
فيكتوريا كولدج ليست مجرد مدرسة عريقة تقف في قلب الإسكندرية، وإنما حكاية مدينة كاملة عاشت عصرها الذهبي كمدينة كوزموبوليتانية، تتجاور فيها الجنسيات والثقافات، وتلتقي داخل فصولها أبناء العائلات الحاكمة مع أبناء النخب السياسية والاقتصادية والثقافية.
اقرأ أيضا: المواجهة العالمية.. موعد تحرك بعثة الأهلي إلى ملعب سبوتيفاي كامب نو لمواجهة برشلونة
وعلى مدار أكثر من قرن، ارتبط اسم المدرسة بالملوك والأمراء والمشاهير، حتى أصبحت تُعرف بـ«مدرسة الملوك»، بعدما تحولت إلى شاهد على مرحلة مهمة من تاريخ التعليم والمجتمع في الإسكندرية، وخرج من بين جدرانها عدد من الشخصيات التي تركت بصمتها في السياسة والفن والثقافة.
تأسست فيكتوريا كولدج عام 1902، لتقدم نموذجًا تعليميًا على الطراز البريطاني، واستقبلت منذ بدايتها طلابًا من جنسيات وخلفيات مختلفة، قبل أن تنتقل إلى مقرها المعروف، وتتحول إلى واحدة من أشهر المؤسسات التعليمية في الإسكندرية والمنطقة.
وتحكي الصحفية والباحثة داليا عاصم، في كتابها «فيكتوريا كوليدج.. صناعة الملوك والأمراء والمشاهير»، جانبًا من التاريخ غير المرئي للمدرسة، مؤكدة أن اهتمامها بها لم يكن باعتبارها مجرد مؤسسة تعليمية، وإنما لأنها تمثل «ظاهرة اجتماعية وسياسية وتاريخية نادرة».
استقبلت المدرسة طلابًا من نحو 55 جنسية، ما جعلها نموذجًا مصغرًا للإسكندرية الكوزموبوليتانية، كما يوثق كتابها شهادات لخريجين، وصورًا ووثائق وملفات لشخصيات ارتبطت بتاريخ المدرسة، إلى جانب مراسلات بين الإدارة وعدد من ملوك وأمراء المنطقة.
لم يكن لقب «مدرسة الملوك» مجرد وصف، فقد جلس على مقاعدها عدد من أبناء الأسر الحاكمة، من بينهم الملك حسين بن طلال ملك الأردن، والملك سيميون الثاني ملك بلغاريا، إلى جانب أمراء وشخصيات سياسية من دول عربية وأجنبية.
لكن المدرسة لم تصنع الملوك فقط، وإنما خرجت أيضًا أسماء لامعة في الفن والثقافة، من بينهم عمر الشريف، ويوسف شاهين، وأحمد رمزي، وشادي عبد السلام، وتوفيق صالح، والمفكر إدوارد سعيد، وغيرهم من الشخصيات التي تجاوز تأثيرها حدود مصر.
وكانت الحياة داخل المدرسة تتجاوز الدراسة إلى الرياضة والفنون والأنشطة الثقافية، لتمنح الطلاب مساحة لبناء الشخصية واكتساب الخبرات، وهو ما انعكس لاحقًا على مسيرتهم المهنية.
ولا تكتمل حكاية فيكتوريا كولدج من دون التوقف أمام ذاكرتها المحفوظة في الصور والوثائق والتذكارات المرتبطة بتاريخها، فالمواد التاريخية التي وثقتها داليا عاصم، إلى جانب ما ظهر في الاحتفالات الخاصة بتاريخ المدرسة، تكشف عن ثروة أرشيفية تضم صورًا قديمة للطلاب والدفعات، ووثائق وخطابات وملفات لخريجين، وتذكارات مرتبطة بمراحل مختلفة من عمر المؤسسة.
وفي الاحتفال بمئوية المدرسة عام 2002، أقيم معرض ضم صورًا تاريخية للمدرسة والطلاب، وصورة للملكة فيكتوريا، إلى جانب هدايا وتذكارات، بحضور عدد من خريجي المدرسة، بينهم المخرج يوسف شاهين، لتتحول هذه المقتنيات إلى ذاكرة حية لا تحفظ تاريخ المدرسة فقط، وإنما جانبًا من تاريخ الإسكندرية نفسها.
ومع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر خلال القرن العشرين، تغيرت ملامح فيكتوريا كولدج، خاصة مع تراجع الوجود الأجنبي، لكنها احتفظت بمكانتها التاريخية واستمرت في أداء دورها التعليمي، لتدخل اليوم مرحلة جديدة تركز على مواكبة التطورات التعليمية والتكنولوجية، مع استمرار الأنشطة الطلابية والثقافية والرياضية.
ويؤكد الدكتور عربي أبو زيد، وكيل وزارة التربية والتعليم بالإسكندرية، أن «تطوير التعليم لم يعد رفاهية، وإنما ضرورة تفرضها المتغيرات المتسارعة في العالم واحتياجات سوق العمل»، مشددًا على أن المدرسة الحديثة يجب أن تنتقل بالطالب من مجرد تلقي المعلومات إلى امتلاك القدرة على التفكير والإبداع وحل المشكلات.
اقرأ أيضا: الاستثمار: 17 تعاقد بقيمة 168 مليون دولار خلال فعالية «التصدير إلى الصين»
ويقول أبو زيد إن «الطالب يجب أن يكون في قلب العملية التعليمية»، موضحًا أن تطوير المناهج لا بد أن يرتبط بمتطلبات العصر والتكنولوجيا الحديثة، وأن يمنح الطلاب فرصًا أكبر لاكتشاف قدراتهم واختيار المسارات التي تتناسب مع إمكاناتهم وميولهم.
ويضيف أن «المعلم يظل الركيزة الأساسية لأي عملية تطوير»، موضحًا أن التكنولوجيا مهما تطورت لن تحل محل دور المعلم في بناء شخصية الطالب وتوجيهه وتحويل المحتوى الدراسي إلى تجربة تعليمية قائمة على الفهم والمشاركة والتفكير.
ويشير وكيل وزارة التربية والتعليم بالإسكندرية إلى أن تطوير التعليم يحتاج إلى تكاتف جميع أطراف العملية التعليمية، من مدارس ومعلمين وطلاب وأولياء أمور ومجالس أمناء، مؤكدًا أن الهدف الأساسي هو توفير بيئة تعليمية تساعد أبناء الإسكندرية على اكتساب مهارات المستقبل، وتأهيلهم للحياة وسوق العمل، وليس الاكتفاء بتحقيق النجاح في الاختبارات.
ويؤكد أبو زيد أن «المدرسة الناجحة ليست التي تقدم المعرفة فقط، وإنما التي تساعد الطالب على اكتشاف نفسه وبناء شخصيته والاستعداد للمستقبل»، معتبرًا أن الحفاظ على المؤسسات التعليمية العريقة وتطويرها في الوقت نفسه يمثل مسؤولية مشتركة، خاصة المدارس التي تحمل ذاكرة تاريخية كبيرة مثل فيكتوريا كولدج.
اليوم، تقف فيكتوريا كولدج بين تاريخ طويل وحاضر متغير؛ فصور الملوك والمشاهير والوثائق القديمة تستعيد ذاكرة أجيال مرت من هنا، بينما يواصل الطلاب الحاليون كتابة فصول جديدة من حكاية المكان.
وبين «صناعة الملوك» قديمًا وصناعة أجيال جديدة قادرة على مواجهة المستقبل، تظل فيكتوريا كولدج واحدة من العلامات الفارقة في تاريخ التعليم بالإسكندرية، ومدرسة تختصر في جدرانها أكثر من قرن من حكايات المدينة والعالم.
اقرأ أيضا: بتصرف 700 جنيه على الشيبسي.. أسرة زوج سيدة المحلة تكشف تفاصيل صادمة.. صور
