متلازمة “الرغيف والبارود”: هل يشي استنزاف الأساطيل بنهاية “الباكس أمريكانا”؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في أواخر القرن الثاني
الميلادي، كانت الإمبراطورية الرومانية تواجه واحدة من أكثر مراحلها العسكرية إنهاكاً.
فقد امتدت حروب ماركوس أوريليوس على جبهات بعيدة، وأصبحت المحافظة على الجيوش وطرق
الإمداد والقدرة على تمويل الحرب جزءاً من المعركة نفسها. لم تكن المشكلة دائماً في
قدرة روما على خوض الحرب، وإنما في كلفة إبقاء آلة الحرب تعمل زمناً طويلاً.

اقرأ أيضا: ضبط اعتداءات جديدة على خطوط مياه كبيرة في ناعور ومعان

بعد نحو ثمانية عشر
قرناً، تبدو المفارقة التاريخية مغرية: القوة الأعظم في العالم لا تزال قادرة على إسقاط
قوة عسكرية هائلة، لكنها تواجه سؤالاً مختلفاً وأكثر تعقيداً: إلى أي مدى تستطيع الاستمرار
في تشغيل آلة القوة العالمية بالمستوى نفسه، وعلى جبهات متعددة، ومن دون أن تتحول تكلفة
التفوق إلى عبء على التفوق نفسه؟

من هنا تكتسب التقارير
الأخيرة عن أوضاع الطعام والإمدادات والإرهاق على متن حاملة الطائرات الأمريكية “يو
إس إس أبراهام لينكولن” أهمية تتجاوز قيمتها الخبرية المباشرة. فالحاملة أمضت
أكثر من 250 يوماً في البحر، بينما تحدث أفراد من الطاقم وعائلاتهم عن نقص في الطعام
والمياه، واضطراب البريد، وطول ساعات العمل، ومحدودية فترات الراحة. وأصبحت هذه الظروف
موضع مساءلة من أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي.

لكن تحويل هذه الوقائع
إلى دليل مباشر على “انهيار البحرية الأمريكية” سيكون استنتاجاً متسرعاً،
فالمسألة الأكثر أهمية ليست الوجبة نفسها، وإنما ما يمكن أن تكشفه ظروف الانتشار الطويل
عن العلاقة بين القوة القتالية والاستدامة اللوجستية والبشرية.

وهنا تعود إلى الواجهة
أطروحة المؤرخ البريطاني بول كينيدي حول التمدد الاستراتيجي المفرط: فالقوى الكبرى
لا تبدأ بالضرورة في التراجع عندما تخسر معركة حاسمة، وإنما قد يبدأ التآكل عندما تصبح
التزاماتها العسكرية والاستراتيجية أكبر من الموارد التي تستطيع تخصيصها لها بصورة
مستدامة.

حين يصبح “البارود”
اختباراً لقدرة النظام على إنتاجه

من السهل النظر إلى
القوة العسكرية الأمريكية من زاوية الأرقام الخام: حاملات طائرات، وغواصات نووية، وطائرات
متقدمة، وصواريخ دقيقة، وقواعد خارجية، وقوة إنفاق لا ينافسها فيها أحد. لكن القوة
العسكرية لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدولة، وإنما أيضاً بما تستطيع إدامته وإعادة إنتاجه.
وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط الضعف إثارة للاهتمام في الحالة الأمريكية الراهنة.

فقد وجد مكتب المحاسبة
الحكومي الأمريكي (GAO) أن البحرية ما زالت تواجه مشكلات مستمرة في
إدامة سفنها القتالية السطحية، من بينها محدودية قطع الغيار، ونقص أفراد الصيانة المؤهلين،
والحاجة المستمرة إلى تأجيل أعمال الصيانة. ويشير التقرير إلى أن البحرية أنفقت نحو
25.9 مليار دولار على صيانة السفن القتالية السطحية خلال السنوات المالية 2020-2023،
ومع ذلك استمرت مشكلات الإدامة.

وفي تقرير آخر، خلص
المكتب نفسه إلى أن البحرية لم تنجح خلال العقدين الماضيين في زيادة حجم أسطولها كما
كان مخططاً، رغم اقتراب ميزانية بناء السفن من الضعف خلال الفترة نفسها. كما ظلت برامج
بناء السفن تعاني من ارتفاع التكلفة وتأخر التسليم، في حين لم تحقق الاستثمارات الكبيرة
في أحواض بناء السفن والقوى العاملة التحسن المطلوب بالسرعة المأمولة.

هذه ليست علامات على
انهيار البحرية الأمريكية؛ لكنها علامات على شيء أكثر أهمية استراتيجياً: ارتفاع تكلفة
تحويل التفوق النظري إلى جاهزية فعلية مستدامة.

الجاهزية: المشكلة
التي تتجاوز الطعام

في آذار/مارس 2026،
أصدر مكتب المحاسبة الحكومي تقريراً موسعاً عن الجاهزية العسكرية الأمريكية عبر المجالات
الجوية والبحرية والبرية والفضائية، خلص فيه إلى أن الجاهزية العسكرية الأمريكية تراجعت
خلال العقدين الماضيين بفعل استمرار المتطلبات العملياتية، وتقادم بعض الأنظمة، والتحديات
المرتبطة بتحديث القوات. كما أشار إلى أن وزارة الدفاع ما زالت مطالبة بمعالجة عدد
كبير من التوصيات التي تستهدف تحسين الجاهزية. والأكثر أهمية أن التقرير لا يتعامل
مع الجاهزية باعتبارها مجرد عدد من الأسلحة الموجودة في المخازن، بل باعتبارها قدرة
متكاملة تشمل المعدات والقوى البشرية والصيانة والدعم والإمداد والقدرة على إبقاء القوات
جاهزة للمهمة.

وهنا تتضح أهمية ما
يحدث على متن حاملة مثل “أبراهام لينكولن”، فإذا كان انتشار حاملة طائرات
لأكثر من ثمانية أشهر، مع أكثر من 250 يوماً متواصلاً في البحر، يمكن أن يولد شكاوى
واسعة حول الطعام والمياه والراحة والصحة النفسية، فإن المسألة لا تصبح مجرد قضية رفاهية
للجنود، بل تطرح سؤالاً عن الحدود البشرية للانتشار العسكري طويل الأمد.

فالجيش الحديث ليس
آلة معدنية تعمل بلا توقف؛ فوراء كل صاروخ طاقم، ووراء كل طائرة صيانة، ووراء كل سفينة
منظومة إمداد، ووراء كل انتشار طويل آلاف البشر الذين يحتاجون إلى الطعام والماء والراحة
والرعاية والصيانة. وهنا يبدأ “الرغيف” في الظهور باعتباره جزءاً أصيلاً
من القوة العسكرية، لا نقيضاً لها.

حرب إيران واختبار
العمق الصناعي

جاءت الحرب مع إيران
لتضع هذه المعضلة تحت ضغط أكبر. فبحسب تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)،
أدت الحرب إلى استنزاف مخزونات أمريكية مهمة من عدد من الذخائر والصواريخ، مع بقاء
الولايات المتحدة قادرة على مواصلة القتال خلال الحرب نفسها. لكن المشكلة التي يلفت
إليها التحليل لا تتعلق بالقدرة على إطلاق الصواريخ اليوم، وإنما بسرعة إعادة بناء
المخزونات استعداداً للحرب التالية.

وفي تحليل آخر نشره
المركز في أيار/مايو 2026، جرى تقدير الفترات التي تحتاج إليها الولايات المتحدة لإعادة
عدد من مخزونات الصواريخ إلى مستويات ما قبل الحرب، في ضوء معدلات الإنتاج والتسليم.
ويظهر التحليل أن بعض أنواع الذخائر تحتاج إلى مدد طويلة نسبياً حتى تعود المخزونات
إلى مستوياتها السابقة.

وهنا تظهر المفارقة:
قد تستطيع الولايات المتحدة تدمير آلاف الأهداف خلال فترة قصيرة، لكن إعادة إنتاج ما
استُهلك ليست بالسرعة نفسها. وهذه نقطة جوهرية في حروب الاستنزاف الحديثة؛ ففي الحرب
التقليدية القديمة كان السؤال: من يملك جيشاً أكبر؟ أما في الحرب الصناعية عالية التكنولوجيا،
فإن السؤال يصبح: من يستطيع إنتاج الصواريخ؟ ومن يستطيع إصلاح السفن؟ ومن يستطيع توفير
قطع الغيار وتدريب الأطقم وإعادة بناء المخزونات؟ ومن يستطيع تمويل ذلك كله إذا امتدت
الحرب أو تزامنت مع حرب أخرى؟ إنها حرب “الرغيف والبارود” بامتياز.

من القدرة على الضربة
إلى القدرة على الاستمرار

تكمن قوة الولايات
المتحدة التاريخية في قدرتها الاستثنائية على الجمع بين الاقتصاد والتكنولوجيا والتمويل
والقوة البحرية والتحالفات، لكن هذه القوة نفسها تواجه معضلة جديدة. فالأسطول الذي
ينتشر في الشرق الأوسط والمحيط الهندي والمحيط الهادئ يحتاج إلى صيانة، والطائرات التي
تقوم بآلاف الطلعات تحتاج إلى قطع غيار، وصواريخ الدفاع الجوي التي تُطلق خلال أيام
أو أسابيع تحتاج إلى إعادة إنتاج بمعدلات مرتفعة، وحاملات الطائرات لا تعمل في الفراغ،
بل تحتاج إلى شبكة كاملة من السفن والطائرات والوقود والذخائر والأفراد والموانئ.

وهكذا يصبح التفوق
العسكري منظومة صناعية ولوجستية قبل أن يكون منظومة قتالية. وهذا هو السبب في أن مشكلات
بناء السفن الأمريكية أكثر أهمية من مجرد تأخر برنامج تسليح بعينه، إذ يرى تقرير “GAO”
أن ممارسات بناء السفن الحالية أدت بصورة متكررة إلى زيادة التكاليف وتأخر التسليم،
وأن القيود في البنية التحتية وأعداد العمالة الماهرة تؤدي إلى تفاقم المشكلة، محذراً
من أن استمرار الوضع الراهن قد يجعل قدرة الأسطول أقل من الاحتياجات التي تفرضها المنافسة
الاستراتيجية.

ومن ثم فإن السؤال
الحقيقي ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة إرسال حاملة طائرات إلى منطقة صراع؟ بالطبع
تستطيع؛ السؤال الأصعب هو: كم مرة تستطيع فعل ذلك، وعلى كم جبهة، وإلى متى، وبأي تكلفة،
قبل أن تضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها؟

كينيدي يعود من باب
مختلف

هذه هي النقطة التي
تجعل أطروحة بول كينيدي جديرة بإعادة القراءة. المسألة ليست ببساطة أن الدولة التي
تنفق كثيراً على الدفاع ستنهار؛ فالقوة العسكرية يمكن أن تحمي القوة الاقتصادية، وتؤمن
طرق التجارة، وتحافظ على شبكة التحالفات، وتدعم النظام الدولي الذي تستفيد منه الدولة.
لكن الخطر يبدأ عندما تصبح الالتزامات العسكرية والاستراتيجية أكبر من قدرة الاقتصاد
والصناعة والمؤسسات على دعمها، أو عندما يؤدي اتساع الالتزامات إلى استنزاف الموارد
اللازمة للحفاظ على قاعدة القوة نفسها. أي أن المشكلة ليست في “البارود”
ذاته، وإنما في العلاقة المتبادلة بين البارود و”الرغيف”.

وهنا لا توجد مؤشرات
جدية على أن الولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة الانهيار الاقتصادي أو العسكري؛ بل إن
العكس هو الصحيح. فبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)،
ظلت الولايات المتحدة في عام 2025 بفارق كبير أكبر منفق عسكري في العالم، بإنفاق بلغ
954 مليار دولار، أي نحو 33 في المئة من الإنفاق العسكري العالمي.

إذن، نحن لا نتحدث
عن دولة فقدت قدرتها العسكرية، بل نتحدث عن دولة تنفق أكثر من أي دولة أخرى، وتمتلك
قدرات عسكرية لا تزال هائلة، لكنها تواجه في الوقت نفسه مشكلات متزايدة في الجاهزية
والصيانة وبناء السفن وإعادة تكوين بعض مخزونات الذخائر. وهذه المفارقة بالذات هي التي
تستحق الدراسة.

شبكة القواعد: قوة
أم عبء؟

يتكرر كثيراً رقم
“750 قاعدة عسكرية أمريكية” في النقاش حول الانتشار العالمي، لكن الرقم يحتاج
إلى قدر من التحفظ المنهجي. فمعهد كوينسي يقدّر وجود نحو 750 موقعاً عسكرياً أمريكياً
في نحو 80 دولة وإقليماً، استناداً إلى قوائم مفتوحة ومصادر متعددة، ويؤكد المعهد أن
الرقم تقديري، وأن وزارة الدفاع الأمريكية لم تعد تنشر منذ عام 2018 قائمة شاملة بالقواعد
الخارجية يمكن مقارنتها بصورة مباشرة بالتقديرات السابقة؛ ولذلك لا ينبغي تقديم الرقم
باعتباره رقماً رسمياً صريحاً من البنتاغون.

لكن اختلاف طريقة
الحساب لا يلغي الحقيقة الأهم: الولايات المتحدة تمتلك شبكة انتشار عسكري عالمي لا
مثيل لها من حيث الاتساع، وهذه الشبكة مصدر قوة هائل، لكنها في الوقت نفسه مصدر تكلفة
عالي الإجهاد. فكل موقع عسكري يعني حماية وإمداداً وصيانة وأفراداً ووقوداً وبنية تحتية،
وكل حاملة طائرات تعني شبكة دعم لا تقل أهمية عن الحاملة نفسها، وكل منطقة جديدة تدخلها
واشنطن في حساباتها الاستراتيجية تضيف التزاماً جديداً إلى قائمة الالتزامات القائمة.
وهنا يصبح “التمدد” مسألة حسابية بقدر ما هو مسألة جيوسياسية.

هل نحن أمام نهاية
“الباكس أمريكانا”؟

الإجابة السهلة ستكون:
نعم، لكنها ستكون أيضاً إجابة متسرعة. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك تفوقاً هائلاً
في القوة الجوية والبحرية والتكنولوجيا والتمويل والقدرة على بناء التحالفات، كما أن
الدولار لا يزال يحتل موقعاً مركزياً في النظام المالي العالمي، ولا يوجد ما يبرر الحديث
عن سقوط قريب للنظام الأمريكي. لكن شيئاً آخر قد يكون قيد التشكل، فالنظام الدولي لا
ينتقل بالضرورة من الهيمنة الأمريكية إلى هيمنة صينية أو روسية؛ بل قد ينتقل من الأحادية
القطبية إلى تعددية أكثر تعقيداً قبل أن تظهر قوة بديلة قادرة على وراثة النظام بأكمله.

وهذه هي المرحلة الأكثر
حساسية؛ فإذا تراجعت قدرة الولايات المتحدة على إدارة جميع الأزمات في وقت واحد، بينما
لم تصبح قوة أخرى قادرة على تقديم نظام أمني عالمي بديل، فإن العالم يدخل منطقة رمادية.
في هذه المنطقة لا يختفي القطب الأمريكي، لكنه يصبح أكثر انتقائية. ولا تنسحب الولايات
المتحدة بالضرورة من العالم، وإنما تختار أين تقاتل، وأين تفاوض، وأين تطلب من الحلفاء
تحمل جزء أكبر من العبء. وهذا التحول أكثر واقعية وعمقاً من فرضية “الانسحاب الأمريكي”
المبسطة.

من الهيمنة المباشرة
إلى تقاسم الأعباء

تكشف السياسة الأمريكية
تجاه الحلفاء عن اتجاه مهم: واشنطن لا تبدو مستعدة بالضرورة للتخلي عن شبكاتها الأمنية،
لكنها تدفع بصورة متزايدة نحو تقاسم أكبر للأعباء وتحمل الحلفاء مسؤوليات دفاعية أكبر.
وهذا التحول مهم لأنه يعني أن شكل “الباكس أمريكانا” قد يتغير حتى من دون
تراجع حاد في القوة الأمريكية الذاتية. فالنظام الذي كانت واشنطن تتحمل فيه الحصة الأكبر
من تكاليف الأمن العالمي يمكن أن يتحول تدريجياً إلى نظام تشارك فيه القوى الحليفة
بصورة أكبر في الإنفاق والتسليح والانتشار. وهنا لا تكون النتيجة “انسحاب أمريكا”،
وإنما إعادة هندسة أمريكية للهيمنة.

ماذا يعني ذلك للمنطقة
العربية؟ هنا تصبح المسألة أكثر أهمية من مستقبل البحرية الأمريكية نفسها. فعلى مدى
عقود، بنت دول عربية كثيرة جزءاً مهماً من حساباتها الأمنية على افتراض استمرار المظلة
الأمريكية بالدرجة نفسها من القوة والاستعداد. لكن التحول المحتمل لا يعني أن واشنطن
ستغادر الشرق الأوسط بالكامل، بل قد تظل موجودة بقوة، ولكن مع اهتمام أكبر بتقاسم الأعباء،
وانتقائية أشد في استخدام القوة، واعتماد أكبر على الشركاء المحليين والإقليميين.

ومن ثم فإن الخيار
العربي العقلاني ليس القطيعة مع الولايات المتحدة، ولا الانتقال الأعمى إلى معسكر دولي
آخر، بل التحوط الاستراتيجي: تنويع العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، وتطوير
القدرات الذاتية، وتحسين العلاقات البينية العربية، وتخفيف النزاعات التي تجعل دول
المنطقة تعتمد بصورة مفرطة على تدخل خارجي لحلها. فالدولة التي تمتلك أكثر من شريك
دولي تكون أقل تعرضاً لتغير اتجاهات القوة العالمية، والدولة التي تمتلك اقتصاداً قوياً
وقدرات دفاعية وصناعية محلية تكون أقل احتياجاً إلى استيراد أمنها.

ثلاث فرضيات للمستقبل

يمكن، في ضوء هذه
التحولات، تصور ثلاثة مسارات رئيسية:

– إعادة الضبط الأمريكية: قد تستجيب
واشنطن لضغوط الاستدامة بإعادة ترتيب انتشارها العالمي، فتراكم التفوق في المناطق الأكثر
أهمية، بينما تدفع الحلفاء إلى تحمل جزء أكبر من تكاليف الدفاع في المناطق الأخرى.
وهذا السيناريو لا يعني نهاية “الباكس أمريكانا”، بل انتقاله من الهيمنة
المباشرة إلى هيمنة أكثر اعتماداً على الشبكات والتحالفات وتقاسم الأعباء.

– الاستنزاف المتعدد: إذا تزامنت
أزمات الشرق الأوسط مع أزمة كبيرة في أوروبا أو المحيط الهادئ، فإن السؤال لن يكون
حول قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب واحدة، وإنما حول قدرتها على خوض أزمات متعددة
دون استنزاف مخزونات الصناعة واللوجستيات. وهنا تصبح الذخائر والصيانة وسلاسل الإنتاج
عوامل ردع بقدر أهمية حاملات الطائرات نفسها.

– الانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب: في هذا
السيناريو لا تنهار أمريكا، وإنما يتراجع احتكارها للقدرة على تحديد قواعد اللعبة.
الصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى تكتسب مساحة أكبر، بينما تتوسع قدرة الدول المتوسطة
على المناورة بين القوى الكبرى. وقد يكون هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً على المدى
الطويل: ليس “سقوط أمريكا”، وإنما نهاية قدرتها على أن تكون في كل مكان،
وفي كل وقت، وبالكلفة نفسها.

الدرس العربي: لا
تنتظروا لحظة الانهيار

أكبر خطأ يمكن أن
ترتكبه الدول العربية هو انتظار “سقوط أمريكا” لاتخاذ قراراتها. فالقوى العظمى
لا تختفي عادة في يوم واحد؛ إنها تعيد توزيع التزاماتها، وتنسحب من بعض المواقع، وتطلب
من الحلفاء دفع المزيد، وتختار معاركها بعناية أكبر. ولهذا فإن التحول الاستراتيجي
الحقيقي قد يبدأ قبل أن تظهر كلمة “انهيار” في أي عنوان صحفي. المطلوب عربياً
ليس استبدال تبعية بتبعية، وإنما الانتقال من الأمن المستورد إلى القدرة على إنتاج
جزء أكبر من الأمن الذاتي.

ويعني ذلك بناء صناعات
دفاعية حقيقية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتطوير القدرات البحرية والأمنية المشتركة،
وتوسيع الشراكات الدولية، والاستثمار في التكنولوجيا، والأهم من ذلك تخفيض عدد الأزمات
التي تجعل المنطقة تعتمد على تدخل خارجي لحلها. فالقوة العالمية القادمة لن تكون بالضرورة
قوة من يملك أكبر عدد من حاملات الطائرات، بل قوة من يستطيع إنتاجها وإصلاحها وتمويلها
وإمدادها وإعادة بناء مخزوناته بعد الحرب.

الرغيف قبل البارود

في النهاية، ليست
أطباق الطعام على متن حاملة طائرات دليلاً على نهاية القوة الأمريكية، وقد يكون من
الخطأ تحويل أزمة غذاء أو صيانة أو ظروف معيشية على سفينة واحدة إلى مؤشر مباشر على
سقوط إمبراطورية. لكن قيمة هذه الوقائع تكمن في شيء آخر: إنها تذكرنا بأن أعظم الأساطيل
في العالم تظل مرتبطة بسلسلة بشرية ومادية تبدأ بالمصنع ولا تنتهي عند غرفة العمليات
في السفينة.

اقرأ أيضا: الزيارة الملكية إلى الصين خطوات محسوبة وشراكة استراتيجية بعيدة المدى

هناك طعام يجب أن
يصل، وقطع غيار يجب أن تُنتج، وسفن يجب أن تُصلح، وصواريخ يجب أن تُعاد إلى المخازن،
وأفراد يجب أن يحصلوا على الراحة والتدريب، وموازنات يجب أن تتحمل التكلفة. وعندما
تطول الحرب، يصبح السؤال عن القدرة على الاستمرار أهم من السؤال عن القدرة على توجيه
الضربة الأولى.

وهنا تكمن المفارقة
التي تجعل “الرغيف والبارود” استعارة صالحة لفهم اللحظة الأمريكية. أمريكا
لم تفقد قدرتها على إطلاق النار؛ السؤال هو كم تكلفها القدرة على الاستمرار في إطلاق
النار في عالم تتكاثر فيه الجبهات والخصوم والالتزامات؟

وربما لا تكون هذه
هي بداية “نهاية أمريكا”، وإنما بداية نهاية شيء أكثر تحديداً: نهاية الاعتقاد
بأن القوة الأمريكية تستطيع، وحدها، أن تكون الضامن الدائم لكل شيء، وفي كل مكان، وفي
الوقت نفسه.

وهذا فرق جوهرين فـ”الباكس
أمريكانا” قد لا ينتهي بانهيار مفاجئ، بل قد يتحول تدريجياً من نظام أحادي المركز
إلى نظام متعدد المراكز، تحتفظ فيه واشنطن بالموقع الأقوى، لكنها لم تعد قادرة على
تحمل كلفة النظام العالمي منفردة. وفي تلك اللحظة، لن يكون السؤال: من انتصر في آخر
معركة؟ بل: من استطاع أن يبقى واقفاً عندما انتهت المعركة؟

وهنا، كما في كل الحروب
الكبرى في التاريخ، يعود “الرغيف” ليكشف حدود البارود.

المصادر والمراجع

1- U.S. Government Accountability Office (GAO), Navy Surface Ships: Maintenance Funds and Actions Needed to Address Ongoing Challenges, GAO-25-106990, January 31, 2025.

2- U.S. Government Accountability Office (GAO), Navy Shipbuilding: A Generational Imperative for Systemic Change, GAO-25-108136, March 11, 2025.

3- U.S. Government Accountability Office (GAO), Military Readiness: DOD Should Take Further Actions to Address Challenges Across the Air, Sea, Ground, and Space Domains, GAO-26-108888, March 4, 2026.

4- Center for Strategic and International Studies (CSIS), Last Rounds? Status of Key Munitions at the Iran War Ceasefire, April 21, 2026.

5- Center for Strategic and International Studies (CSIS), Rebuilding U.S. Missile Inventory: A Multiyear Project, May 27, 2026.

6- Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), Trends in World Military Expenditure, 2025, 2026. تشير البيانات إلى أن الولايات المتحدة أنفقت 954 مليار دولار في 2025، بما يعادل 33% من الإنفاق العسكري العالمي.).

7- David Vine, Patterson Deppen and Leah Bolger, Drawdown: Improving U.S. and Global Security Through Military Base Closures Abroad, Quincy Institute for Responsible Statecraft, September 20, 2021. تقديرات تشير إلى نحو 750 موقعاً عسكرياً أمريكياً في الخارج، كتقدير غير رسمي.

8- Stars and Stripes, Coverage of conditions aboard USS Abraham Lincoln, August 2026. تقارير عن أكثر من 250 يوماً متواصلاً في البحر وشكاوى الإمدادات والإنهاك.

9- CBS News, Democratic senators demand answers about conditions aboard USS Abraham Lincoln, August 13, 2026.مساءلات برلمانية بشأن ظروف الخدمة والإمداد خلال الانتشار القياسي بالحاملة.

10- Paul Kennedy, The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000, Random House, 1987.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: الأردن يدين الغارات الجوية الإسرائيلية ضد مطار أبو…

‫0 تعليق