حرب عاطلة وسلام مُعطَّل – اليوم السابع

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

انتهت مُهلة الشهرين عَمليًّا، وكانت جُمِّدت فى مُستهَل إعلانها، وقبل أن يتحرك طرفاها خطوة واحدة للأمام. والحال على ما هى عليه، لا تحسّنت الأوضاع ولا ازدادت سوءا؛ ولعل هذا أسوأ فى الأمر!

اقرأ أيضا: من نصرة فلسطين لإمبراطورية المال.. شهادات تكشف طرق التبرعات فى تاريخ الإخوان.. باحث حركات متطرفة يكشف كيف وظفت الإرهابية القضية الفلسطينية والإغاثة فى بناء شبكات النفوذ والتمويل على مدار عقود طويلة

يدور الأمريكيون والإيرانيون فى دائرة مُفرّغة، أقرب إلى متاهة، تحتاج التعاون لمُغادرتها؛ غير أن كل لاعب ينتظر الخطوة الأولى، ويُعوّل على أن يُبادر الآخر، ويتنازل أيضًا.

كان الموعد مُجرّد إطار تنظيمى، بحسب الصيغة المُتّفق عليها فى مذكرة إسلام آباد، مع قابلية تمديده حال عدم إنجاز المطلوب.

ولأن لا أحد كان مُتفائلاً لدرجة الوهم بأن الأزمة ستُحَلّ فى ستين يومًا؛ فالمؤكد أن الجميع تحضّروا لفكرة البقاء فى وضعية «لا سلم ولا حرب»، بالضبط كما تبدو الصورة الآن.

أخطأت الولايات المُتّحدة بالتصعيد مرّة، وفى التهدئة مرّات عِدّة. ارتدّت القفازات ودخلت حلبة المُلاكمة بتوقيت إسرائيل، وعلى رغبة نتنياهو ومساعيه الشخصية.

أمّا فى مساعيها للخروج؛ فقد صرخت أوّلاً فى لعبة عض الأصابع، ومرّرت بنودًا غائمة لغويًّا وإجرائيًّا، وتحتمل التأويل على معانٍ شتّى، متضادّة ومتضاربة، كما أفرطت فى الترغيب والترهيب؛ ففقدت بريق الاثنين وفاعليتهما معًا!

صيغة مقلوبة عن قصة الراعى الكذوب؛ إذ ظلّ يستغيث ادّعاء وخداعًا من الذئب، ويغيثه الناس، وفى المرّة الوحيدة التى كان صادقًا لم يستجيبوا له.

ولِطُول ما هدّد ترامب بالضربة الساحقة؛ حفّز صقور الجمهورية الإسلامية على استمراء «لعبة الدجاجة»، بالثبات والمراهنة على أن يتراجع الغريم، بما وراء ذلك من إثباتٍ للصلابة والبأس، واستنزافٍ للوقت كما شاءوا وخطّطوا بالفعل.

عاد سيد البيت الأبيض للحديث عن أولوية سلاح الدمار الشامل، بعدما سُرِّب من دوائر الإدارة أنه أخطر مساعديه باستعداده لصفقة بشأن مضيق هُرمز؛ ولو استبعدت الملف النووى.

ويتّسق التسريب المُشار إليه، مع ما صرّح به مؤخّرًا نائبه، جى دى فانس؛ بأن الأولوية لتأمين الطاقة وإبقاء أسعار الوقود مقبولة للأمريكيين، ثم تحل أية مسألة فى مقامٍ تالٍ.

لا الرئيس يكذب، ولا النائب يجرؤ على اتخاذ موقف مُعارضٍ له. كلاهما صادق قطعًا، وهما يُريدان الأمرين، ويتفاوت الترتيب بحسب السياق. وإيران كذلك، تقبض على الورقتين، وتطمع فى الاحتفاظ بهما معًا.

والتوازنات القائمة لا تسمح لطامعٍ أن يملأ جعبته على حساب طامح؛ والحل أن يقتسما الأرباح والخسائر، أى أن يُقرّا معًا بنصيب كل منهما من الهزيمة والنصر، مع انتظار الأيام لتمنحه ما على الشجرة من عصافير، أو تسلبه ما فى راحة اليد.

المشكلة أنّ العَدوَّين لا يثقان فى بعضهما أوّلاً، يعرف كلٌّ منهما ما يُريده، ولا يهتم بآلية تحقيقه ولا حدود ما يقبله الثانى.. وأخيرًا والأخطر؛ أن الحرب عاطلةٌ لاعتبارات مُركّبة، والسلام مُعطَّل لحسابات أبعد من مكوّنات الصراع الراهن.

صِيغَت الورقة محل الخلاف بميوعة مقصودة؛ لتسمح لكلٍّ طرفٍ بتفسيرها على هواه، وأن يُسوّقها فى بيئته على معنى النصر.

لكن المُعضلة أنها لم تكن تعاقدًا نهائيًّا على المُستقبل، أو مُقاصّة لفض النزاع؛ إنما مُجرّد مُخطّط تمهيدى لتخفيض حِدّة الاشتباك، والسياسة من صور الحرب، كما قال كلاوزفيتز وأهل الاستراتيجية.

وأعتقدُ؛ أن عقلية المُهيمن أغرت المفاوضين من جانب واشنطن، بالتساهل فى بناء هيكل الاتفاق وصياغاته، باعتبار أنهم قادرون فى أية لحظة على قَلب الطاولة، وتغنيهم القوّة عن الحقّ، والمقدرة عن دقة الضبط.

وبغضّ النظر عن خطيئة الافتراض؛ فالمأخذ فى التناقض: إمّا فكرة الاستطاعة غير فعّالة مع نظام أُصولىٍّ ذى نزعة ميليشاوية انتحارية؛ فلا مُبرّر لاعتمادها من البداية. أو أن صلاحيتها قائمة؛ فلا معنى لاستبعادها الآن، أو عدم الاعتماد عليها فى عبور الاختناق الحالى.

وقد بات معلومًا للعابر على الأزمة قبل المُقيمين فيها؛ أن وقف حرب أشدّ ما يخشاه الملالى وجنرالاتهم؛ لأنه يُظهّر فواتير الهزيمة التى يُنكرونها بالدعاية والعاطفة، ويُحمّلهم أعباء الفشل المُتراكم دفعة واحدة؛ ثم يضعهم فى مواجهة شارعٍ مُعبّأ بالغضب والبارود، وما منعه عن الانفجار إلا الوطنية والمُزايدة.

تتبقّى على الانتخابات النصفية قرابة ثلاثة أشهر؛ ستتضاعف فيها ضغوط الأمن والاقتصاد، وتتضاءل حظوظ الجمهوريين.

وكل مقعد يتحوّل من اللون الأحمر للأزرق، قد يُلخّص تنازلاً ناعمًا ستدفعه واشنطن لطهران لاحقًا.. بينما بعض التنازلات اليوم؛ قد تفعل العكس تماما فى الغد.

وتدخل فى ذلك حسابات الانتخابات الإسرائيلية، وفرص بقاء نتنياهو بالفوز أو بعجز المنافسين عن هزيمته، بما يُتيح تجديد العملية وإمهاله شهورًا إضافية.

وحتى مع تغييره؛ فالورثة لن يُفرّطوا فى كثيرٍ من مُكتسبات تركة الطوفان وما تلاه من سقطات المُمانَعة.

تتواتر الرسائل الإيجابية بالإنجليزية، وتُنفَى بالفارسية سريعًا. ما على السطح لا يتحرّك، وما تحت الماء أكبر بالتأكيد.

اقرأ أيضا: رئيس منطقة الأزهر بكفر الشيخ يتفقد ويتابع امتحانات الدور الثانى للثانوية

تحدث جاريد كوشنر عن فتح خطوط اتصالات مع كل أجنحة الجمهورية الإسلامية، وكان صهره ورئيسه أكثر صراحة، بالإشارة المباشرة إلى حرس الثورة.

والمعنى؛ أن الرسائل لم تكن تصل إلى العنوان السليم، وعرف المُرسل مشكلته ويسعى إلى حلّها. غير أنّ ما يُحَلحِل عُقد الأمريكيين؛ قد يتسبب فى تعقيد أمور الإيرانيين.

الكلام لست عن صراع داخل السلطة، ولا عن جناحَين يضرب كلٌّ منهما فى اتّجاه. البيت يُمثّله المُرشد الغائب، ولا أحد ينوب عن نائب أصلاً.

وطبقة السياسة تتوزّع بين حكومة بزشكيان، وقاليباف ببرلمانه الأصولى، ومجلس الأمن القومى بهُويّته الهجينة، وفى القلب أحمد وحيدى، ليس فوق أىٍّ من الثلاثة بالدستور والقانون، ولا أحد منهم فوقه بقوّة الأمر الواقع!

تستهدف واشنطن أن تعبر نقطة الاختناق، وتتغلّب على عُقدة التعطيل. ما يتفق عليه الساسة؛ يُفسده الجنرالات؛ فلنذهب للفاعلين مباشرة.

إنما المعنى داخل النظام، وللشارع المشحون؛ أن الدولة الدينية تتعسكر، وأن شرعية العمامة انتقلت إلى ميليشيا، والدولة غير المثالية تتجه لتكون عصابة كاملة التشوّه!

الأصل أن إدارة ترامب تقرع باب صاحب القرار؛ غير أنه يُحتَمَل فى التأويل أنها تحقن الوصلات العصبية للجمهورية الإسلامية بفيروس الفتنة، وتلعب على تظهير الانقسام وتكريسه، وتأليب أجنحة النظام على بعضها.

المَنجى أن يرفض الحرس الاستجابة؛ فيقطع الطريق على الحلّ. وقتها لن تظل المشكلة فى نطاق الضغط لتحسين الشروط؛ بقدر ما ستحمل معنى القطيعة، والذهاب إلى أسوأ الاحتمالات.

اللعبة أن الدبلوماسية تُفاوض، والميدان يتشدّد؛ وكلاهما يخدم سرديّة النصر، وغاية الاستنزاف وتقطيع الوقت.

أما الوصول للقلب الصلب؛ فمعناه أن الذريعة تحترق فى أيدى أصحابها، وإمّا الحرب عنوانًا جامعًا، أو التسوية اضطرارًا وعلى غير ما يُحبّون، وبينهما التشظّى وإضعاف الفكرة من داخلها، وفى أعمق نقاط قوّتها.

احترقت ورقة الاتفاق؛ ولم تسقط. بعض مضامينها مُطبّقة، والخلاف فى البقيّة، والحرب ما عادت ولا ستعود.

يختلف المُحللون ويتّفقون، ويجزم المُندفع منهم ويحترس الحَذِر، ولا أحد يعرف ما يُمكن أن تؤول إليه الأوضاع بعد مترٍ واحد؛ حتى الذين يُمسكون بطرفَى الخيط فى واشنطن وطهران!

اقرأ أيضا: 3 عادات تضع القلب في مرمى الخطر.. وسمنة البطن كلمة السر

‫0 تعليق