“متلازمة البيوت القديمة”.. حينما نشتاق لحياة سكنت المكان…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عمان – تدخل بيتا قديما؛ تلفتك أرضياته المزخرفة قبل أي شيء آخر، بلاطات تحمل نقوشا هندسية وألوانا متداخلة، كأنها رسمت لتكون جزءا من ذاكرة المكان.
أما الجدران، فتحمل لوحات ورسومات وصورا قديمة، بعضها مؤطر بعناية، وبعضها يبدو كأنه بقي في مكانه سنوات طويلة، حتى صار جزءا من البيت، لا مجرد قطعة معلقة عليه.اضافة اعلان
ولكل زاوية في البيت طابعها الخاص وأثاثها الملون، فلكل قطعة شخصيتها، تغطيها أقمشة مزينة بالورود والطبعات والرسومات، فيما تتوزع النباتات في أصص بسيطة على النوافذ والزوايا، من دون مبالغة أو محاولة لجعل المكان مثاليا، أو ضمن “ثيم” محدد.
كل شيء في البيت يبدو مألوفا رغم قدمه؛ الستائر ذات النقوش الواضحة والطاولات الخشبية، والكراسي التي تحمل آثار الاستخدام والسجاد الذي يجمع أكثر من لون في مساحة واحدة.
 حالة من الحنين لتفاصيل قديمة
لا توجد هنا محاولة لتوحيد التفاصيل أو جعلها متطابقة، بل مزيج من قطع تراكمت خلال الأعوام، حملت كل منها قصة وارتبطت بمرحلة أو شخص.
هذه الصورة تحديدا انتشرت عبر “ريلز” على مواقع التواصل الاجتماعي، حمل عنوان “متلازمة البيوت القديمة”، وجذبت تفاعلا واسعا من الناس الذين وجدوا في تفاصيل هذه البيوت شيئا يتجاوز جمال الديكور.
فالتعليقات كشفت عن حنين واضح إلى نمط من البيوت لم يعد حاضرا بالشكل نفسه في كثير من المنازل الحديثة.
المرشدة النفسية رائدة الكيلاني تؤكد أنه لا وجود لمتلازمة بهذا الاسم بوصفها تشخيصا أو حالة نفسية معتمدة، لكن اجتماعيا يمكن أن يتداول هذا المصطلح كوصف لشعور مشترك لدى كثيرين تجاه هذه البيوت، وكحالة حنين إلى تفاصيل قديمة، وإلى أماكن تبدو أقل تصنعا وأكثر ارتباطا بالحياة اليومية والذكريات.
وتصف أن البيت القديم لا يبدو وكأنه صمم ليكون مثاليا أمام الكاميرا؛ فألوانه كثيرة وتتداخل فيه نقوش عديدة، وتختلف كل قطعه بأشكالها وأحجامها، إذ لم تأت جميعها في زمن واحد، بل تراكمت عبر أعوام العيش فيه. فهي بيوت عاش فيها أشخاص، تركوا خلفهم صورا وأثاثا ونباتات وقطعا صغيرة، فتحولت مع الوقت من أشياء عادية إلى علامات على حياة كاملة.
 تذكير ببيوت الأهل والأجداد
وتبين الكيلاني أن هذا ما يجعلها أماكن أكثر دفئا، وتحمل رائحة الماضي لكثير من روادها، فتلك القطعة ربما كانت مثيلتها موجودة في بيت أحدهم عندما كان صغيرا أو في بيت أجداده.
وتؤكد أن تفاعل الناس مع مثل هذه المقاطع يأتي باعتبارها شيئا يشبه الذاكرة الجماعية، لأن هذه البيوت تذكرهم ببيوت الأهل والأجداد، وبغرف كانت تحوي أثاثا غير متناسق تماما، لكنه مألوف ومريح، وبستائر ذات نقوش واضحة، ومفارش تحمل ألوانا وطبعات اعتادت عليها العين، ونباتات منزلية موزعة في الزوايا، من دون أن يكون الهدف تحويل المنزل إلى مساحة مصممة بعناية لتناسب صورة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو إلى بيت تبدو زواياه كأنها خارجة من إحدى أفخم مجلات الديكور.
ومع وجود حياة مكلفة بتفاصيلها وبمواكبة كل حديث، ووجود بيوت متشابهة اليوم، تؤكد الكيلاني أن كثيرين وجدوا أنفسهم متعلقين بهذه الصورة القديمة، إذ لا تقدم البيت باعتباره مشروعا للتصميم الداخلي، وإنما باعتباره مكانا للعيش، فيه آثار أهله وتفاصيلهم وأشياؤهم التي تراكمت مع الوقت، وفيه شيء من الفوضى البسيطة التي تجعل المكان حقيقيا ومألوفا.
 تجربة مرتبطة بالمكان والذاكرة
وتضيف أن الإنسان بطبعه يحن إلى الماضي، معتقدا أن البساطة والراحة والصفاء كانت فيه، مع تراكم الضغوط والمسؤوليات في الزمن الحالي، فيجد راحته فيما عاشه وانتهى منه بلا توقعات أو ترتيبات جديدة، ومع أناس كانوا موجودين في تفاصيل حياته، منهم من رحلوا اليوم عنه أو تغيرت طريقة عيشهم.
فرح، فتاة عاشت في طفولتها في بيت جدها وجدتها بعد انفصال والديها، تؤكد أنها في كل مرة تجد فيها صورا لبيوت قديمة تحملها من مكانها إلى تلك المرحلة الجميلة، واصفة نفسها بأنها كانت مدللة العائلة، وأن كل ركن في هذه البيوت اليوم يحملها إلى ذكرى مع جديها اللذين رحلا عن الدنيا قبل أعوام.
وتصف نفسها اليوم بأنها متابعة لكل مطعم يفتتح في بيت قديم، حتى لو كان في محافظة بعيدة، فتعتزم زيارته والتمتع بأركانه.
وبرأيها، هذه الأماكن لا تبيع الطعام أو الإقامة وحدهما، بل تقدم تجربة مرتبطة بالمكان والذاكرة. فالزائر قد يجلس على كرسي قديم، أو إلى جانب طاولة خشبية تشبه تلك الموجودة في بيت العائلة، أو يرى خزانة أو سجادة أو قطعة أثاث تعيد إليه صورة من طفولته.
خبير التراث نايف النوايسة يؤكد أن هذا الحنين يأتي في وقت أصبحت فيه كثير من البيوت الحديثة متشابهة في تفاصيلها؛ بألوان محايدة، وأثاث بسيط وخطوط مستقيمة ومساحات مرتبة بعناية واهتمام كبير بأن يبدو المنزل منسجما ومتناسقا.
ومع انتشار صور المنازل المثالية على منصات التواصل الاجتماعي، أصبح البيت في بعض الأحيان يبدو كأنه مساحة عرض أكثر منه مكانا مليئا بآثار الحياة اليومية.
 عبق الأيام وذكريات الماضي 
لكن قديما، يؤكد النوايسة أن الحياة لم تكن متكلفة، بل كانت حياة حقيقية تعاش بتفاصيلها، لذلك تحمل هذه البيوت القديمة اليوم عبق تلك الأيام وذكريات الماضي مع أناس لهم مكانتهم في حياة الفرد.
ويعلق بأن جاذبية ما سماه “الريلز” بـ”متلازمة البيوت القديمة” لا تأتي باعتبارها متلازمة بالمعنى الطبي أو العلمي، وإنما كحالة اجتماعية وعاطفية يتشاركها عدد كبير من الناس، وهي الرغبة في العودة إلى مكان يبدو أبطأ وأقل تصنعا، وأكثر دفئا.
ويكشف أن من لديه هذه “المتلازمة الاجتماعية” هو في الحقيقة يبحث عن الراحة في زمن سريع ومزدحم. فالحنين هنا ليس بالضرورة رغبة في العودة الكاملة إلى الماضي، ولا يعني أن الناس يريدون التخلي عن وسائل الراحة الحديثة، بقدر ما هو اشتياق إلى الإحساس الذي كانت تمنحه تلك البيوت؛ كالجلوس الطويل، والزيارات العائلية، والتفاصيل المألوفة ورائحة المكان المرتبطة بأشخاص وذكريات.
ويقول: “لهذا تحولت البيوت القديمة في الأعوام الأخيرة إلى عنصر جذب في بعض المشاريع السياحية والمطاعم والفنادق، فالمكان الذي كان يمكن أن يعتبر قديما أو بحاجة إلى تحديث، أصبح يحمل قيمة مختلفة عندما ينظر إليه بوصفه جزءا من الذاكرة، وأصبح الحفاظ على أبوابه ونوافذه وأرضياته وأثاثه القديم نقطة قوة، لا عيبا يحتاج إلى إخفائه”.
ويتفق النوايسة مع الكيلاني على أن الناس قد لا يكونون متعلقين بالبيت القديم نفسه بقدر تعلقهم بما يمثله، ففي ذلك الزمن كانت البيوت أقل سعيا إلى الكمال، وأكثر قدرة على الاحتفاظ بآثار من عاشوا فيها.
وربما لهذا، كلما وجد الناس بيتا قديما حافظ على روحه، توقفوا عنده وصوروه وجلسوا فيه، وتحدثوا عنه كما لو أنهم عثروا على جزء صغير من بيت فقدوه ذات يوم.

اقرأ أيضا: مهرجان الفحيص “33”: برنامج ثقافي وفني يحتفي بالهوية والتراث…

‫0 تعليق