إلى سياسات أكثر فاعلية لحماية العاملين وتعزيز بيئات العمل الآمنة.
وأوضح التقرير أن مفهوم بيئة العمل النفسية والاجتماعية لا يقتصر على الصحة النفسية للعاملين، وإنما يشمل طريقة تصميم الوظائف، وتنظيم العمل، وأساليب الإدارة والإشراف، والسياسات والإجراءات المنظمة للعمل، والعلاقات داخل بيئة العمل، باعتبارها عناصر تؤثر بصورة مباشرة في صحة العاملين ورفاههم وإنتاجية المؤسسات. وأكد أن بيئة العمل الجيدة ترفع مستويات الرضا الوظيفي والتحفيز والإنتاجية، بينما يؤدي سوء التنظيم والإدارة إلى زيادة الضغوط النفسية وارتفاع معدلات الغياب عن العمل وضعف الأداء وزيادة معدلات ترك الوظائف.
ولفت التقرير إلى أن عالم العمل يشهد تغيرات غير مسبوقة نتيجة الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وانتشار العمل عن بعد والعمل الهجين، والتوسع في اقتصاد المنصات، إلى جانب التحديات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، وهو ما أدى إلى إعادة تشكيل بيئة العمل النفسية والاجتماعية، وخلق مخاطر جديدة تتطلب استجابات تنظيمية وتشريعية أكثر تطورا. وأوضح أن هذه التحولات قد توفر فرصا لتحسين ظروف العمل إذا أديرت بصورة صحيحة، لكنها قد تؤدي أيضا إلى تفاقم الضغوط النفسية إذا غابت الإدارة السليمة للمخاطر.
وأشار التقرير إلى أن المنظمة تتبنى رؤية تقوم على ثلاثة مستويات رئيسية لتحسين بيئة العمل، تشمل طبيعة الوظيفة نفسها، وكيفية إدارة وتنظيم العمل، والسياسات والإجراءات المؤسسية التي تحكم بيئة العمل، مؤكدا أن معالجة المخاطر النفسية تبدأ من إعادة تصميم العمل وتحسين توزيع الأعباء، وتوضيح الأدوار والمسؤوليات، وتعزيز المشاركة والحوار داخل المؤسسات، وليس فقط من خلال تقديم الدعم النفسي للعاملين بعد ظهور المشكلات.
وأوضح أن مراجعة السياسات الوطنية أظهرت تزايد اهتمام الحكومات بإدراج المخاطر النفسية والاجتماعية ضمن سياسات السلامة والصحة المهنية، مع توسع العديد من الدول في تطوير التشريعات والبرامج الوطنية، وتعزيز آليات التفتيش والتوعية والتدريب، وربط إجراءات الوقاية بسياسات الصحة النفسية والصحة المهنية، وإن كانت مستويات التطبيق لا تزال متفاوتة بين الدول.
اقرأ أيضا: “أنثروبيك” تقترب من إيرادات سنوية تتجاوز 65 مليار دولار
وأكد التقرير أن الوقاية داخل أماكن العمل يجب أن تعتمد على تقييم المخاطر بصورة منتظمة، وتحسين تنظيم العمل، وإدارة أعباء العمل، وتعزيز القيادة الداعمة، وتوفير بيئة تشجع العاملين على الإبلاغ عن المشكلات دون خوف، مع إعطاء الأولوية للإجراءات التنظيمية التي تعالج الأسباب الجذرية للمخاطر، وليس الاكتفاء بالحلول الفردية أو العلاجية بعد وقوع الضرر.
وأشارت منظمة العمل الدولية، إلى أن تحسين بيئة العمل النفسية والاجتماعية أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية، وليس مجرد قضية صحية، داعية إلى تطوير قواعد بيانات وإحصاءات أكثر دقة حول المخاطر النفسية المرتبطة بالعمل، وتعزيز التشريعات والسياسات الوطنية، ودعم المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، لتطبيق نظم أكثر كفاءة في إدارة السلامة والصحة المهنية، بما يحقق بيئة عمل صحية ومستدامة ويرفع الإنتاجية ويحافظ على سلامة العاملين حول العالم.
اقرأ أيضا: حسام المندوه الحسيني: اعتماد مناهج البكالوريا من IBO رسالة طمأنة بمسار التعليم
