
على مدى أسابيع، انخرطت سلطنة عُمان في وساطة بين واشنطن وطهران من أجل التوصل إلى ترتيب يعيد فتح مضيق هرمز، والاثنين هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقصف السلطنة إذا “وقفت في طريق” الولايات المتحدة.
وجاء التهديد في وقت كانت مسقط تناقش مع إيران ترتيبات للملاحة في المضيق ترفضها واشنطن، خصوصا ما يتعلق بالرسوم والتصاريح ودور طهران في تنظيم حركة السفن. وبذلك انتقل الخلاف من شروط التسوية مع إيران إلى دور عُمان نفسها في التفاوض عليها.
وقال ترامب “إذا وقفت عُمان في طريقنا، فسنقصفهم بشدة”، مشيرا إلى أن مسقط لا تتصرف بصورة جيدة، وأنه يمكن التعامل مع ذلك بسهولة كبيرة.
وتزامنت تصريحاته مع نهاية مهلة الـ 60 يوما التي حددتها مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران في17 يونيو الماضي بغرض التوصل إلى اتفاق وقف نهائي للحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.
وتجري إيران وعمان، اللتان تطلان على المضيق، مفاوضات منذ أسابيع، لكن نتائجها لا تزال غير واضحة.
وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في الأول من أغسطس إن المحادثات مع مسقط بشأن المضيق دخلت “مراحلها النهائية”، بينما قال مسؤولون إيرانيون إن الترتيب سيشمل رسوم خدمة تُقسم بين إيران وعُمان.
وكانت عمان قد قدمت مقترحا بشأن المضيق، يشبه النموذج المعمول به في مضيق ملقا، الذي يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي. حيث تدفع السفن رسوما طوعية لآلية إقليمية، بدلا من دفع رسوم إلزامية لدولة واحدة.
لكن هذا المقترح اصطدم بوضوح بموقف واشنطن. وقال مسؤول أميركي لـ”الحرة” في وقت سابق من هذا الشهر إن واشنطن لن تقبل بأي ترتيب في مضيق هرمز يفرض الحصول على تصاريح، أو يفرض رسوم عبور، أو يمنح أي طرف السيطرة على حركة الشحن التجاري.
وتعد سلطنة عمان تاريخيا واحدة من أقدم شركاء واشنطن، وقد وقعت معها اتفاقيات دفاعية منذ عدة عقود تتيح للجيش الأميركي الوصول إلى مرافق عمانية لدعم عملياته في الشرق الأوسط، في حين يُنظر إلى علاقتها الراسخة مع طهران كعامل إيجابيايعزز دورها في الوساطة.
وفي تصريحات لـ”الحرة” قال السفير الأميركي لدى سلطنة عمان بين 2016 و2019، مارك سيفرز إن عمان لعبت دور الوسيط مع إيران بشأن الملف النووي، وساهمت بقوة في تأمين الإفراج عن أميركيين احتجزهم الحوثيون في اليمن إبان فترة عمله سفيرا هناك.
ومع ذلك، قال السفير السابق، رفضت الولايات المتحدة دور الوساطة العُماني في بداية هذا الصراع لأنها من وجهة نظر واشنطن كانت تتبنى المواقف الإيرانية وتدافع عنها. لذلك تولت باكستان، ولاحقا قطر، مهام الوساطة.
وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال”، ذكرت الثلاثاء، بعد تهديدات ترامب، أن مسؤولين أميركيين يتهمون مسقط، في أحاديث خاصة، بالانحياز إلى جانب إيران بدلا من السعي للتوصل إلى أفضل اتفاق ممكن بين واشنطن وطهران.
ويقول سيفرز إن تصريحات الرئيس الأميركي على ما يبدو مرتبطة “بمقترحات إيرانية للسيطرة على المضيق”.
ويرى سعيد بن مسعود المعشني، الكاتب والمحلل السياسي العماني “السؤال الأهم ليس ماذا قال ترامب، وإنما: ماذا حدث ويحدث خلف الأبواب المغلقة حتى وصل الرجل إلى هذه الدرجة من الغضب تجاه عُمان؟”.
ويعتقد المعشني أن هناك خلافا أعمق يتعلق بالدور الذي تلعبه السلطنة في الحرب الحالية مع إيران، وتحديدا في ملف مضيق هرمز وشروط التسوية مع طهران.
وتحاول عُمان التوفيق بين الموقفين الأميركي والإيراني بشأن المضيق، لكنها تتحرك أيضا، على ما يبدو، انطلاقا من مصالحها الخاصة في أمن الممر الملاحي واستمرار حركة التجارة فيه.
أميركيا، تتركز سياسية الإدارة على ضرورة بقاء مضيق هرمز ممرا مائيا دوليا، ورفض أي إطار إداري محلي أو فرض رسوم عبور يتم الاتفاق عليها بين طهران ومسقط.
ويبرز موقف ترامب مدى تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران ووصولها إلى طريق مسدود، مع انقضاء مهلة الستين يوما دون إحراز أي تقدم، في حين تجري وطهران ومسقط محادثات ثنائية بعيدا عن واشنطن.
ويبدو أن ترامب يحاول الضغط على الطرفين من أجل الوصول إلى تسوية.
اقرأ أيضا: الأرصاد يحذّر من أمطار رعدية على جازان وعسير والباحة ورياح مثيرة للغبار
ويقول روبرت ميسون، من أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي، إن تصريحات ترامب تعبر عن حالة الاستياء المتزايد من مسقط ولاسيما مع ارتفاع التكلفة العسكرية للحرب.
ويرى الكاتب الصحفي العماني المختار الهنائي أن حديث ترامب عن ضرب عمان يعكس حالة فشل الدبلوماسية واستمرار الحرب وعدم إحراز نتائج حاسمة تجبر إيران على القبول بالشروط الأميركية.
ومنحت أزمة مضيق هرمز عُمان دورا إقليميا أوسع، بحكم موقعها وعلاقتها بكل من واشنطن وطهران، وفقا لعبد الله باعبود، الأكاديمي العُماني المتخصص في العلاقات الدولية وشؤون الخليج.
لكن مسألة الرسوم تبقى المشكلة الأكبر. فأي ترتيب يسمح لإيران بفرض رسوم على السفن العابرة قد يُفهم في واشنطن على أنه اعتراف بدور إيراني في التحكم بالمضيق.
وقال باعبود إن مسقط قد تواجه ضغوطا أميركية وغربية إذا فُسرت الترتيبات على أنها “اعتراف بحق إيران في السيطرة المنفردة على المضيق” أو فرض “رسوم إلزامية على العبور”.
ويقول المعشني إن عُمان حافظت لعقود على علاقات مع واشنطن وطهران ولعبت دور الوسيط بينهما، لكن الحرب الحالية جعلت هذا الدور أكثر صعوبة.
ويضيف: “ما تراه مسقط وساطة قد يراه طرف آخر محاولة لإنقاذ خصمه من نتائج الضغط العسكري والسياسي المفروض عليه”.
وتتمسك واشنطن برفض أي اتفاق يمنح إيران دورا في فرض رسوم أو تنظيم عبور السفن في مضيق هرمز. وقال السفير الأميركي السابق في عُمان إن الإدارة “لا تعوّل في هذه المرحلة على الدبلوماسية، بل تركز بدلا من ذلك على تكثيف الضغوط الاقتصادية”.
ويرى المختار الهنائي أن واشنطن قد تعتبر أي تفاهم بين مسقط وطهران يعيد فتح المضيق مقابل دور إيراني في تنظيم الملاحة تنازلا لطهران.
وقال روبرت ميسون إن الضغط على عُمان قد يكون وسيلة لدفع إيران إلى قبول الشروط الأميركية، لكنه حذر من أن إضعاف دور مسقط قد يحرم واشنطن من قناة دبلوماسية موثوقة مع طهران.
ويقول كريستيان كوتس أولريشسن، زميل شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر، إن عُمان أثبتت في السابق قدرتها على تحقيق اختراقات دبلوماسية، وهو ما يبقي لدورها قيمة رغم الخلاف الحالي مع واشنطن.
اقرأ أيضا: المرور يطلق مزاد اللوحات المميزة إلكترونياً عبر أبشر
