الدارك ويب وسلاح الجريمة.. أسرار الحلقة الخفية في مأساة 15 مايو

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

رحلة طويلة من الأفكار والتبريرات والإعداد النفسي، كانت كفيلة بتغييب عقل وفكر، مرتكب “مذبحة 15 مايو” المروعة، قادته إلى تحويل خلافات وصراعات إلى مأساة دامية.

اقرأ أيضا: شريف منير يروج لحفله مع «نوستالجيا» في مهرجان القلعة الليلة -جريدة المال

خطورة المشهد، تزداد مع لجوء المتهم إلى “الدارك ويب” للوصول إلى السلاح، بما يكشف كيف يمكن أن تلتقي الأفكار المتطرفة مع أدوات التكنولوجيا الحديثة لتوفير وسائل تنفيذ الجريمة.

 

– التأويلات الدينية المغلوطة

 

بداية الفكرة التي تتكون داخل العقل، والتأويلات الدينية المغلوطة، التي قد تمنح العنف غطاءً، ثم البحث عن وسيلة التنفيذ، تتكون سلسلة متدرجة تنقل الجريمة من مجرد تصور إلى خطة قابلة للتنفيذ.

وهنا لا يصبح “الدارك ويب” سببًا للجريمة، بقدر ما يمثل، في بعض الحالات، مساحة يمكن استغلالها للوصول إلى أدوات غير مشروعة بعيدًا عن أعين الرقابة التقليدية.

مأساة 15 مايو، تفتح بابًا أوسع لإدراك خطورة الجريمة الحديثة، التي لم تعد حدودها تتوقف عند الشارع أو مسرح الواقعة، بل قد تبدأ خيوطها في العالم الرقمي، حيث تتشابك الأفكار المنحرفة مع الأسواق الإجرامية والوسائل الخفية.

 

– من الفكرة إلى التخطيط والتنفيذ

 

تفكيك هذه الجريمة، يتطلب النظر إلى ما وراء لحظة التنفيذ، والبحث في الطريق الذي قاد صاحب الفكرة من التبرير إلى التخطيط، ومن التخطيط إلى السلاح، حتى أصبحت المأساة واقعًا.

جريمة 15 مايو، قاسية ومرعبة بكل ما تحلمه الكلمة من معنى، أيضاً غريبة على الشارع المصري، ليس فقط لبشاعة تفاصيلها، وإنما لما أحاط بها من تخطيط وطريقة تنفيذ، ولما كشفته من جمود قلب منفذها وانتزاع الرحمة من داخله، حتى بدا وكأنه لا يرتكب جريمة، بل ينفذ ما يعتقد أنه “حق” مشروع.

الجريمة البشعة، تطرح تسؤلات عديدة: كيف يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من القسوة؟ وكيف تتحول الأفكار المنحرفة والتأويلات المغلوطة للنصوص الدينية إلى مبرر لسفك الدماء؟ وهل تبدأ الجريمة لحظة تنفيذها، أم مبرر لسفك الدماء؟ وهل تبدأ الجريمة لحظة تنفيذها، أم أن جذورها تتشكل قبل ذلك بكثير، داخل عقل يتدرج في تبرير العنف حتى يصبح القتل في نظر صاحبه فعلًا مستحقًا؟

 

– ماذا حدث في مذبحة 15 مايو؟

 

مدينة 15 مايو الهادئة بطبيعتها، كانت على موعد جريمة بشعة، حولت الهدوء إلى ضجيج ورعب وصراخ، عندما أقدم “مهندس” على قتل ابنته وثلاثة من أقارب طليقته، في واقعة أثارت صدمة واسعة، قبل أن تكشف التحقيقات تباعًا عن تفاصيل تتعلق بدوافع الجريمة وخلفية المتهم وطريقة الإعداد لها.

ولم تتوقف القضية عند لحظة وقوع الجريمة، إذ بدأت التحقيقات في تتبع ما سبقها من خطوات، وصولًا إلى الطريقة التي حصل بها المتهم على السلاح المستخدم في تنفيذها، وما إذا كان قد لجأ إلى الدارك ويب لتوفير أداة الجريمة.

وبين دافع الجريمة، وخلفية المتهم الفكرية، ومصدر السلاح، وطريقة الإعداد والتنفيذ، تتشكل خريطة أكثر تعقيدًا من مجرد واقعة قتل أسرية، فالجريمة لا تحتاج إلى دافع فقط، وإنما تحتاج في كثير من الحالات إلى أدوات ووسائل وخطوات تسبق لحظة التنفيذ.

 

– الوصول لسلاح الجريمة بطريقة غير متوقعة  

 

في مذبحة 15 مايو، تبرز واحدة من أخطر حلقات هذا المسار في الحديث عن وصول المتهم إلى السلاح عبر الدارك ويب؛ ذلك الجزء الخفي من عالم الإنترنت الذي ارتبط خلال السنوات الأخيرة بالأسواق غير المشروعة وتداول سلع وخدمات محظورة بعيدًا عن المنصات الإلكترونية التقليدية.

وهنا، لا يعود السؤال متعلقًا بالسلاح الذي استخدم في الجريمة فقط، وإنما بكيفية الوصول إليه، والبيئة الرقميّة التي أتاحت للمتهم – بحسب ما تكشفه التحقيقات- البحث عن وسيلة تنفيذ جريمته بعيدًا عن المسارات المعتادة.

 

– الدارك ويب.. عندما يتحول الإنترنت إلى سوق خارج القانون 

 

الدارك ويب، ليس هو الإنترنت الذي يستخدمه الناس يوميًا، كما أنه ليس مرادفًا لكل المحتوى غير المفهرس على شبكة الإنترنت، إنه جزء من الشبكة العنكبوتية لا يمكن الوصول إلى كثير من خدماته من خلال محركات البحث التقليدية، ويعتمد على تقنيات صُممت في الأساس لتوفير قدر أكبر من الخصوصية وإخفاء هوية المستخدم ومواقع الخدمة.

وهذه الخصائص لها استخدامات مشروعة في بعض السياقات، لكنها في الوقت نفسه جعلت بعض أجزاء الدارك ويب بيئة تستغلها شبكات إجرامية في أنشطة غير قانونية، من بينها الاتجار بالمخدرات والبيانات المسروقة والأسلحة وغيرها من السلع المحظورة.

 

– من البحث إلى السلاح.. كيف تحوك المتهم؟

هنا تبدأ التفاصيل الخاصة بالقضية وبحسب بما يثبت في التحقيقات، يتم تتبع الخطوات التي سبقت حصول المتهم على السلاح: متى بدأ البحث؟ كيف وصل إلى مصدر السلاح؟وكيف تمت عملية الحصول عليه؟

‏هذه التفاصيل ليست هامشية؛ لأنها تكشف ما إذا كان امتلاك السلاح نتيجة قرار عابر، أم جزءًا من عملية إعداد مسبقة للجريمة.

والفارق بين الحالتين كبير، فكل خطوة موثقة سبقت التنفيذ يمكن أن تساعد في الإجابة عن سؤال أساسي: متى انتقل المتهم من مرحلة التفكير إلى مرحلة الإعداد؟

 

– ‏الدرك ويب.. أداء لا تصنع الجريمة

ورغم خطورة استغلال الـdark Web في الأنشطة الاجرامية، فإن تحمل التكنولوجيا وحدها مسؤولية الجريمة سيكون تبسيط مخلًا. ‏فالدارك ويب لا يصنع الدافع الإجرامي، وإنما يمكن أن يوفر في بعض الحالات بيئة تسهل الوصول إلى أدوات غير قانونية.

‏وفي حالة مذبحة 15 مايو، تكمن أهمية هذه النقطة في وضع المسار الرقمي بجوار المسار الفكري: ‏”فكرة تتشكل.. تأويل ديني.. تبرير.. قرار بالتنفيذ.. ثم البحث عن الأداة”.

‏ومن هنا يصبح الدارك ويب جزءا من سلسلة أكبر، لا بداية الجريمة ولا سببها الوحيد.

 

– ‏عندما يصبح الوصول إلى أداة الجريمة جزءًا من الخطة

 

اقرأ أيضا: توقيع عقد مشروع «تكنوبوند» المصرى السعودى لإنتاج ألواح الكلادينج ورولات الألومنيوم

تكشف هذه الجريمة البشعة، عن مشكلة تتجاوز حدود المتهم نفسه: كيف يمكن لشخص يسعى إلى ارتكاب جريمة أن يحاول الوصول إلى أدواتها عبر عالم رقمي لا يظهر في واجهة الإنترنت التقليدية؟

‏وهنا تبرز أهمية مواجهة الأسواق الاجرامية الرقمية، وتعقب الأموال والمعاملات والهوية الرقمية للمستخدمين، وتعزيز قدرات أجهزة إنفاذ القانون على رصد النشاط غير المشروع في هذه المساحات.

‏فإذا كانت الجريمة قد بدأت بفكرة، فإن الوصول إلى السلاح يمثل نقطة تحول تنقلها من التصور إلى الاستعداد للتنفيذ.

 

– معاينة مسرح الجريمة واستجواب المتهم

 

وبمتابعة سير تحقيقات النيابة العامة، تفجرت القضية بورود إخطار بوقوع حادث إطلاق أعيرة نارية، داخل إحدى الشقق السكنية بدائرة قسم شرطة 15 مايو، أسفر عن وفاة أربعة أشخاص وإصابة آخر، وتمكن الأهالي من ضبط المتهم وتسليمه إلى الشرطة.

بدورها، باشرت النيابة العامة تحقيقاتها، حيث انتقلت إلى مسرح الواقعة وعاينته، وضبطت السلاح الناري المستخدم في ارتكابها، وكمية من الذخائر وفوارغ الطلقات.

وباستجواب المتهم، أقر بارتكاب الواقعة إثر خلافات أسرية بينه وبين مطلقته؛ إذ حدد موعدًا للقاء المجني عليهم بمنزل أحدهم بدعوى تسوية تلك الخلافات، وتوجه إلى محل الواقعة حاملًا السلاح الناري وكمية من الذخائر، ثم أطلق صوبهم أعيرة نارية قاصدًا قتلهم. كما أجرى المتهم محاكاة تصويرية لكيفية ارتكابه الواقعة.

 

– محادثة تكشف تخطيط المتهم لتنفيذ الجريمة

 

وقد جاء اعتراف المتهم متفقًا مع سائر ما أسفرت عنه التحقيقات؛ إذ استمعت النيابة العامة إلى أقوال المجني عليه -ابن المتهم- وكذا شهود الواقعة، ومن بينهم ستة كانوا حاضرين بمحلها، فأكدوا ارتكاب المتهم للجريمة على النحو الذي أقر به. كما قدمت إحدى الشاهدات تسجيلًا صوتيًا تضمن الحوار الذي دار بين المتهم والمجني عليهم قبيل إطلاق الأعيرة النارية.

واطلعت النيابة العامة كذلك على المحادثات النصية المتبادلة بين المتهم وابنه، والتي تبين منها سعي المتهم إلى تدبير لقاء يجمعه بالمجني عليهم بزعم إنهاء الخلافات القائمة بينه وبين مطلقته، وقد أقر المتهم بصحة تلك المحادثات.

وثبت بتقرير مصلحة الطب الشرعي، أن الإصابات النارية بالمجني عليهم حدثت باستخدام السلاح الناري المضبوط بحوزة المتهم، كما أكد تقرير الإدارة العامة لتحقيق الأدلة الجنائية وجود آثار لإطلاق مقذوفات نارية بمسرح الجريمة. وعلى ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهم إلى المحاكمة الجنائية.

 

– المتهم أمام الجنايات

 

وعقب انتهاء التحقيقات، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهم إلى المحاكمة الجنائية؛ لاتهامه بقتل ابنته وثلاثة من أهلية مطلقته عمدًا مع سبق الإصرار، والشروع في قتل ابنه، وإحراز أسلحة نارية وبيضاء وذخائر بغير ترخيص.

اقرأ أيضا: منى الشاذلي تحسم الجدل حول استضافة محمد رمضان: صور مفبركة بالذكاء الاصطناعي

‫0 تعليق