
أظهرت دراسة جديدة أن الأطباء في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى كانوا ينظرون إلى الحب المرضي باعتباره مرضاً نفسياً مستقلاً، وليس مجرد حالة من حالات الكآبة، كما كان شائعاً لدى عدد من أطباء اليونان القديمة، وطور العلماء المسلمون فهمًا طبيًا خاصًا لهذه الحالة، التي عُرفت باسم العشق.
وكشفت الدراسة أن الأطباء المسلمين في العصور الوسطى لم يكتفوا بتبني التقاليد الطبية اليونانية السابقة، بل طوروا أفكارهم الخاصة، معتبرين أن العشق له أسباب وأعراض وطرق علاج مميزة، وبالتالي يستدعي تشخيصا مستقلا.
نظرة مختلفة إلى العشق في الطب القديم
تغيرت النظرة الطبية إلى الحب المرضي مع مرور الوقت، ففي القرن العاشر، وصف الأطباء الحالة غالبا بأنها مرض يصيب الأشخاص الذين تحركهم رغبات غير منضبطة أو يفتقرون إلى القدرة على التحكم في أحكامهم، جاء ذلك بحسب ما ذكر موقع جريك ريبوت.
لكن في القرون اللاحقة، بدأ العلماء يرون أن العشق يمكن أن يصيب أي شخص، بغض النظر عن مكانته الاجتماعية أو صفاته الأخلاقية، بل أشارت بعض كتاباتهم إلى إمكانية إصابة الأنبياء والقديسين وغيرهم من الشخصيات الدينية المرموقة بهذه الحالة.
وتكشف هذه النتائج عن تطور مفهوم الصحة النفسية في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى، وعن اهتمام متزايد بفهم الأسباب العاطفية والنفسية للأمراض.
عندما يؤثر الحزن العاطفي في الجسد
اعتقد الأطباء المسلمون في العصور الوسطى أن الاضطرابات العاطفية يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في صحة الجسم، انطلاقا من تصورهم بوجود ارتباط وثيق بين العقل والجسد.
وفي القرن الحادي عشر، وصف الطبيب ابن سينا، حالة امرأة أدى عشقها إلى إصابتها بالضعف والمرض، وتوضح كتاباته أن المعاناة العاطفية يمكن أن تؤثر في الجسم بصورة ملموسة، وليس في الحالة النفسية وحدها.
الأدب والتصوف أثرا في فهم العشق
استمرت الأفكار الطبية حول العشق في التطور حتى القرن السادس عشر، وبدأ الأطباء يناقشون الحالة إلى جانب الأعمال الأدبية التي تناولت الحب المفرط والهوس العاطفي، وكذلك الكتابات الدينية.
كما كان للتصوف تأثير في هذه المناقشات الطبية، خصوصا تعاليم الشاعر والمتصوف جلال الدين الرومي في القرن الثالث عشر، الذي جعل الحب قوة أساسية تربط الإنسان بالله، ويرى الباحثون أن هذه الأفكار الدينية أثرت في الطريقة التي فسر بها بعض الأطباء المعاناة العاطفية والعشق.
اقرأ أيضا: مسلسل وثائقي يكشف حزن جوارديولا ودموعه القريبة في أسوأ فترات مانشستر سيتي
طبيب عثماني يوسع نظرية العشق
كان ابن المبارك من أبرز الأطباء الذين واصلوا تطوير هذه الأفكار في مراحل لاحقة، إذ عمل طبيبًا في بلاط السلطانين العثمانيين سليم الأول وسليمان القانوني.
وبعد دراسته على يد الفيلسوف والمتكلم جلال الدين الدواني في شيراز، وسع ابن المبارك أفكار ابن النفيس، ورأى أن العشق يمكن أن يحدث بصورة غير إرادية وأنه قد يصيب حتى أكثر الأشخاص فضيلة.
بين الحب الرومانسي والحب الروحي
كذلك بين العشق الرومانسي والعشق الروحي. ففي حين كان ينظر إلى العلاقة الجنسية المشروعة باعتبارها أحد علاجات العشق الرومانسي، رأى أن هذا العلاج لا ينطبق على الأنبياء والقديسين، لأن معاناتهم لا ترتبط بالرغبة الجسدية، وبدلاً من ذلك، اعتبر أن حالتهم نابعة من الطهارة الروحية والحب الشديد لله، بحيث لا يكون للرغبة الجنسية مكان فيها.
دراسة ترصد تطور مفهوم العشق عبر قرون
قاد الدراسة نهيان فانسي، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة إكستر، واعتمد الباحثون على دراسة النصوص الطبية إلى جانب أعمال الفلسفة والأدب وعلم الكلام.
وتوضح النتائج أن علماء العالم الإسلامي في العصور الوسطى طوروا فهمًا متقدمًا للعشق باعتباره حالة تجمع بين التأثيرات النفسية والجسدية، كما أعادوا صياغة الأفكار الطبية الموروثة من الحضارات السابقة ضمن تقليد طبي إسلامي خاص.
اقرأ أيضا: فريق طبي من جامعة الأزهر ينجح في إجراء عملية جراحية دقيقة لطفلة بمستشفى بئر العبد
