توقفنا في الحلقة السابقة من هذه السلسلة عند التساؤل الآتي: ما الذي يلي هذا المدخل من واقع التثاقف؟
يموج عالم اليوم بصراع غير مكتوم قوامه التباري في أدوات العصر؛ وعلى رأسها التكنولوجيا التي أنتجت الذكاء الاصنطاعي بما يلزمه من بنية أساسية تكنولوجية قائمة على السلعة الأندر (أشباه الموصلات) والعناصر الأرضية المستخدمة فيها، بكل ما يعنيه ذلك من تشابكات وصراعات واستتباعات وتبدلات في المواقف وتحالفات وهيمنة على المستوى الدولي.
اقرأ أيضا: جيسيكا مدحت: بدأت العزف على الطبلة في التاسعة.. ووالدي فاجأني بها
ولم تتوقف ثقافة “السوبر” عن ولوج عالم التكنولوجيا، بل إنها ولجته مبكرًا منذ إنتاج الحاسوب المسمى CDC 6600 في عام ١٩٦٤ وتواضع المتخصصون على اعتباره أول حاسوب “سوبر” أو “خارق” في تاريخ البشرية. جرت في نهر التكنولوجيا مياه كثيرة، بل هادرة، حتى طولِعنا بمصطلح Superintelligence الذي يعني “الذكاء الخارق”، وعادة ما يأتي استخدامه مسبوقًا بكلمة “اصطناعي”، ومدلوله هو “مساعد / قرين / وكيل” افتراضي ذو قدرات “ذهنية” خارقة تفوق القدرات البشرية.
وهذا المصطلح حاضر في أروقة خاصة منذ عام ١٩٦٥، ثم تطور كثيرًا وبدأ يشيع على الألسنة بفضل كتاب العالم السويدي نيك بوسترم الصادر في عام ٢٠١٤ موسومًا: “الذكاء الخارق: المسارات، والأخطار، والاستراتيجيات”، وهو كتاب مرجعي أثير أطلق صيحة تحذير من تفوق ذكاء الآلة على ذكاء الإنسان، فساق مصطلح “الانفجار الذكائي” بوصفه خطرًا وجوديًا على الإنسان وحضارته.
ثم طالعنا مارك زوكربرج في ١٠ من أغسطس ٢٠٢٦ بمقالة تلقفتها وسائل الإعلام العالمية بوصفها “مانيفستو مارك للذكاء الاصطناعي”، وفيها طوَّف الرجل لبيان وجهة نظره في مستقبل الذكاء الاصطناعي و”الذكاء الخارق”، عارضًا فكرة تخالف جُل المؤسسات الكبرى الضالعة في هذا الاختصاص الدقيق ذي الاستثمارات والعوائد التريليونية، والأهداف “المتلونة”.
اقرأ أيضا: ضبط عاطل بتهمة البلطجة واستعراض القوة في الإسكندرية – الأسبوع
إن المدخل الذي اختاره الرجل لإعلانه الأشهر (مانيفستو! هذه الكلمة غائبة عن الأوساط الثقافية العربية منذ أيام “المانيفستو الشيوعي”! وما عادت تستخدم إلا في سياق حصر بيانات الأفراد والبضائع وما أشبه) يتسم بالجاذبية الشديدة والحرص على التمكين وتقريب التكنولوجيا الفائقة إلى كل إنسان؛ أي أن “المستقبل للجميع” في عينه. وللإيجاز، فقد جاء بيانه قائمًا على مفاهيم محددة الذكر، وسيعة المدى، هلامية التطبيق، مغفلة للمحاذير، وتلكم المفاهيم هي: تمكين الفرد (كل فرد)، وإتاحة حرية الاختيار بغير حدود، وتحقيق توازن القوة في المجتمع بتمكين الأفراد (الثقافة الغربية تعلي الفرد على المجموع)، ووضع “الذكاء” في خدمة أهداف الفرد، وتحقيق التوافق بين الذكاء الاصطناعي والمستخدم، وتوسيع قدرات الفرد وصولاً إلى اللامركزية التي هي في نظره “أساس السلامة” (يقصد السلامة من تغول المؤسسات والدولة!)، والإلحاح بالإتاحة لتحقيق منافسة تلجم الافتئات بالقوة، وتوظيف الذكاء في سبيل الاختراع، وتحرير الفرد من أي سطوة أو هيمنة.
وهذا “المانيسفتو” (وأشباهه) جدير بالرصد والتحليل والاستنتاج وصولاً إلى رسم مسار لنا في الدول التي ما زالت غير قادرة على مواكبة غيرها في هذا المجال؛ فالمانيفستو المذكور يبشر بقرين / بوكيل اصطناعي يعين الفرد في كل شيء، حتى إنه سيرتب له حياته ويخصص له وقتًا للترفيه وما إلى ذلك من أفكار حالمة تجعل التسليم بهذا المانيفستو (عند غير المسلحين بالتفكير الناقد) من قبيل المسلّمات المحببات إلى القلوب! كما أن هذا الانفتاح في ظل ميزان القوة العالمي الحالي سيضمن التفرد والتميز والهيمنة للقوة الأمريكية دون سواها؛ وبعبارة أخرى فمارك يقدم رؤية تلتحف بالتحرر والديمقراطية لمستقبل “الذكاء الخارق / الفائق” في تصوره.
لست ضد التكنولوجيا بتفرعاتها التي لا تنتهي؛ لكن تمكين الجميع منها يلزمه تمكينه فكريًا وعلميًا وأخلاقيًا، وتمكين المؤسسات من حوله قانونيًا وتنظيميًا، وإلا صارت الحياة فوضى – وكأني بالعالم يعود رويدًا إلى عالم الفتوة (بمعناه التاريخي المتأخر، أي السلبي)؛ ذلك الفطحل المهيب الخارق الذي يفرض ما يريد، كيفما يريد، وقتما يريد. وحال الفتونة الإلكترونية حاضر حاليًا بشكل أو بآخر، فنقل التكنولوجيا من المحرمات، ودراسة تخصصات بعينها لأبناء بلدان بعينها من المحذورات… فكيف يتحقق التمكين الذي ينظّر به السيد مارك؟
هنا نعود إلى محوري “الاستتباع” و”الاستهلاكية” اللذين ارتكزت عليهما هذه السلسلة من الشواغل الثقافية؛ فتكنولوجيا الذكاء الخارق ستظل بأيدٍ ابتدأتها، وليس لغيرها إلا استهلاكها استهلاكًا يرسخ الاستتباع الذي بات ينتقل من شق ثقافي إلى آفاق أخرى تحكم الدنيا تطورًا وهيمنةً واقتصادًا، إلى غير ذلك.
وعلى ذلك، وجب السعي بكل قوة وجهد نحو امتلاك ناصية علوم المستقبل؛ وهذا ليس واجب الدولة وحدها، بل هو واجب كل قادر بأي شكل من أشكال القدرة، ولنتذكر دومًا أن الأميرة فاطمة اقتدرت بالأرض، وأن أحمد زويل اقتدر بالعلم، وأن مجدي يعقوب اقتدر بالعلم وخدمة الإنسانية… فالسعي في الاقتدار خير من القعود والانتظار.
اقرأ أيضا: كسر مفاجئ بالخط الرئيسي.. انقطاع المياه عن 5 مناطق بالقاهرة
