
دخلت المواجهة بين روسيا وبريطانيا مرحلة
جديدة من التصعيد السياسي والعسكري، بعدما حذرت موسكو لندن من “عواقب”
قالت إنها ستترتب على ما وصفته بتعميق بريطانيا انخراطها في الحرب الأوكرانية، إثر
تقارير عن استخدام طائرات مسيّرة بريطانية الصنع في هجمات استهدفت الأراضي الروسية.
اقرأ أيضا: منذ إطلاقها عام 2015.. “سقيا الإمارات” توفر المياه النظيفة لـ 15 مليون شخص حول العالم
وقالت السفارة الروسية في لندن إن التقارير
التي تحدثت عن استخدام أوكرانيا مسيّرات تصنعها شركتان بريطانيتان في إطار حملة
للضربات بعيدة المدى، تؤكد أن لندن “تختار عمداً تصعيد الأزمة الأوكرانية”،
متهمة بريطانيا بالسعي إلى احتواء روسيا وإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بها “بالوكالة”.
وفي المقابل، رفضت وزارة الدفاع البريطانية
التهديدات الروسية، مؤكدة أن لندن تقف “كتفاً إلى كتف” مع أوكرانيا،
وأنها ملتزمة بتوفير المعدات التي تحتاج إليها كي تدافع عن نفسها في مواجهة الغزو
الروسي.
ويأتي التصعيد في وقت تكثف فيه كييف هجماتها
بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، مستفيدة من تطور سريع في قدراتها المحلية في
مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما تعمل موسكو على توسيع دفاعاتها الجوية
لمواجهة موجات متزايدة من الهجمات.
موسكو: لندن تختار التصعيد
وذكر تقرير لصحيفة “الغارديان”
اليوم، أن الأزمة الأخيرة بدأت بتقارير صحفية بريطانية أفادت بأن أوكرانيا استخدمت
طائرات مسيّرة مصنعة من جانب شركتين في المملكة المتحدة ضمن حملة تستهدف العمق
الروسي.
ولم تؤكد وزارة الدفاع البريطانية بشكل
مباشر استخدام مسيّرات بريطانية في الهجمات، لكنها لم تتراجع عن التزامها بتسليح
أوكرانيا.
وقال متحدث باسم الوزارة إن بريطانيا “ملتزمة
بتوفير المعدات التي تحتاج إليها أوكرانيا للدفاع عن نفسها ضد الغزو غير القانوني
لبوتين”، مضيفاً أن روسيا “لا ينبغي أن تكون لديها أي شكوك” بشأن
عزم الحكومة البريطانية على الوقوف في وجه العدوان الروسي، سواء داخل أوكرانيا أو
ضد بريطانيا وحلفائها.
أما موسكو، فاختارت لهجة أكثر حدة. وقالت السفارة الروسية في لندن إن ما نشر بشأن المسيّرات
“يؤكد أن لندن تختار عمداً تصعيد الأزمة الأوكرانية”، واتهمت بريطانيا
بمحاولة “احتواء روسيا وإلحاق أقصى قدر من الضرر بها عبر وكلائها”.
وحذرت من أن “أفعال لندن ستحمل حتماً
عواقب سيكون عليها الرد عليها”، مضيفة أن الثمن سيكون أكبر كلما ازداد انخراط
بريطانيا في الحرب ودعمها لما وصفته بـ “آلة الإرهاب” الأوكرانية.
ويشير هذا التصعيد إلى أن موسكو باتت تنظر
إلى الدعم البريطاني لأوكرانيا ليس فقط باعتباره دعماً سياسياً وعسكرياً لكييف،
وإنما باعتباره عاملاً مباشراً في توسيع نطاق الحرب داخل الأراضي الروسية.
حرب المسيّرات تصل إلى العمق الروسي
وشهد العام الجاري تصعيداً واضحاً في
استخدام أوكرانيا للطائرات المسيّرة بعيدة المدى لضرب أهداف داخل روسيا.
وتقول بيانات منظمة ACLED،
وهي جهة مستقلة تراقب النزاعات المسلحة، إن عدد الضربات الأوكرانية بعيدة المدى
ارتفع في يوليو/تموز إلى ثلاثة أمثال مستواه في يناير/كانون الثاني.
وتستهدف هذه الهجمات، بحسب التقارير، منشآت
للصناعات العسكرية ومصافي النفط وموانئ ومنشآت للطاقة ومستودعات، في محاولة لإضعاف
قدرة موسكو على تمويل الحرب وإنتاج الأسلحة والطاقة اللازمة لاستمرارها.
كما باتت الهجمات تصل إلى منشآت مدنية
وتجارية كبيرة، في تطور يجعل الحرب أكثر حضوراً داخل الحياة اليومية للسكان الروس.
ومن أبرز الأمثلة الأخيرة استهداف مستودعات
تابعة لشركة Wildberries، أكبر شركات
التجارة الإلكترونية في روسيا، ما أدى إلى احتراق كميات ضخمة من البضائع وتكبيد
الشركة خسائر كبيرة.
❗ Британия выступает пособником и соучастником кровавых преступлений украинских неонацистов ради сдерживания нашей страны и нанесения ей максимального урона.У этих действий Лондона неизбежно будут последствия, за которые ему придётся отвечать.https://t.co/07XFiGKwNH pic.twitter.com/3HY7hB3QqC
— Посольство России в Великобритании (@RussianEmbassyR) August 17, 2026
الضغط على الدفاعات الجوية الروسية
لا تقتصر أهمية استراتيجية كييف على إلحاق
أضرار مباشرة بالأهداف. فالانتشار
المتزايد للمسيّرات على مسافات بعيدة يجبر روسيا على توسيع نطاق دفاعاتها الجوية
لحماية مناطق ومنشآت تقع مئات بل آلاف الكيلومترات عن خطوط المواجهة.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، السبت، أنها
أسقطت 598 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق 19 منطقة روسية، إضافة إلى أجزاء من البحر
الأسود وبحر آزوف وشبه جزيرة القرم.
وتعكس هذه الأرقام حجم التحدي الذي تفرضه
الحرب الجوية الجديدة على موسكو، إذ لم تعد الحماية الجوية مقتصرة على المناطق
الحدودية أو المدن القريبة من الجبهة، بل أصبحت مطالبة بتغطية مساحات شاسعة من
الأراضي الروسية.
وتراهن كييف على أن استمرار هذه الهجمات
سيجبر موسكو على توزيع أنظمة الدفاع الجوي على مساحة أكبر، بما قد يخلق ثغرات
إضافية في حماية المواقع العسكرية والاستراتيجية.
أوكرانيا تبني قدرة على ضرب آلاف
الكيلومترات
لم تعد أوكرانيا تعتمد في حربها بعيدة المدى
على الأسلحة الغربية وحدها. فخلال الفترة
الماضية طورت كييف مجموعة من الأسلحة المحلية، بينها صواريخ كروز وطائرات مسيّرة
بعيدة المدى.
ومن أبرز هذه القدرات صاروخ Flamingo وطائرة FP-1 بعيدة المدى
التي تنتجها شركة Fire Point.
وتتيح هذه المنظومات لأوكرانيا تنفيذ ضربات
على أهداف تبعد نحو 2400 كيلومتر عن حدودها، وفق التقارير، بما يشمل مستودعات
ومصافي نفط وموانئ ومنشآت عسكرية.
وبذلك باتت كييف تقترب من امتلاك قدرة
هجومية بعيدة المدى تشبه، من حيث المدى، ما تمتلكه روسيا منذ بداية الحرب باستخدام
الطائرات المسيّرة والصواريخ المجنحة.
لكن الفارق لا يزال قائماً في مجال الصواريخ
الباليستية عالية السرعة، التي تستخدمها موسكو بصورة متكررة ولا تمتلك أوكرانيا
قدرة مماثلة لها.
بريطانيا في قلب الحرب بالوكالة
ووفق “الغارديان” فإن التهديد
الروسي الجديد لبريطانيا يعكس أيضاً تصاعد أهمية لندن في المعادلة الأوكرانية. فبريطانيا كانت من أبرز الداعمين الأوروبيين لكييف منذ
بداية الغزو الروسي الشامل في فبراير/شباط 2022، وواصلت تقديم الأسلحة والتدريب
والدعم الاستخباراتي والسياسي لأوكرانيا.
ومن منظور موسكو، فإن وصول الأسلحة
البريطانية إلى مرحلة يمكن استخدامها لضرب العمق الروسي يمثل تطوراً حساساً، لأنه
يوسع نطاق المشاركة غير المباشرة للدول الغربية في الحرب.
لكن لندن تتمسك برواية مختلفة تماماً،
مفادها أن أوكرانيا تخوض حرب دفاع عن النفس في مواجهة غزو روسي، وأن تقديم الأسلحة
لكييف لا يعني أن بريطانيا أصبحت طرفاً في الحرب.
وهذه الفجوة في التفسير هي إحدى أكثر النقاط
حساسية في الصراع بين موسكو والعواصم الغربية.
هل تتحول الضربات إلى حرب أوسع؟
منذ بداية الحرب، وضعت روسيا خطوطاً حمراء
بشأن استخدام الأسلحة الغربية ضد أهداف داخل أراضيها، بينما طالبت أوكرانيا مراراً
بحقها في ضرب المنشآت التي تستخدمها موسكو في تمويل أو إدارة الحرب.
ومع انتقال أوكرانيا إلى استخدام أسلحة
بعيدة المدى بصورة أكثر كثافة، تتسع مساحة المخاطرة.
فكلما زادت قدرة كييف على ضرب العمق الروسي،
زادت احتمالات أن ترد موسكو باستهداف البنية التحتية أو المنشآت المرتبطة بالدول
الداعمة لأوكرانيا، أو باتخاذ إجراءات عسكرية وسياسية ضدها.
ولهذا فإن التهديد الروسي لبريطانيا لا
ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد بيان دبلوماسي غاضب؛ لكنه، في الوقت نفسه، لا
يعني تلقائياً أن موسكو قررت الانتقال إلى مواجهة مباشرة مع لندن.
ويبقى السؤال هو ما الذي تعتبره موسكو
تجاوزاً للخطوط الحمراء، وكيف ستختار الرد عليه؟
تصعيد متبادل
في المقابل، تكثف روسيا أيضاً هجماتها على
أوكرانيا. وأفادت
السلطات الأوكرانية، الثلاثاء، بأن ضربة صاروخية روسية على قرية بيتشينيهي في
مقاطعة خاركيف شمال شرقي البلاد أدت إلى مقتل 10 أشخاص وإصابة 8 آخرين.
وأصابت الضربة عشرة مبانٍ سكنية ومنشآت
مدنية بينها مقهى ومكتب بريد ومتجر، إضافة إلى سبع سيارات على الأقل، وفق حاكم
المنطقة.
وتقول السلطات الأوكرانية إن الهجمات
الروسية تواصل استهداف البنية التحتية والمنشآت المدنية والعسكرية، في حين ترد
كييف بتوسيع دائرة الضربات داخل روسيا.
وهكذا تتخذ الحرب بصورة متزايدة شكل صراع
استنزاف جوي بعيد المدى، بالتوازي مع استمرار المعارك على خطوط التماس.
الدفاعات الجوية تقترب من حدود الإنهاك
ومن أبرز التطورات التي تثير القلق أن
دفاعات الجانبين باتت تحت ضغط متزايد. فكثافة
الهجمات المسيّرة والصاروخية تجبر كل طرف على استنزاف صواريخ الدفاع الجوي
والموارد اللازمة لاعتراض الهجمات.
اقرأ أيضا: قطاع الـ “Ai” يقود توسع محفظة المركزي السعودي في الأسهم الأمريكية
وبحسب المعطيات الواردة في التقارير، فإن
هذا الاستنزاف يرفع احتمالات وصول مزيد من الصواريخ والمسيّرات إلى أهدافها، وهو
ما ينعكس مباشرة على أعداد الضحايا المدنيين.
وتخشى كييف خصوصاً من أن يؤدي استمرار
التصعيد الجوي الروسي خلال الشتاء إلى استهداف واسع لمنشآت الطاقة، في وقت تعتمد
فيه المدن الأوكرانية على شبكات كهرباء تعرضت لأضرار كبيرة خلال الحرب.
وفي الجانب الروسي، تفرض الضربات الأوكرانية
المتزايدة تحدياً مماثلاً يتمثل في حماية المنشآت الحيوية والاقتصادية المنتشرة
على مساحات واسعة.
من حرب على الجبهة إلى حرب في العمق
كان أحد أبرز ملامح الحرب الروسية
الأوكرانية خلال سنواتها الأولى أن معظم المعارك الأكثر كثافة ظلت مرتبطة بخطوط
الجبهة داخل أوكرانيا. أما الآن، فإن
الحدود الجغرافية للصراع أصبحت أكثر ضبابية.
روسيا تضرب أهدافاً في أنحاء أوكرانيا على
مسافات بعيدة من الجبهة. وأوكرانيا ترد
بضرب منشآت داخل روسيا، بعضها على مسافات شاسعة عن الحدود.
ومع تطور المسيّرات والصواريخ محلية الصنع،
أصبحت المسافة أقل أهمية من قدرة الطرفين على تحديد الأهداف واختراق الدفاعات
الجوية.
وهذا يخلق معادلة جديدة: كلما أصبحت الضربات
بعيدة المدى أكثر سهولة، أصبح العمق الاستراتيجي أقل أمناً.
بريطانيا أمام معادلة صعبة
وأكدت “الغارديان” أن الحكومة
البريطانية تواجه في الوقت نفسه معضلة مزدوجة. فمن جهة، تريد الحفاظ على دعمها القوي لأوكرانيا وعدم
السماح لموسكو بفرض قيود على نوعية الأسلحة التي تستطيع كييف استخدامها للدفاع عن
نفسها.
ومن جهة أخرى، تدرك أن كل توسع في القدرات
الهجومية الأوكرانية يزيد من احتمالات رد روسي ضد المصالح البريطانية أو مصالح
حلفائها.
لكن لندن اختارت، في ردها الأخير، عدم
التراجع. فالرسالة
البريطانية واضحة: التهديد الروسي لن يغير التزام المملكة المتحدة بدعم أوكرانيا.
أما الرسالة الروسية، فهي أن استمرار هذا
الدعم قد يرفع تكلفة المواجهة على بريطانيا.
وبين الرسالتين تستمر الحرب في التحول من
نزاع بين روسيا وأوكرانيا إلى أزمة أمنية أوسع تمس بصورة مباشرة العلاقة بين موسكو
والقوى الغربية.
نحو شتاء أكثر خطورة؟
مع استمرار التصعيد في الضربات بعيدة المدى،
يبدو أن الأشهر المقبلة قد تشهد انتقالاً إضافياً للحرب نحو استهداف البنية
التحتية والاقتصاد في العمق.
وتملك أوكرانيا الآن قدرة أكبر على ضرب
مصافي النفط والموانئ والمستودعات والمنشآت الصناعية الروسية، بينما تمتلك موسكو
ترسانة أوسع بكثير من الصواريخ والمسيّرات القادرة على استهداف المدن والبنية
التحتية الأوكرانية.
وفي ظل استنزاف الدفاعات الجوية، فإن اتساع
هذه الحرب الجوية قد يعني ارتفاع كلفة الحرب على المدنيين من الجانبين.
لذلك فإن التهديد الروسي لبريطانيا يتجاوز
في دلالته قصة المسيّرات البريطانية.
إنه يعكس مرحلة جديدة من الحرب الأوكرانية:
مرحلة لم يعد فيها خط المواجهة محصوراً في شرق وجنوب أوكرانيا، بل باتت المنشآت
والمدن والطاقة والصناعات في العمق الروسي والأوكراني جزءاً من ساحة المعركة، فيما
تتزايد المخاطر من أن يجر هذا التصعيد الداعمين الغربيين إلى مواجهة أكثر مباشرة
مع موسكو.
اظهار أخبار متعلقة
اقرأ أيضا: النحاس يقفز إلى مستوى قياسي مع اشتداد السباق لتأمين الإمدادات
