تعرضت أسواق المال العالمية لموجة جديدة من التقلبات، اليوم الثلاثاء، مع تسارع عمليات بيع السندات الحكومية الأمريكية، ما دفع عائد سندات الخزانة لأجل 30 عامًا إلى أعلى مستوى له في نحو عقدين، في ظل تصاعد المخاوف من تداعيات استمرار التوترات في الشرق الأوسط على التضخم وأسعار الطاقة، بالتزامن مع تعرض أسواق الأسهم لضغوط بيعية.
اقرأ أيضا: رئيس الوزراء يتابع مع وزير الري مخطط استعادة شواطئ الإسكندرية -جريدة المال
وقالت رويترز إن استمرار حالة الجمود بين الولايات المتحدة وإيران وتراجع الآمال بشأن إنهاء الصراع في المنطقة سريعًا أعادا التوتر إلى الأسواق، مع ارتفاع أسعار النفط لليوم الثالث على التوالي، وصعود خام برنت إلى أعلى مستوياته منذ أواخر الشهر الماضي، ما عزز المخاوف من انتقال صدمة الطاقة إلى التضخم العالمي.
النفط يعيد مخاطر التضخم إلى الواجهة
أظهرت تحركات الأسواق أن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لا تزال تمثل مصدرًا رئيسيًا للمخاطر بالنسبة للمستثمرين، إذ يمكن لأي تصعيد جديد أن ينعكس سريعًا على أسعار النفط والسندات والعملات والأسهم.
وجاء ذلك بعد فترة من الهدوء النسبي في الأسواق، ساعدت خلالها بيانات اقتصادية أمريكية ضعيفة نسبيًا على تخفيف المخاوف من اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة.
لكن ارتفاع أسعار الطاقة أعاد ملف التضخم إلى دائرة الاهتمام، إذ يخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار اضطرابات الإمدادات أو تصاعد المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية في المنطقة إلى زيادة تكاليف الطاقة والنقل، بما قد يعقد مسار السياسة النقدية الأمريكية.
عائد السندات الأمريكية يتجاوز 5.32%
ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا بمقدار 1.42 نقطة أساس إلى 5.3232%، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف عام 2007 تقريبًا، بينما صعد عائد السندات لأجل 10 سنوات بنحو 0.99 نقطة أساس إلى 4.7339%.
ويمثل ارتفاع عوائد السندات ضغطًا مزدوجًا على الأسواق، إذ يزيد تكلفة الاقتراض الحكومي والشركات والأفراد، وفي الوقت نفسه يجعل أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية مقارنة بالأسهم، ما قد يدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية.
وقال جورج بوري، كبير استراتيجيي الاستثمار في أدوات الدخل الثابت لدى شركة أل سبرينج جلوبال إنفستمنتس، إنه إذا خرجت الأوضاع عن السيطرة وتصاعد الصراع، فقد يصبح من الضروري إجراء تعديل في منتصف دورة السياسة النقدية.
اليابان وأوروبا تواجهان موجة ارتفاع في العوائد
امتدت الضغوط إلى أسواق السندات الحكومية الرئيسية حول العالم، إذ اقترب عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات من مستوى 3%، وهو مستوى لم تشهده منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، بينما استقرت عوائد سندات منطقة اليورو قرب أعلى مستوياتها في عدة سنوات.
ويأتي ارتفاع العوائد العالمية في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن التضخم والعجز المالي واحتياجات الحكومات إلى الاقتراض، ما يرفع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل.
الأسهم العالمية تحت ضغط تكلفة التمويل
انعكست موجة ارتفاع عوائد السندات على أسواق الأسهم، إذ تراجع مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 0.52% إلى 653.01 نقطة.
وفي الولايات المتحدة، انخفضت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 0.50%، بينما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100 بنسبة 1.22%.
كما انخفض مؤشر مورجان ستانلي للأسهم العالمية بنسبة 0.26% إلى 1153.64 نقطة.
ويزيد ارتفاع عوائد السندات من الضغوط على الأسهم، خصوصًا شركات التكنولوجيا والقطاعات كثيفة رأس المال، إذ يؤدي ارتفاع تكلفة التمويل إلى زيادة تكلفة الاستثمارات الضخمة، ومن بينها الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ارتفع مؤشر التقلبات «فيكس»، المعروف باسم مؤشر الخوف في وول ستريت، إلى أعلى مستوى له في أكثر من أسبوع، في إشارة إلى ارتفاع درجة الحذر بين المستثمرين.
اقرأ أيضا: «لوموس» الصينية تراهن على روبوتات المصانع لجذب التمويل -جريدة المال
وكتب محللو شركة جراميرسي لإدارة الصناديق أن استمرار المواجهة دون حل يدعم الإبقاء على أدوات التحوط في مواجهة تجدد تقلبات أسعار النفط والتضخم.
وتشير هذه التحركات إلى أن المستثمرين يعيدون تسعير المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية في آن واحد، مع ارتفاع احتمالات استمرار التقلبات في حال بقيت أسعار الطاقة مرتفعة أو تصاعدت حدة الصراع في الشرق الأوسط.
في الوقت نفسه، يترقب المستثمرون محضر الاجتماع الأخير للجنة السوق المفتوحة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والمقرر صدوره الأربعاء، بحثًا عن إشارات جديدة بشأن اتجاه أسعار الفائدة.
وتراجع احتمال رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى 34.6%، مقارنة بـ48.4% قبل أسبوع، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي».
كما تتركز الأنظار على ندوة جاكسون هول الاقتصادية الأسبوع المقبل، والتي قد توفر مؤشرات إضافية بشأن تقييم صناع السياسة النقدية لأحدث البيانات الاقتصادية ومسار التضخم والفائدة.
وقال جوناس جولترمان، كبير اقتصاديي الأسواق في «كابيتال إيكونوميكس»، إن محضر اجتماعات لجنة السوق المفتوحة أصبح أكثر أهمية في توضيح توازن وجهات النظر داخل البنك المركزي، في ظل انخفاض المعلومات التي توفرها بيانات السياسة النقدية والمؤتمرات الصحفية لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش.
وتشير الصورة الإجمالية إلى أن هدوء الأسواق الذي أعقب تحسن بعض البيانات الاقتصادية الأمريكية بات مهددًا أمام مزيج من المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة وعوائد السندات، فيما يظل مسار السياسة النقدية الأمريكية العامل الأبرز في تحديد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة.
اقرأ أيضا: 3 مليارات جنيه لتمويل استكمال مشروعات عقارية بالساحل الشمالي
