قانون الإدارة المحلية الجديد .. ما الجديد على الانتخابات البلدية المقبلة؟ | وجهة نظر

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

د. دانييلا القرعان

اقرأ أيضا: هل تحتاج الأمم المتحدة إلى إصلاح أم إلى منظمة جديدة؟ | سياسة

أقر مجلس النواب اليوم مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، بعد نقاش نيابي واسع امتد لعدة جلسات، ليضع بذلك إطاراً تشريعياً جديداً للإدارة المحلية في الأردن، ويعيد رسم العلاقة بين البلديات ومجالس المحافظات والجهاز التنفيذي للدولة. ومع أهمية هذا الإنجاز التشريعي، فإن القراءة القانونية للقانون لا ينبغي أن تتوقف عند عنوان “الإدارة المحلية”، بل يجب أن تمتد إلى السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للمواطن: ماذا يعني هذا القانون للانتخابات البلدية المقبلة؟

التحول الأكبر في القانون الجديد لا يبدو في إلغاء الانتخابات البلدية، كما قد يوحي بعض النقاش العام، وإنما في إعادة تعريف منظومة الإدارة المحلية ككل، فقد أبقى المشروع على الانتخاب المباشر والسري لرئيس المجلس البلدي وأعضاء المجلس البلدي، وهو أمر بالغ الأهمية من الناحية الدستورية والسياسية؛ لأن البلدية ستبقى، في جوهرها، مؤسسة ذات شرعية انتخابية مباشرة تستمد وجودها من إرادة الناخبين المحليين. وهذا يعني أن الانتخابات البلدية المقبلة لن تتحول إلى انتخابات شكلية أو غير مباشرة، بل سيذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع لاختيار ممثليه في المجلس البلدي، بما في ذلك رئيس المجلس وفق الآلية التي يحددها القانون، وبالتالي الحديث عن نهاية الانتخابات البلدية المباشرة يحتاج إلى تصويب؛ فالذي تغير بصورة جوهرية هو مجالس المحافظات وليس أصل الانتخاب البلدي المباشر، وهنا نصل إلى أكثر التحولات إثارة للجدل، فقد أقر مجلس النواب إلغاء مجالس المحافظات المنتخبة بصورتها السابقة، واستبدالها بمجالس محافظة ذات تركيبة تمثيلية تضم رؤساء مجالس البلديات وممثلين عن قطاعات مختلفة، من بينها القطاع النقابي والتجاري والصناعي والزراعي والمجتمعي، وبذلك ينتقل الأردن من نموذج منح الناخب دوراً مباشراً في تشكيل مجلس المحافظة إلى نموذج يقوم على التمثيل القطاعي والمحلي.

ومن منظور القانون الإداري، فإن هذا التحول يستحق نقاشاً أعمق من مجرد السؤال عما إذا كان التعيين أو الانتخاب أفضل، لأن الانتخاب يمنح المجلس شرعية سياسية مباشرة، بينما التمثيل القطاعي يمنح خبرة وتنوع وكفاءة في صياغة السياسة التنموية، والتحدي الحقيقي سيكون في كيفية تحقيق التوازن بين الشرعية الديمقراطية والكفاءة الإدارية.

أما على المستوى البلدي فالقانون الجديد يتجه إلى الفصل بصورة أوضح بين الدور السياسي والرقابي للمجلس البلدي، وبين الدور التنفيذي والإداري للجهاز التنفيذي، ومن أبرز المستجدات إلزامية تعيين مدير البلدية من خلال هيئة الخدمة والإدارة العامة، بما يعزز مبدأ المهنية في الإدارة التنفيذية ويحد من إمكانية تحول الجهاز البلدي إلى امتداد للعلاقات الانتخابية والسياسية المحلية، وهذا التغيير، إذا طُبق بصورة سليمة، يمكن أن يكون من أهم إيجابيات القانون؛ لأن رئيس البلدية منتخب من المواطنين، بينما المدير التنفيذي ينبغي أن يكون قائماً على الكفاءة والاستقرار الإداري، غير أن نجاح هذا الفصل يتوقف على وضوح الصلاحية وعدم نشوء صراع بين رئيس البلدية المنتخب والمدير التنفيذي المعين، لذلك فإن الأنظمة والتعليمات التي ستصدر لاحقاً ستكون في غاية الأهمية لتحديد خطوط المسؤولية ومنع ازدواجية القرار.

من المستجدات اللافتة أيضاً رفع نسبة تمثيل المرأة في المجالس البلدية إلى 30 بالمئة، مع تعزيز حضورها في مواقع صنع القرار داخل المجالس، وهذا لا يمثل مجرد زيادة رقمية في الحضور النسائي، بل يشكل تحولاً تشريعياً في فلسفة التمثيل المحلي، ويمنح المرأة ضمانة قانونية أكبر للمشاركة في إدارة الشأن البلدي.

أما الانتخابات المقبلة تحديداً، فإن أهم ما سيترتب على القانون هو أنها ستكون انتخابات لإنتاج مجالس بلدية تعمل في بيئة قانونية مختلفة عن البيئة السابقة، ولن يكون الناخب أمام مجرد اختيار رئيس وأعضاء مجلس بلدي لإدارة الخدمات اليومية، وإنما أمام مجالس يفترض أن تتحول، وفق فلسفة القانون، إلى أدوات للتنمية والاستثمار والتخطيط الحضري وتحفيز الاقتصاد المحلي، وليس فقط تعبيد الشوارع وجمع النفايات وإصدار الرخص.

من هنا فإن المعركة الانتخابية المقبلة قد تكون مختلفة أيضاً من الناحية السياسية، فإذا كان المرشح البلدي في السابق يستطيع بناء حملته على الخدمات المباشرة والعلاقات الشخصية، فإن اتساع الدور التنموي للبلديات يفرض على المرشحين تقديم برامج أكثر وضوحاً حول الاستثمار المحلي، التخطيط الحضري، تحسين الخدمات، التحول الرقمي، إدارة الموارد، والشراكة مع القطاع الخاص.

وهناك مسألة قانونية أخرى شديدة الأهمية تتعلق بحل المجالس البلدية فقد أقر مجلس النواب سقفاً زمنياً يقضي بإجراء انتخابات مجلس بلدي جديد خلال سنة من تاريخ حل المجلس السابق وهو نص يهدف إلى منع استمرار حالة الفراغ البلدي أو الإدارة المؤقتة لفترات طويلة، وهذا النص مهم جداً من زاوية حماية الشرعية الانتخابية لأن الأصل أن تكون الإدارة البلدية نابعة من مجلس منتخب، وأن يكون الحل إجراءً استثنائياً لا وسيلة لإطالة عمر الإدارة المعينة.

اقرأ أيضا: الجامعة العربية تحذّر من تنفيذ الاحتلال أحكام الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين

لكن السؤال الأهم يبقى: متى ستجري الانتخابات البلدية المقبلة فقانون الإدارة المحلية الجديد لا يعني بالضرورة أن الانتخابات ستجري فور إقراره من مجلس النواب فهناك مسار دستوري يجب استكماله، ثم نشر القانون ونفاذه، وبعد ذلك يتعين تحديد المواعيد والإجراءات الانتخابية وفق القانون النافذ والجهات المختصة، لذلك فإن أي حديث عن موعد قطعي للانتخابات قبل اكتمال هذه الإجراءات ينبغي التعامل معه باعتباره تقديراً سياسياً لا موعداً قانونياً نهائياً، الأهم من ذلك أن الهيئة المستقلة للانتخاب والجهات الإدارية المعنية ستواجه مهمة كبيرة في الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد، خصوصاً فيما يتعلق بالدوائر البلدية، والسجلات الانتخابية، وشروط الترشح، ونسب تمثيل المرأة، وطريقة احتساب المقاعد، وتحديد العلاقة بين المجالس البلدية ومجالس المحافظات بصيغتها الجديدة.

ومن وجهة نظر قانونية، فإن نجاح القانون لن يقاس بعدد مواده أو بحجم التعديلات التي أدخلت عليه، وإنما بقدرته على الإجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية: من يقرر؟ ومن ينفذ؟ ومن يحاسب؟ فإذا بقيت الصلاحيات موزعة بصورة غير واضحة بين المجلس البلدي والوزارة والمدير التنفيذي والمحافظة، فالقانون قد ينتج نزاعات إدارية جديدة بدلاً من أن يحل المشكلات القديمة، أما إذا نجح في بناء علاقة واضحة بين المجلس المنتخب والجهاز التنفيذي والسلطة المركزية، فإنه يمكن أن يشكل نقلة حقيقية في مسار الإدارة المحلية الأردنية.

لذلك فإن الانتخابات البلدية المقبلة لن تكون مجرد انتخابات دورية لتغيير رؤساء البلديات وأعضاء المجالس، بل ستكون أول اختبار حقيقي للقانون الجديد وستكشف صناديق الاقتراع ما إذا كان المشرّع نجح في الجمع بين الديمقراطية المحلية والكفاءة الإدارية والتنمية، أم أن تعدد الجهات والصلاحيات يبقي البلديات أسيرة المركزية التي حاول القانون الجديد تجاوزها.

الحكم النهائي على القانون لا ينبغي أن يصدر اليوم، مع إقراره في مجلس النواب، وإنما بعد دخوله حيز التطبيق، وبعد أن يخوض المواطن والمرشح والمجلس البلدي والموظف التنفيذي تجربتهم الأولى مع منظومته الجديدة فاللامركزية ليست مجرد نصوص في قانون، والانتخاب ليس مجرد صندوق، والإدارة المحلية ليست مجرد بلديات؛ بل هي في النهاية طريقة جديدة لتوزيع السلطة والمسؤولية والمساءلة بين الدولة والمواطن والمجتمع المحلي.

اقرأ أيضا: انطلاق منافسات الجولة الثانية من الدوري السعودي للمحترفين غدًا

‫0 تعليق