
قالت سيلين ديون، في مقابلة تلفزيونية تحدثت
فيها عن فترة مرضها، إنها حين أدركت تردّي حالتها الصحية نتيجة إصابتها بمتلازمة
الشخص المتيبّس، اختارت الابتعاد عن الفن وإلغاء حفلاتها واللاّفت في تصريحها
آنذاك أنها قالت، ما معناه: “الجمهور يدفع ثمنا باهظا لحضور حفلة من حفلاتي،
وواجبي إذن أن أقدّم له حفلا جيّدا وحين لاحظت أني لم أعد قادرة على ذلك
ابتعدت.” لقد اختارت الابتعاد إلى أن
تصبح العودة ممكنة بشروط فنية وصحية أفضل، وهو ما حصل فعلا حين عادت إلى المسرح في
افتتاح أولمبياد باريس 2024.
اقرأ أيضا: “جنة الأثرياء” تهتز.. موجة سطو منظم تستهدف قصور جنيف وضواحيها
وفي نفس السّياق، عبّر صابر الرباعي مؤخّرا عن
رغبته في إنهاء مسيرته قبل أن يصل إلى مرحلة لن يكون فيها قادرا على الاستجابة
فنيّا لانتظارات الجمهور منه. ولم يكن صابر يتحدث عن اعتزال قريب، بقدر ما كان
يتحدث عن حق الفنان في أن يختار توقيت إنهاء مسيرته قبل أن يختاره عنه تراجع
قدراته.
لكن لماذا لا نتعامل بالطريقة نفسها مع بعض
رموز الغناء العربي؟
فرض هذا السؤال نفسه ونحن نتابع حفل ميادة
الحناوي في مهرجان قرطاج الدولي. فقد عادت صاحبة “أنا بعشقك”
و”الحب اللي كان” إلى المسرح الأثري لتلتقي جمهورا حمّالا لذاكرة
نجاحاتها الكبرى ومسيرتها الفنية الثريّة، لتكتفي هي بطلّتها الجميلة وتحيّة
دافئة، حضر فيهما الجمال المشرقي وغاب الصوت. وشعرنا حينها وكأنها ليست المرة
الأولى التي نحضر فيها حفلا بهذه المقاييس وفي المهرجان نفسه. سبق أن عشنا مشهدا
مشابها قبل سبعة عشر عاما، لكن الفنانة يومها كانت الراحلة وردة الجزائرية.
ميادة الحناوي ليست مطالبة بالغناء في السادسة والستين كما كانت تغني في الثلاثين. المطلوب فقط من الفنان وعيه بحدود صوته في المرحلة الجديدة من مساره الفني أي ما الذي يستطيع تقديمه الآن؟ وكيف يمكن أن يغيّر اختياراته الغنائية بما يتناسب مع ذلك؟
كان الجمهور يريد وردة التي يعرفها.. الصوت
القوي والجملة الطربية والحضور الذي جعل منها واحدة من أهم مطربات القرن العشرين.
لكن الحفل لم يكن في مستوى تلك الصورة التي حملها الجمهور معه إلى قرطاج.
ولم يكن ذلك انتقاصا من قيمة وردة، ولا يمكن
أن تختزل مسيرة فنانة بحجمها في حفلة واحدة. لكنها كانت لحظة فرضت سؤالا واحدا:
ماذا يحدث حين يصبح اسم الفنان أكبر من قدرته على تقديم ما ينتظره الجمهور؟
ماذا لو لم تغنّي في تلك الحفلة؟
ربما كانت ستبقى في ذاكرة جمهورها بالصورة
التي أحبّها: فنانة يقترن اسمها بمرحلة كاملة من تاريخ الأغنية العربية. يعتبر
البعض أن الغناء بعد مسيرة طويلة، حتى مع تراجع الصوت، هو في حد ذاته تكريم
للفنان. لكن التكريم لا يعني بالضرورة أن
نضعه أمام ميكروفون ونطالبه بصوته القديم.يمكن تكريم الفنان بفيلم وثائقي أو
برنامج تلفزيوني أو كتاب أو احتفاء بتجربته وأرشيفه. أما الحفل الغنائي فله شرط
آخر: أن يكون الفنان قادرا على الغناء أمام جمهور دفع سعرا باهظا لتحصيل تذكرة
الحفل من أجل أن يطرب لا من اجل فقط صورة
قديمة منه، على حدّ الفكرة التي عبّرت عنها سيلين ديون.
ولا تتعلق المسألة بالفنان وحده بل أيضا
بمنظمي المهرجانات الذين يدركون محدودية الميزانيات المخصصة لها، ومع ذلك قد
يوجهون جزءا منها لبرمجة أسماء كبيرة فقط لإشباع حنين الجمهور إلى الماضي ـ وقد
يكون حنينهم أيضا ـ . وهنا تتحول النوستالجيا من رغبة مشروعة في إحياء الذاكرة إلى
عبء على ميزانية المهرجان وعلى الجمهور الذي يدفع ثمن التذكرة بل وعلى الفنان نفسه
حين يجد نفسه في مواجهة الصورة التي يتمثلها الجمهور عنه والتي لم يعد قادرا على
ضمانها.
ليست مسألة عمر..
قد يبدو للبعض أن المسألة، أساسا، مسألة
تقدّم في السن. لكن العمر وحده لا يحدد قدرة الفنان على الغناء من عدمها. فثمة
عوامل أخرى تتصل بالصحة والتدريب وطريقة استخدام الصوت ومدى قدرة الفنان على
التكيّف مع التحولات في مسيرته. ويكفي أن نستحضر تجربة شارل أزنافور، فقد غنّى على
مسرح قرطاج سنة 2009 وهو في الخامسة والثمانين وقدم 23 أغنية في نحو 95 دقيقة من
دون توقّف وأصرّ على الغناء دون تقنية بلاي باك. وبعد ذلك بسنوات، ظل يصعد إلى
المسرح ويغني حتى بلغ التسعينيات من عمره.
والسرّ، ربما، في وعي أزنافور بتغير
إمكاناته الصوتيّة، وبالتالي في قدرته على التكيّف مع هذه التحولات. فقد تحدث في
سنواته الأخيرة عن تمارين يومية للحفاظ على لياقته، وظل حريصا على مواصلة هذه التمارين والتدريبات والأهم أنه لم يتعامل مع
صوته في الثمانينيات والتسعينيات كما لو أنه الصوت نفسه في بداياته. لقد تكيّف مع إمكانياته الجديدة واختار ما يتناسب
معها.
ميادة الحناوي ليست مطالبة بالغناء في
السادسة والستين كما كانت تغني في الثلاثين. المطلوب فقط من الفنان وعيه بحدود
صوته في المرحلة الجديدة من مساره الفني أي ما الذي يستطيع تقديمه الآن؟ وكيف يمكن
أن يغيّر اختياراته الغنائية بما يتناسب مع ذلك؟
فالصوت نفسه يتغير وطريقة التنفس تتغير
والقدرة على تحمّل الجمل الطويلة والطبقات قد تتراجع. والفنان الذي كان يستطيع أن
يضع صوته في أقصى طاقته في مرحلة عمرية معينة قد يحتاج لاحقا إلى اختيار ألحان
وطبقات مختلفة. وهذا لا ينتقص من الفنان بل يمكن أن يكون جزءا من نضجه الفني .
حين تصبح النوستالجيا سلطة “فوق”
الفن
قد يكون الإشكال أيضا مرتبطا بثقافتنا
العربية. فنحن لا نحب الفنان فقط، بل نحب الصورة أو الحالة التي تضعنا فيها
ممارسته الفنية. نضع بعض الفنانين في إطار “الزمن الجميل” ثم نريد منهم
أن يظلوا داخله إلى الأبد. نصنع من الأسماء الكبيرة رموزا لا يجوز الاقتراب منها
بالنقد، ونخلط بين احترام التاريخ الفني وبين التعامل مع الفنان وكأنه تمثال محنّط
داخل نجاحاته القديمة.
اقرأ أيضا: ارتفاع طفيف في عبور السفن من مضيق هرمز مقارنة بمطلع الأسبوع
ما حدث مع ميادة في قرطاج أعاد إلى ذاكرتي وردة، لا لأن التجربتين متطابقتان، ولا لأن العمر وحده يفسر ما حدث، وإنما لأن الحالتين تطرحان السؤال نفسه: هل نكرّم الفنان حين نعيده إلى المسرح مهما كانت حالته، أم حين نترك له حق اختيار اللحظة التي ينسحب فيها من الأضواء؟
ولهذا يصبح أي حديث عن تراجع الصوت بمثابة
إساءة إلى الفنان، بينما قد يكون العكس هو الصحيح. فقد يكون احترام الفنان أحيانا
في احترام نهاية مسيرته الفنية، وتكريمه في عدم إجباره على العودة إلى الأضواء حين
لا يقدر على تحمّل شروطها.
ما حدث مع ميادة في قرطاج أعاد إلى ذاكرتي
وردة، لا لأن التجربتين متطابقتان، ولا لأن العمر وحده يفسر ما حدث، وإنما لأن
الحالتين تطرحان السؤال نفسه: هل نكرّم الفنان حين نعيده إلى المسرح مهما كانت
حالته، أم حين نترك له حق اختيار اللحظة التي ينسحب فيها من الأضواء؟
كان يمكن أن أكتب عن ميادة غزلا يعكس
انبهارا وكان يمكن أن أفعل ذلك بسهولة.
لكن الصحافة الثقافية ليست دفتر ذكريات.
وإذا كان جمهور ميادة قد جاء إلى قرطاج
للاستمتاع بصوتها فمن حقه أيضا أن يتساءل عن الفارق بين ما دفع ثمنه وما حصل عليه.
ومن حق الفنانة، في المقابل، ألا يتحوّل اسمها الكبير إلى مجرد أداة لبيع التذاكر.
ربما آن الأوان لإعادة التفكير في معنى
تكريم النجوم الكبار. فليس كل حضور تكريما ، وليس كل غياب نسيانا. أحيانا يكون
أجمل ما يفعله الفنان بتاريخه أن يعرف متى يترك المسرح، وأجمل ما يفعله الجمهور
بفنانه المفضّل أن يسمح له بالانسحاب في الوقت المناسب.
فالإبداع ليس حضورا دائما، والنجومية لا
تعني استمرار الفنان على الخشبة مهما تغيّرت ظروفه الصحية والجسدية. أحيانا يكون
الاعتزال شكلا من أشكال احترام الجمهور واحترام الفنان لنفسه واحترام القيمة التي
راكمها طوال مسيرته.
اقرأ أيضا: روسيا.. ابتكار شبكة عصبية لتشخيص الاكتئاب
