بورجا.. الكاردينال الذى خلع الرداء الكنسى ليصبح «الأمير» الذى ألهم مكيافيلى

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في مثل تلك الأيام من عام 1498، اتخذ تشيزري بورجا قرارًا استثنائيًا في تاريخ الكنيسة والسياسة الأوروبية، عندما تخلى عن منصبه كاردينالًا، متجهًا إلى حياة عسكرية وسياسية لا علاقة لها بالسلك الكنسي، وفي اليوم نفسه حصل من ملك فرنسا لويس الثاني عشر على لقب دوق فالنتينوا، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته جعلته واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في عصر النهضة الإيطالية.

اقرأ أيضا: خطوات استخراج ترخيص مزاولة نشاط جمع ونقل المخلفات غير الخطرة.. الشروط والرسوم

ابن البابا الذي لم يرد أن يكون رجل دين

وُلد تشيزري بورجا في روما نحو عام 1475، وهو الابن غير الشرعي للكاردينال رودريجو بورجا، الذي أصبح لاحقًا البابا إسكندر السادس، وشقيق لوكريسيا بورجا، ودفعه والده منذ صغره نحو الحياة الكنسية، فحصل على مناصب دينية مبكرة، وأصبح كاردينالًا عام 1493 وهو لا يزال في الثامنة عشرة من عمره تقريبًا.

لكن تشيزري لم يكن يميل إلى حياة رجال الدين، وبعد مقتل شقيقه الأكبر جوفاني، دوق غانديا، عام 1497، ازدادت رغبته في ترك المسار الكنسي والاتجاه إلى المجال العسكري والسياسي.

وفي أغسطس 1498، طلب رسميًا التخلي عن منصبه الكنسي، فوافق البابا إسكندر السادس على طلبه، وتؤكد المصادر التاريخية أنه كان أول كاردينال في التاريخ يستقيل من منصبه.

صفقة مع ملك فرنسا

لم يكن خروج بورجا من الكنيسة مجرد قرار شخصي، بل جاء في سياق صفقة سياسية واسعة بين والده البابا إسكندر السادس والملك الفرنسي لويس الثاني عشر.

فقد احتاج لويس الثاني عشر إلى دعم البابا لإلغاء زواجه السابق، تمهيدًا للزواج من آن دو بريتاني، بينما كان البابا يبحث عن قوة فرنسية تساعده في تعزيز نفوذ أسرته ومواجهة خصومها في إيطاليا.

ذهب تشيزري إلى فرنسا ممثلًا للبابا، حاملاً معه وثيقة إلغاء زواج الملك، وفي المقابل حصل على دعم لويس الثاني عشر، وعلى لقب دوق فالنتينوا، كما تزوج شارلوت دالبريه، شقيقة ملك نافارا، ومن هنا ظهر لقبه الشهير «فالنتينو».

من رجل دين إلى قائد عسكري
 

بدأ بورجا بعد ذلك في بناء قوته الخاصة، مستفيدًا من الدعم الفرنسي ومن موارد البابوية. وقاد حملات عسكرية في رومانيا، وتمكن من السيطرة على عدد من المدن، بينها إيمولا وفورلي، وأصبح أحد أبرز القوى السياسية والعسكرية في وسط إيطاليا.

وكان هدفه يتجاوز مجرد تنفيذ مصالح البابوية؛ فقد سعى إلى بناء دولة قوية تخضع لسلطته، مستغلًا حالة الانقسام والفوضى التي كانت تعيشها مناطق واسعة من إيطاليا.

اشتهر بورجا بالقسوة والقدرة على استخدام القوة والمناورة السياسية في آن واحد، وهي السمات التي جعلت شخصيته لاحقًا مادة أساسية في كتابات نيكولو مكيافيلي.

هل كان بورجا هو «أمير» مكيافيلي؟

ارتبط اسم تشيزري بورجا بصورة وثيقة بكتاب «الأمير» لمكيافيلي، إذ خصص له المفكر الإيطالي مساحة مهمة باعتباره نموذجًا للحاكم الذي وصل إلى السلطة بمساعدة قوى خارجية، لكنه حاول بعد ذلك بناء قوته الخاصة بالدهاء والحزم واستخدام القوة.

اقرأ أيضا: إصابة فلسطينيَين جراء اعتداء مستوطنين عليهما بالضفة الغربية المحتلة

لكن القول إن بورجا هو ببساطة «شخصية الأمير» يحتاج إلى بعض الدقة؛ فكتاب مكيافيلي لا يقدم بورجا باعتباره نموذجًا مثاليًا بلا تحفظ، بل يستخدم تجربته لدراسة العلاقة بين الحظ والمهارة السياسية والقوة والقدرة على تثبيت الحكم.

وفي إحدى أكثر أفكار الكتاب ارتباطًا ببورجا، رأى مكيافيلي أن مشكلة الأخير الكبرى كانت اعتماده على قوة والده؛ فعندما مات إسكندر السادس عام 1503، انهار جزء كبير من النظام السياسي الذي بناه ابنه.

سقوط الرجل الذي صنعته السلطة

بعد وفاة والده، تغيرت موازين القوى بصورة جذرية، ووصل إلى البابوية خصم عائلة بورجا، الكاردينال جوليانو ديلا روفيري، الذي أصبح البابا يوليوس الثاني.

وجرد البابا الجديد بورجا من نفوذه في رومانيا وأمر باعتقاله، وبعد سلسلة من المحاولات لاستعادة موقعه، انتهى به الأمر في إسبانيا، حيث سُجن قبل أن يتمكن من الفرار عام 1506 والوصول إلى نافارا.

وفي 12 مارس 1507، قُتل تشيزري بورجا أثناء مشاركته في حصار مدينة فيانا في نافارا، عن عمر يقارب 31 عامًا.

اقرأ أيضا: قانون الإجراءات الجنائية: التحقيق باللغة العربية.. وإلزامية وجود كاتب للنيابة

‫0 تعليق