
عمّان- تدفع التطورات المتزامنة في غزة والملف الإيراني المنطقة نحو مرحلة شديدة التعقيد، وسط تراجع فرص التسويات واتساع هامش التصعيد بين الجبهات.
ويحذر خبراء سياسيون وإستراتيجيون، في تصريحات لـ”الغد”، من أن الخطر لا يكمن فقط في تعثر صفقة غزة أو استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، بل في تحول إدارة الصراع إلى بديل عن الحلول السياسية.
اللا سلم واللا حرب
وبناء على تداخل هذه الحسابات، يؤكد الخبير العسكري والإستراتيجي د. نضال أبو زيد أن المنطقة دخلت فعليا في مرحلة “اللا سلم واللا حرب”، في ظل الاستعصاء الدبلوماسي والانسداد في الأفق العسكري، محذرا من أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة توزيع للتصعيد بين الجبهات، بدلا من الوصول إلى تسويات حقيقية.
وأشار إلى أن إسرائيل تتعامل مع الملفات الإقليمية وفق منطق المقايضة، بحيث يمكن أن تشهد جبهات مثل غزة وجنوب لبنان هدوءا مقابل تصعيد على جبهة إيران، أو العكس، معتبرا أن “كلما هدأت جبهة إيران تصاعدت جبهة أخرى”.
ويرى أن إسرائيل قد تلجأ إلى تصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات السياسية والانتخابية، فيما تواجه الإدارة الأميركية بدورها حسابات مرتبطة بالانتخابات النصفية، ما يجعل الطرفين أمام دوافع سياسية قد تؤثر في طبيعة القرارات العسكرية.
وحذر من أن هذه الحسابات قد تدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد مع بداية شهر أيلول (سبتمبر) المقبل، مع احتمال تبريد بعض الجبهات مقابل رفع مستوى الضغط على إيران، معتبرا أن “البوصلة الإسرائيلية ما تزال مؤثرة في اتجاه القرار الأميركي”، وهو ما يزيد المخاوف من استمرار مرحلة “اللا سلم واللا حرب”، بدلا من الانتقال إلى مسار تسويات مستقرة.
ومن ناحيته، يؤكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي أن ملف غزة شهد تحركا كبيرا خلال الأيام الأخيرة، تزامن مع مرونة واضحة من جانب حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في التعامل مع الجهود الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية، معتبرا أن هذا الموقف يحمل بُعدا سياسيا يتجاوز تفاصيل الاتفاق.
وقال إن “حماس” تسعى عبر هذه المرونة إلى “رمي الكرة في الملعب الإسرائيلي”، وإظهار أن العقبة الأساسية أمام التسوية لا تكمن في الجانب الفلسطيني، مشيرا إلى أن الحركة أبدت انفتاحا على بحث نزع السلاح، ومنحت مصر دورا مهما في الوساطة، كما تعاملت بإيجابية مع الدور الأميركي.
ويرى أن هذه المواقف تضع إسرائيل أمام اختبار حقيقي، لكنه يرجح في المقابل أن تحاول الحكومة الإسرائيلية المناورة في بنود الاتفاق ومراحله، وصولا إلى تعطيله، معتبرا أن “إسرائيل ستسهم بدرجة كبيرة في إفشال الاتفاق”، في ظل اعتقادها بأن التسويات الكبرى قد تحد من قدرتها على فرض رؤيتها الأمنية والإستراتيجية في المنطقة.
وأشار إلى أن تعثر مسار غزة لا يمكن فصله عن التطورات في لبنان وسورية والعراق، فيما يرى أن الدور الإيراني المباشر في القضية الفلسطينية وقطاع غزة شهد انحسارا كبيرا، مع بقاء تأثير التطورات الإيرانية حاضرا بصورة غير مباشرة في المشهد الإقليمي.
ويضيف أن المرحلة المقبلة قد تشهد ضغوطا أميركية متزايدة على إسرائيل لدفعها نحو التسوية، لا سيما في ظل حاجة الإدارة الأميركية إلى فترة من الهدوء الإقليمي، معتبرا أن الصراع الحالي لا يدور فقط حول اتفاق غزة، بل حول مستقبل التسويات في المنطقة، وما إذا كانت ستنجح في فتح مسار للاستقرار، أم أن استمرار التعطيل والتوتر سيدفع الإقليم نحو مرحلة أكثر انسدادا وتصعيدا.
تراجع قدرة الوسطاء
وبدوره، يحذر الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة من أن الخطر الأكبر على المنطقة لا يتمثل في تعثر صفقة غزة أو استمرار التوتر بين واشنطن وطهران فقط، وإنما في تراجع قدرة الأطراف والوسطاء على إنتاج تسويات قابلة للحياة، بما قد يدفع الإقليم نحو “إدارة الصراع بلا أفق سياسي”.
وأشار إلى أن عقدة غزة باتت مرتبطة بترتيب خطوات التنفيذ، مع تمسك إسرائيل بنزع سلاح حماس قبل الانسحاب وإعادة الإعمار، مقابل مطالبة الحركة بوقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي أولا، معتبرا أن استمرار هذا الخلاف قد يبقي القطاع في دائرة العنف ويؤخر أي عملية إعمار مستقرة.
أما الملف الإيراني، فيرى الدعجة أنه أكثر خطورة من الناحية الإستراتيجية، لارتباطه بأمن الخليج والملاحة الدولية وأسواق الطاقة والوجود العسكري الأميركي في المنطقة، محذرا من أن استمرار التوتر قد يحول المنطقة إلى “حرب استنزاف متعددة الجبهات”، تشمل الهجمات المتبادلة والملاحة والقواعد والمصالح الإقليمية والدولية.
وينبه إلى أن غياب التسويات يضعف الردع المتبادل، ويدفع الأطراف إلى اختبار حدود بعضها بعضا، بما يزيد احتمالات الحسابات الخاطئة واتساع دائرة التصعيد، مؤكدا أن الأردن سيكون من الدول الأكثر تأثرا بأي توسع للصراع، بحكم ارتباطه بملفات فلسطين وسورية والعراق والخليج.
وأشار إلى أن الخطر الحقيقي يتمثل في تحول غياب التسوية إلى “إستراتيجية بحد ذاتها”، بحيث تنتقل المنطقة من حرب إلى أخرى عبر هدن مؤقتة وانفجارات متكررة، مؤكدا في المقابل أن قنوات الوساطة لم تختفِ بعد، وأن المطلوب هو بناء “سلسلة من التسويات الصغيرة”، تبدأ بوقف إطلاق النار في غزة، وفتح مسار للإعمار، وترتيبات أمنية تدريجية، بالتوازي مع إبقاء قناة تفاوضية بين واشنطن وطهران وضمان أمن الملاحة والطاقة.
اقرأ أيضا: انطلاق أولى جلسات «100 دقيقة مع قائد»
