توظيف الدين في خدمة العنف.. كيف قاد التأويل المنحرف إلى جريمة 15 مايو؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أحيانًا لا تبدأ الجريمة لحظة إطلاق الرصاص، وإنما قبل ذلك بكثير، داخل فكرة تتشكل، وتأويل ديني ينحرف، وقناعة تمنح صاحبها مبررًا زائفًا للعنف.

اقرأ أيضا: حملات مكثفة لإزالة الحواجز الخرسانية والمطبات العشوائية بالأقصر

هكذا تكشف كواليس مذبحة 15 مايو، عن مسار لم يتوقف عند حدود الجريمة الأسرية، وإنما امتد إلى تبني أفكار متطرفة، واستغلال الدين في تبريرها، وصولًا إلى اللجوء إلى العالم الخفي للإنترنت بحثًا عن السلاح.

في هذا الملف، نعيد تتبع هذا المسار خطوة بخطوة: «من الفكرة.. إلى التطرف.. ثم إلى الجريمة».

 

◄ كيف دخلت النصوص الدينية على خط الجريمة؟

 

تزداد الصورة تعقيدًا مع وجود ارتباط خلفية المتهم بأفكار جماعة الإخوان الإرهابية المتطرفة، وهنا لا تتوقف أهمية هذه الجزئية عند مجرد معرفة الانتماء أو التأثر الفكري، وإنما تمتد إلى الطريقة التي جرى بها توظيف الخطاب الديني في بناء الموقف وتبرير السلوك.

 

اقرأ ايضا| قتل باسم الدين.. كيف قاد فكر الإخوان مرتكب جريمة 15 مايو لتنفيذ مخططه؟

 

ففي الخطاب المنسوب إلى الجماعة الإرهابية على مدار تاريخها، طهرت أنماط من توظيف المفاهيم والنصوص الدينية في قراءة الأحداث والصراعات السياسية، وهو ما جعل العلاقة بين الفكرة الدينية والموقف السياسي واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الجماعة.

لذلك، فإن وجود الموروث الفكري في خلفية المتهم يستدعي فحصًا دقيقًا لما إذا كان قد تبنى بالفعل بعض هذه التصورات، وكيف انعكست على فهمه للنصوص وعلى نظرته إلى من حوله.

 

◄ منح جريمة بالغة الخطورة غطاءً دينيًا

 

وفي حالة المتهم، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا: رجل يقدم نفسه في إطار دعوي ويفسر آيات القرآن، ثم تنتهي به أفكاره – إلى محاولة منح جريمة بالغة الخطورة غطاءً دينيًا.

لم تكن علاقة المتهم بالنصوص الدينية وليدة لحظة الجريمة؛ فبحسب المحتوى المنسوب إليه، كان يقدم مواد دعوية تتناول تفسير آيات القرآن، ومن بينها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ۝ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.

 

اقرأ ايضا| النيابة تأمر بحبس قاتل ابنته و 3 من أهلية مطلقته والشروع في قتل نجله

 

وتكتسب هذه النصوص أهمية خاصة في ضوء ما نُسب إليه لاحقًا من أفكار وتبريرات؛ إذ تفتح الباب أمام سؤال جوهري في فهم خلفيته الفكرية: كيف كان يقرأ النص الديني؟ وهل كان يتعامل معه باعتباره مرجعية تضبط السلوك، أم كان يوظف بعض آياته لإضفاء مشروعية دينية على مواقف أو قرارات اتخذها مسبقًا؟

اقرأ أيضا: خصومات تصل إلى 340 ألف جنيه.. «فولفو عز العرب» تطرح أسعارًا جديدة لعدد من طرازاتها في مصر لفترة محدودة

فالآيتان من سورة البقرة تتناولان نموذجًا لمن يواجهون اتهامًا بالإفساد، فيدعون أنهم يسعون إلى الإصلاح، بينما يأتي الرد القرآني حاسمًا في وصف حقيقة فعلهم.

 

◄ تفسير المتهم للقرآن لتبرير الجريمة

 

ومن هنا لا تقتصر أهمية مراجعة محتوى المتهم على معرفة الآيات التي تناولها، وإنما تمتد إلى طريقة تفسيره لها والسياق الذي وضعها فيه. فالفارق كبير بين تفسير النص في سياقه القرآني والتفسيري، وبين ربطها بأفكار المتهم ومواقفه. فهل كان يستحضر النص لفهم الواقع، أم يعيد قراءة النص بما يتوافق مع واقع رسمه في ذهنه مسبقًا.

والسؤال الأكثر أهمية هنا ليس فقط: ماذا كان يقرأ؟ وإنما: كيف أثر ما يقرأه في نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين؟.

وهل تكشف تصريحاته ومحتواه السابق عن قناعة دينية تشكلت أولًا ثم قادت إلى السلوك، أم أن القرار اتُخذ أولًا، ثم جرى البحث عن نصوص تمنحه غطاءً دينيًا؟

 

◄ التسلسل الزمني للأدلة

 

الإجابة لا يمكن أن تُبنى على الانطباعات، وإنما على التسلسل الزمني للأدلة: ما نشره قبل الجريمة، وما قاله في محتواه الدعوي، وما ثبت في التحقيقات، وما ورد في أقواله أو اعترافاته، ثم مقارنة ذلك كله بالسياق الصحيح للنصوص التي استند إليها.

وفي هذه المسافة بين العقيدة والتأويل والتبرير، يمكن فهم أحد أخطر جوانب القضية: كيف يمكن لفهم شخصي أو اجتزاء للنص الديني أن يتحول، إذا اقترن بأفكار متطرفة، من مجرد خطاب إلى مبرر لسلوك خطير.

اقرأ أيضا: ياسمين فؤاد: «COP17» يفتح لمصر مسارات جديدة لتمويل مشروعات مواجهة الجفاف

‫0 تعليق