- من 35 ألفا إلى 15 ألف بقرة.. قطاع الأبقار اللبناني في سباق مع البقاء
على وقع الأزمات المتلاحقة، يتراجع قطاع تربية الأبقار في لبنان بصمت، تاركا وراءه مزارع تقلصت قطعانها، ومربين يواجهون خسائر متراكمة، وإنتاجا محليا يصارع للبقاء. فالأزمة لم تعد محصورة بارتفاع كلفة الأعلاف أو تقلبات الأسعار، بل باتت نتاجا لتداخل الأمراض الوبائية، وغياب الخطط الرسمية، وارتفاع كلفة الإنتاج، في وقت يمتد فيه تأثير هذا الواقع من المزرعة إلى معامل الألبان والأجبان، وصولا إلى المستهلك الذي يزداد اعتماده على المنتجات المستوردة.
اقرأ أيضا: لماذا اعتُقل زعيم جماعة “سليمانجيلار” في تركيا؟
سنوات من التراجع.. وغياب خطة للإنقاذ
ويشير نقيب مربي الأبقار الحلوب في لبنان، خالد الحاج، إلى أن القطاع شهد تراجعا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، لافتا إلى أن عدد الأبقار الحلوب في لبنان يقدر اليوم بنحو 15 ألف بقرة تقريبا، وفق تقديره، في ظل غياب إحصاء رسمي دقيق من وزارة الزراعة.
يرى الحاج أن تراجع قطاع الأبقار ليس وليد الأزمة الاقتصادية فقط، بل نتيجة غياب خطة واضحة للنهوض به. ويستشهد بفترة سابقة حصل خلالها القطاع على دعم من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، حيث دخلت أموال لدعم القطاع، ما ساهم، بحسب قوله، في وصول عدد الأبقار الحلوب إلى نحو 35 ألف بقرة في مرحلة سابقة.
لكن هذا التحسن لم يستمر، فعاد القطاع إلى التراجع مع غياب المتابعة والخطط طويلة الأمد.
ويحمل الحاج مسؤولية كبيرة لغياب التخطيط، معتبرا أن مديرية الثروة الحيوانية لم تضع رؤية واضحة للنهوض بالقطاع، رغم أهمية تربية الأبقار في تأمين جزء من حاجة السوق اللبنانية.
لبنان يعتمد بشكل كبير على استيراد الأعلاف المركبة، خصوصا الذرة والصويا والشعير، بسبب عدم قدرة الإنتاج المحلي على تغطية هذه الأصناف
الأمراض تضرب القطيع
لم تكن الظروف الاقتصادية وحدها سبب تراجع أعداد الأبقار، إذ شكلت الأمراض التي أصابت القطعان ضربة إضافية للمربين.
ويؤكد الحاج أن مرض الحمى القلاعية المتحورة (SAT-1)، الذي انتشر خلال السنة الماضية، أدى، بحسب تقديره، إلى خسائر كبيرة، مشيرا إلى أن المرض تسبب بخسارة نحو 60% من القطاع، نتيجة نفوق عدد من الأبقار وتراجع إنتاج الحليب.
ويشرح الحاج أن بعض المزارع التي كانت تنتج أطنانا من الحليب يوميا انخفض إنتاجها بشكل كبير بعد انتشار المرض، مؤكدا أن السيطرة على الوباء جاءت بعد إصابة عدد كبير من القطعان، وليس نتيجة تدخل رسمي مباشر.
ويضيف أن القطاع يواجه حاليا تحديا جديدا مع انتشار مرض الجدري المتحور، الذي وصفه بأنه يؤدي إلى نفوق الأبقار في عدد من المزارع.
الأعلاف.. العبء الأكبر على مربي الأبقار
إلى جانب الأمراض، تبقى كلفة الأعلاف من أبرز الضغوط التي تواجه مربي الأبقار.
ويشير الحاج إلى أن لبنان يعتمد بشكل كبير على استيراد الأعلاف المركبة، خصوصا الذرة والصويا والشعير، بسبب عدم قدرة الإنتاج المحلي على تغطية هذه الأصناف.
أما الأعلاف التي يمكن إنتاجها محليا، مثل الفصة والقش والتبن، فهي تغطي، بحسب تقديره، نحو 60% من حاجة السوق من هذه الأنواع فقط، بينما تبقى الحبوب الأساسية التي تدخل في تغذية الأبقار مرتبطة بالاستيراد وتقلباته.
بين كلفة الإنتاج وسعر الحليب
رغم ارتفاع سعر الحليب، يؤكد الحاج أن هذا الارتفاع لم يكن كافيا لإنقاذ المربين، خصوصا أصحاب المزارع الصغيرة.
ويشير إلى أن سعر بيع الحليب في لبنان يتراوح حاليا بين 80 و85 سنتا لليتر الواحد، موضحا أن هذا السعر قد يسمح لبعض المزارع الكبيرة والمنظمة بتحقيق هامش بسيط، لكنه لا يكفي العديد من المربين، خصوصا أصحاب المزارع الصغيرة الذين تضرروا من تراجع الإنتاج والخسائر المتراكمة.
ويحذر الحاج من اختفاء هذه الفئة تحديدا، معتبرا أن المشكلة لا تكمن فقط في خسارة المزارع الكبيرة، بل في خروج عشرات المربين الذين يمتلكون عددا قليلا من الأبقار ويعتمدون عليها كمصدر رزق.
ويستشهد بخسارته الشخصية خلال أزمة الحمى القلاعية، حيث أوضح أن مزرعته، التي كانت تضم نحو 360 رأسا، تكبدت خسائر تقدر بنحو 200 ألف دولار.
بعض المنتجات الأجنبية تدخل بأسعار أقل من المنتج اللبناني، حتى في الحالات التي تكون فيها الجودة جيدة، معتبرا أن المنتج المحلي يحتاج إلى حماية تمكنه من الاستمرار
من المزرعة إلى المعمل.. الأزمة تمتد
لا تتوقف تداعيات الأزمة عند المربي، بل تصل مباشرة إلى معامل الألبان والأجبان التي تعتمد على الحليب المحلي.
اقرأ أيضا: فريق هندسة وطب الأورام باليرموك يحقق المركز الثاني في اليوم العلمي للابتكار
ويقول مدير معمل ألبان وأجبان المنارة، علاء أبو غنيم، إن سعر الحليب ارتفع بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن المعمل يستلم حاليا كيلو الحليب بـ85 سنتا، بعدما كان قبل الأزمة يتراوح تقريبا بين 50 و60 سنتا.
ويؤكد أبو غنيم أن ارتفاع سعر الحليب ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، لكنه يوضح أن المصاريف الصناعية الأخرى تلعب دورا أيضا، وخصوصا اليد العاملة التي يعتبرها من أكبر عناصر الكلفة داخل المعمل، بالتزامن مع ارتفاع كلفة المحروقات.
بين الإنتاج المحلي والمنافسة الخارجية
رغم ارتفاع كلفة الإنتاج، يرى نقيب مربي الأبقار الحلوب في لبنان، خالد الحاج، أن إنتاج الحليب المحلي لا يغطي سوى جزء محدود من حاجة السوق، مشيرا إلى أن لبنان ينتج، في أفضل الحالات، نحو 25% من حاجته من الحليب، ما يعني استمرار الاعتماد على المنتجات القادمة من الخارج.
لكن المشكلة، بحسب مدير معمل ألبان وأجبان المنارة، علاء أبو غنيم، لا ترتبط فقط بدخول المنتجات الأجنبية، بل بطريقة المنافسة أيضا.
في الإطار، يشير أبو غنيم إلى أن بعض المنتجات الأجنبية تدخل بأسعار أقل من المنتج اللبناني، حتى في الحالات التي تكون فيها الجودة جيدة، معتبرا أن المنتج المحلي يحتاج إلى حماية تمكنه من الاستمرار.
ويضيف أن معامل الألبان والأجبان والمربين لديهم مصلحة مشتركة، لأن استمرار المعمل مرتبط باستمرار المزارع، واستمرار المزارع مرتبط بوجود سوق قادرة على استيعاب إنتاجه.
حماية لا إغاثة
في خضم هذا المشهد، يرفع النقيب خالد الحاج صوته مطالبا بحماية الإنتاج، لا بالضرورة دعما ماليا مباشرا، بل بتأمين لقاحات، وتنظيم السوق، ورقابة فعلية.
ويوافقه أبو غنيم، مؤكدا أن حماية الإنتاج المحلي ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على سلسلة غذائية كاملة، تبدأ من المربي، وتمر بالمعمل، وتنتهي عند المستهلك الذي يجد على رفه منتجا وطنيا بسعر منافس وجودة مضمونة.
وفي محاولة لمعالجة هذا الواقع، طرح سابقا برنامج مؤلف من عشر نقاط للنهوض بالقطاع، إلا أن عدم ترجمته إلى خطوات عملية أبقاه في إطار الوعود، فيما تلوح مخاوف من أزمة أكبر مع اقتراب الشتاء، في حال استمرار الظروف الحالية، ما يضع قطاع الحليب في لبنان أمام اختبار جديد للحفاظ على ما تبقى منه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: إثر تجهيز غرفة للإعدام بجناح محكومين.. نادي الأسير الفلسطيني يستصرخ العالم | أخبار
