اليهود البولنديون في جيش أندرس.. الطريق إلى فلسطين والنكبة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

  • اليهود البولنديون في جيش أندرس وطريقهم إلى فلسطين

عندما نتحدث عن جيش أندرس، تتبادر إلى أذهاننا صور الأبطال من معركة مونتي كاسينو، الجنود الذين مروا عبر سيبيريا، الذين خرجوا من أرض لا إنسانية ليخوضوا المعركة ضد ألمانيا النازية. وهذا صحيح، حقيقة مهمة ينبغي أن تكون مصدر فخر لكل بولندي. لكن هذه ليست الحقيقة كاملة؛ لأنه كان بين هؤلاء الجنود، وهم يرتدون الزي البولندي، يهود، مواطنون من بولندا ما قبل الحرب، عانوا مع غيرهم في المعسكرات، وتجمدوا وتضوروا جوعا معا، وآمنوا معا بأن جيش الجنرال أندرس هو فرصتهم للحرية.

فقط أن الحرية بالنسبة لهم كانت تعني شيئا آخر غير ما يعنيه لمعظم رفاقهم في السلاح. بالنسبة لهم، كانت بولندا مجرد محطة في الطريق إلى الهدف، وكان ذلك الهدف هو فلسطين، ليس كأرض مقدسة بالمعنى الديني، بل كأرض يجب السيطرة عليها، كمكان سيبدأ فيه تنفيذ المشروع الصهيوني.

وفقا لبيانات متحف بولين، فر من الجيش البولندي في الشرق حوالي ثلاثة آلاف جندي يهودي بين عامي 1943-1944. ليس كلهم طبعا؛ بعضهم بقي في الجيش وقاتل إلى جانب البولنديين في إيطاليا، وبعضهم قتل، وبعضهم عاد إلى بولندا. لكن كثيرين اختاروا فلسطين. اختاروها ليس لأنها كانت مقدسة بالنسبة لهم، ولكن لأنهم رأوا فيها قاعدة عملياتية للمشروع الصهيوني. كان الهدف بناء دولة يهودية على حساب الناس الذين عاشوا هناك لقرون. وهذا الاختيار كانت له عواقب وخيمة على الفلسطينيين، وعلى الشرق الأوسط بأكمله، ولكن أيضا علينا نحن البولنديين؛ لأن هذا التاريخ يتشابك مع تاريخنا الخاص.

لم يكتف بعدم إدانة هذه الجريمة، بل افتخر بها. قال علنا إن مذبحة دير ياسين زرعت الذعر بين الفلسطينيين، وإن هذا كان الهدف؛ تسريع فرارهم، وتطهير الأرض من السكان الأصليين

كان من بين هؤلاء الجنود مناحم بيغن. مجرم حرب. رجل ولد في بريست، مدينة كانت بولندية حينذاك. درس القانون في جامعة وارسو، ونشط في حركة بيتار الصهيونية، وتعاون مع الجيش البولندي. اعتقلته المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية، وحكم عليه بثماني سنوات في معسكرات العمل، ونفي إلى سيبيريا. عندما خرج وانضم إلى جيش أندرس، لم يكن مختلفا عن غيره من الجنود البولنديين. الزي العسكري، المشقة، الأمل.

وصل مع الجيش إلى فلسطين. وهناك، مثل كثيرين غيره، اتخذ قرارا غير حياته كلها. فر من الجيش. بقي في فلسطين وتولى قيادة منظمة إرغون، المنظمة اليهودية الإرهابية، التي كانت تقاتل البريطانيين، ولكن قبل كل شيء، كانت تقوم بتطهير عرقي ضد السكان الفلسطينيين.

لأنه يجب أن يقال بوضوح: إرغون، التي كان بيغن يقودها، لم تكن منظمة تحررية بأي معنى نبيل. كانت الذراع المسلحة للصهيونية التصحيحية، التي كانت تعلن صراحة أن فلسطين كلها، بل والأراضي الواقعة شرق الأردن، يجب أن تكون لليهود. وبما أن الأرض كانت مأهولة بالفلسطينيين، كان لا بد من إزالتهم من هناك. ولم يكن لدى بيغن أي تردد في استخدام الإرهاب، وقتل المدنيين، وتفجير المباني، وإرهاب مجتمعات بأكملها. كانت هذه إستراتيجية واعية ومدروسة.

وهنا نصل إلى مسألة غير مريحة، لكن يجب التحدث عنها بصوت عال. في 9 أبريل/نيسان 1948، قبل إعلان استقلال إسرائيل، هاجمت وحدات من إرغون وليحي قرية دير ياسين الفلسطينية. هاجموا ليس وحدات عسكرية، ولا ثكنات بريطانية، بل قرية يسكنها أناس عاديون؛ فلاحون، نساء، أطفال، شيوخ. وفقا لمصادر مختلفة، قتل هناك ما بين 250-360 فلسطينيا، بطرق وحشية، بعد تعذيب. اغتصبت النساء، وقتل الأطفال أمام أعين آبائهم، وذبح الناس في منازلهم. القرية، التي كان لها اتفاق عدم اعتداء مع المستوطنات اليهودية المجاورة، سويت بالأرض.

وكان بيغن، كزعيم لإرغون، مسؤولا عن ذلك. ولم يكتف بعدم إدانة هذه الجريمة، بل افتخر بها. قال علنا إن مذبحة دير ياسين زرعت الذعر بين الفلسطينيين، وإن هذا كان الهدف؛ تسريع فرارهم، وتطهير الأرض من السكان الأصليين، لإفساح المجال للمستوطنين اليهود الذين يتم جلبهم من جميع أنحاء العالم.

في فلسطين بالضبط، حيث وصل مرتديا الزي البولندي، بدأ في تنفيذ خططه الإجرامية. هناك أسس إرغون. هناك قاد الهجمات على المدنيين

دير ياسين لم تكن حادثة معزولة. كانت منهجا. كانت بداية ما يسميه الفلسطينيون النكبة. في غضون أشهر قليلة من عام 1948، طرد حوالي 750 ألف فلسطيني من منازلهم. دمرت قراهم، واستولي على أراضيهم، واحتلت مدنهم من قبل المهاجرين اليهود. لم تكن هذه حربا بالمعنى الكلاسيكي؛ كانت تطهيرا عرقيا، نفذ بشكل منهجي وبدون رحمة. وكان بيغن أحد مهندسيها.

اقرأ أيضا: مساعدة ترامب الشقراء تشغل واشنطن.. ناتالي هارب تتصدر الترند

والآن أسأل نفسي: هل يحق لنا كبولنديين ألا نتحدث عن هذا؟ فبيغن كان مواطنا لنا، درس في وارسو، وارتدى الزي البولندي، وكان جزءا من جيش أندرس. اليوم في إسرائيل يعتبر بطلا، وفي بولندا كثيرا ما يتحدث عنه بحنين: “اليهودي البولندي الذي أصبح رئيس وزراء إسرائيل”. ولكن هل يتحدث أحد عن دير ياسين؟ هل يتحدث أحد عن أن بيغن كان إرهابيا، وأنه قاد منظمة قتلت مدنيين، وأن يديه ملطختان بدماء أبرياء؟ هل يتحدث أحد عن النكبة، الكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني، وعن الناس الذين فقدوا كل شيء لأن المشروع الصهيوني كان بحاجة إلى أرضهم؟

لأن هذا هو ما كان الأمر كله يدور حوله؛ ليس نوعا من الحنين الروحي لصهيون، بل الأرض. السيطرة على الإقليم. طرد شعب لإحضار آخرين. تنفيذ مشروع سياسي لم يأخذ بعين الاعتبار حقوق الناس الذين عاشوا هناك لأجيال. وبيغن، الجندي السابق في جيش أندرس، والسجين السابق في معسكرات العمل السوفييتية، والمواطن البولندي السابق، أصبح أحد المنفذين الرئيسيين لهذا المشروع.

في فلسطين بالضبط، حيث وصل مرتديا الزي البولندي، بدأ في تنفيذ خططه الإجرامية. هناك أسس إرغون. هناك قاد الهجمات على المدنيين. هناك ساهم في طرد مئات الآلاف من الناس.

بالنسبة للفلسطينيين، لم يكن عام 1948 عام انتصار. بالنسبة لهم، كان عام كارثة، عام فقدوا فيه كل شيء

لا أريد أن يكون هذا المقال اتهاما ضد البولنديين؛ فنحن لا نتحمل مسؤولية أفعال بيغن. لكني أريد أن نعرف، نحن البولنديين، القصة كاملة، وليس فقط الجزء الجميل منها. لأن تاريخ جيش أندرس ليس فقط مونتي كاسينو. إنه أيضا أولئك الجنود الذين فروا، الذين ساروا في طريقهم الخاص، الذين أصبحوا جزءا من مشروع إجرامي. إنه أيضا مناحم بيغن، الذي تحول من جندي بولندي إلى إرهابي، ثم إلى رئيس وزراء إسرائيل.

ولا يوجد في سيرته الذاتية أي شيء يستحق الحنين. هناك بدلا من ذلك دماء أبرياء، وهناك معاناة المشردين، وهناك جريمة.

بالنسبة للفلسطينيين، لم يكن عام 1948 عام انتصار. بالنسبة لهم، كان عام كارثة، عام فقدوا فيه كل شيء. وحقيقة أن من بين الذين ساهموا في مأساتهم يهودا بولنديين، وأن أحد قادتهم كان رجلا درس في جامعة وارسو وارتدى الزي البولندي، هي حقيقة لا ينبغي أن نغض الطرف عنها.

هذا ليس تاريخا يمكننا أن نفخر به. هذا تاريخ يجب أن يلزمنا بقول الحقيقة، حتى لو كانت غير مريحة. بيغن كان مجرما. لا يمكن تسمية ذلك بأي اسم آخر. وواجبنا أن نتذكر ذلك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: تعرف على أجندة زيارة الملك إلى الصين

‫0 تعليق