عمان- تتسع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية في الأردن وحجم التمويل الدولي المتاح، في مؤشر جديد على انحسار المظلة التمويلية التي طالما أسهمت في مساندة المملكة على تحمل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية لاستضافة اللاجئين.
وبحسب أحدث بيانات منصة التتبع المالي (FTS) التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، بلغ إجمالي التمويل الإنساني الموجه إلى الأردن منذ بداية العام الحالي نحو 73.9 مليون دولار، إضافة إلى تعهدات مالية بقيمة 4.7 مليون دولار، في وقت تقدر فيه احتياجات خطة الاستجابة الأردنية لأزمة اللجوء السوري بنحو 2.8 مليار دولار.
ولم يتجاوز التمويل الذي حصلت عليه الخطة فعليا 62.9 مليون دولار، ما أبقى نسبة التغطية عند 2.2 % فقط من إجمالي الاحتياجات المقدرة، وفقا للبيانات الصادرة في 17 آب (أغسطس).
وتكشف مقارنة التمويل الحالي بمستوياته قبل عقد عن حجم التحول في خريطة المساعدات؛ إذ تراجع التمويل الإنساني الموجه للأردن بين عامي 2016 و2026 بنحو 92.11 %، من 936.9 مليون دولار إلى 73.9 مليون دولار.
وتشير البيانات إلى أن نحو 85 % من إجمالي التمويل الإنساني الموجه للمملكة هذا العام خصص لخطة الاستجابة للاجئين السوريين، بقيمة 62.9 مليون دولار، فيما توزع الجزء المتبقي على احتياجات مجتمعات اللاجئين الأخرى، بما فيها الفلسطينية والعراقية والسودانية، إلى جانب المجتمعات المستضيفة.
فجوة تتجاوز التمويل الإنساني
ولا تبدو الفجوة الحالية مجرد نقص مؤقت في التمويل، إذ يرى خبراء أن استمرار هذا الاتجاه يطرح تحديات تتجاوز قدرة المنظمات الإنسانية على تنفيذ برامجها، لتطال قدرة الأردن على مواصلة تحمل الكلف الاقتصادية والاجتماعية والخدمية المرتبطة باستضافة اللاجئين.
وتأتي هذه التطورات في ظل تحولات واسعة في منظومة التمويل الإنساني الدولية، مع انتقال اهتمام المانحين نحو أزمات وحروب ونزوح جديدة، بالتزامن مع طول أمد الأزمة السورية وتزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الدول المانحة نفسها.
وترى مديرة مركز دراسات اللاجئين والنازحين والهجرة القسرية في جامعة اليرموك، ربي العكش، أن التراجع الحاد في التمويل لا يمكن تفسيره فقط بانخفاض الاهتمام بأزمة اللجوء السوري، بل يمثل نتيجة لمجموعة من التحولات في أولويات المانحين ومنظومة التمويل الإنساني الدولية.
وتوضح العكش أن الأزمة السورية أصبحت أزمة ممتدة لأكثر من عقد، في وقت ظهرت فيه أزمات وحروب ونزوح جديدة تنافسها على الموارد المحدودة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجه الدول المانحة.
وتشير إلى أن طول أمد الأزمة لا يعني انتهاء الاحتياجات، إذ تميل الجهات المانحة إلى التعامل مع الأزمات الممتدة باعتبارها أقل إلحاحا من حالات الطوارئ الجديدة، بينما تتحول الاحتياجات الإنسانية بمرور الوقت إلى احتياجات أكثر تعقيدا، تشمل الحماية الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية وفرص العمل والسكن والدعم النفسي.
وتحذر العكش من التعامل مع اللاجئين باعتبارهم كتلة متجانسة، خصوصا أن الأردن يستضيف لاجئين من خلفيات وطنية واجتماعية واقتصادية متعددة، ما يجعل الاحتياجات أكثر تنوعا من أن تقاس بأعداد اللاجئين وحدها.
2.2 % تمويل لا يكفي لتنفيذ خطة بـ2.8 مليار دولار
وترى العكش أن وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة الأردنية لأزمة اللجوء السوري إلى 2.2 % فقط يمثل فجوة تمويلية بنيوية، وليس مجرد نقص مؤقت في الموارد.
وتقول إن انخفاض التمويل لا يؤدي إلى اختفاء الاحتياجات، وإنما يدفع المؤسسات الإنسانية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث تحافظ على الخدمات الأكثر إلحاحا مقابل تقليص أو تعليق برامج أخرى، الأمر الذي قد ينعكس على المساعدات النقدية وخدمات الحماية والتعليم والصحة وسبل العيش.
وفي الوقت ذاته، ترى أن التحولات الأخيرة في سورية وارتفاع أعداد العائدين طوعا تضع أزمة اللجوء أمام مرحلة جديدة، لكنها لا تعني انتهاء الاحتياجات، خصوصا أن غالبية اللاجئين في الأردن يعيشون خارج المخيمات وداخل المجتمعات المستضيفة.
وبالتالي، فإن اتساع الفجوة التمويلية لا ينعكس على اللاجئين وحدهم، وإنما يمتد إلى المجتمعات الأردنية التي تستضيفهم، بما يرفع الضغط على قطاعات التعليم والصحة والمياه والبنية التحتية والحماية الاجتماعية.
من خطة استجابة سنوية
إلى شراكة طويلة الأمد
وتضيف العكش أن استمرار التراجع في التمويل يستدعي إعادة النظر في نموذج التعامل مع أزمة اللجوء، مؤكدة أن التمويل قصير الأجل والمشاريع السنوية لم يعد كافيا لمعالجة أزمة تجاوز عمرها عقدا من الزمن.
وتدعو إلى إعادة تعريف العلاقة بين الأردن والمانحين، بحيث تنتقل من تمويل خطة استجابة سنوية إلى شراكة طويلة الأمد لتقاسم مسؤولية وأعباء اللجوء، بالتوازي مع زيادة التمويل التنموي إلى جانب التمويل الإنساني.
وتشمل الأولويات، بحسب العكش، قطاعات المياه والتعليم والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية وفرص العمل، باعتبار أن الاستثمار فيها لا يخدم اللاجئين وحدهم، وإنما يعزز أيضا قدرة المجتمعات الأردنية على تحمل آثار اللجوء.
التراجع “نكسة إنسانية عالمية” وضغط إضافي على الموازنة
من جهته، وصف المختص في الاقتصاد السياسي، زيان زوانة، التراجع الحاد في التمويل الإنساني الموجه للأردن بأنه “نكسة إنسانية عالمية”، فضلا عن كونه يشكل عبئا إضافيا على الموازنة العامة والموارد الوطنية.
ويربط زوانة هذا التراجع بتغير أولويات الدول المانحة وإعادة ترتيب اهتماماتها الإنسانية، مشيرا إلى أن التطورات الدولية والإقليمية خلال السنوات الماضية، ومنها الحرب في أوكرانيا والتوترات الإقليمية، أسهمت في إعادة توجيه موارد الدعم الإنساني.
كما يشير إلى أن زيادة الإنفاق الدفاعي في الدول الأوروبية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالحرب التجارية والرسوم الجمركية والمنافسة مع الصين، فرضت ضغوطا إضافية على اقتصادات تلك الدول، وأدت إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية، بما فيها المساعدات الإنسانية.
ويرى أن هذه التحولات انعكست على مستوى الدعم الأوروبي والعربي للقضايا الإنسانية المختلفة، ومنها دعم الأردن في تمويل خطة الاستجابة لأزمة اللجوء السوري. وفي السياق ذاته، يشدد زوانة على أهمية إيلاء ملف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) اهتماما خاصا، في ظل ما وصفه بمحاولات إسرائيلية لتقويض دور الوكالة وبرامجها، مؤكدا أهمية مضاعفة الجهود الأردنية لحماية دورها المستند إلى القرارات الدولية.
تراجع الاهتمام الدولي لا يعني انتهاء أزمة اللجوء
بدوره، يؤكد الخبير الاقتصادي، مفلح عقل، وجود تراجع ملموس في اهتمام المجتمع الدولي بقضية اللاجئين في المنطقة، ولا سيما أزمة اللجوء السوري، في أعقاب التغيرات السياسية والأمنية التي شهدتها سورية وتوقف الصراع الأهلي. ويرى عقل أن تقلص التمويل الإنساني الموجه إلى المملكة يفرض ضغوطا كبيرة على البنية التحتية والخدمات والموارد المحلية، وقد يدفع الحكومة إلى تحمل جزء أكبر من هذه الكلف من الخزينة العامة، فضلا عن انعكاسات اقتصادية ومعيشية على اللاجئين يمكن أن تمتد آثارها إلى الأسواق المحلية.
ويشير إلى أن مغادرة أعداد من اللاجئين السوريين الأردن خلال الأشهر الأخيرة، بعد تحسن بعض عوامل الاستقرار في بلدهم، لا تعني انتهاء الأزمة، في ظل استمرار وجود أعداد كبيرة من اللاجئين داخل المملكة وتعقيد الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في سورية.
ويؤكد عقل أن أزمة اللجوء السوري ستظل من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني ما لم تتغير الظروف التي تحول دون عودة أعداد أكبر من اللاجئين، داعيا الحكومة والجهات المعنية إلى مضاعفة جهودها في التواصل مع المجتمع الدولي وحثه على الوفاء بتعهداته تجاه الأردن.
وتضع أرقام التمويل الحالية الأردن أمام اختبار جديد في إدارة ملف اللجوء، في وقت تتراجع فيه المساعدات الإنسانية بينما لا تزال كلفة الاستضافة حاضرة في قطاعات الخدمات والبنية التحتية والحماية الاجتماعية.
وبينما قد تعكس التحولات في سورية بداية مسار جديد لأزمة اللجوء، فإن انخفاض التمويل بوتيرة حادة قبل اكتمال شروط العودة المستدامة يفرض على الأردن والمانحين البحث عن نموذج أكثر استدامة، لا يقوم فقط على سد فجوات التمويل الإنساني الطارئ، بل يربط بين الاستجابة الإنسانية والتمويل التنموي وتقاسم الأعباء.
اقرأ أيضا: مشاريع الطاقة.. فرصة صناعية لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليص فاتور…

اقرأ أيضا: غزة .. الدفاع المدني ينتشل جثامين 11 شهيداً من تحت أنقاض منزل
وفي المحصلة، فإن استمرار تمويل خطة احتياجاتها المقدرة بنحو 2.8 مليار دولار بنسبة لا تتجاوز 2.2 %، بالتزامن مع انخفاض التمويل الإنساني للمملكة بأكثر من 92 % خلال عقد، لا يمثل تحديا للمنظمات الإنسانية وحدها، بل يضع كلفة متزايدة أمام الاقتصاد الوطني، ويجعل إعادة صياغة العلاقة التمويلية بين الأردن والمجتمع الدولي أكثر إلحاحا.
اقرأ أيضا: وزيرا خارجية السعودية وقطر يؤكدان توحيد المواقف وخفض التصعيد وحماية الملاحة بالمنطقة
