السياسة السائلة وإعادة إنتاج السلطة.. في حدود الفعل الانتخابي بالمغرب

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تُقدم الانتخابات في المخيال الديمقراطي
آلية تداول على السلطة: يختار المواطن، يحاسب، يمنح الشرعية. غير أن هذا التعريف
يفترض ضمنيا ما ينبغي إثباته لا التسليم به: أن الفائز في الصندوق هو من يحكم
فعلا. هذا افتراض يحجب السؤال الحاسم: ما الذي يستطيع الفائز أن يغيره؟

اقرأ أيضا: ناقلات النفط الصينية تبتعد عن مضيقي هرمز وباب المندب

فبين نزاهة الإجراء وفعالية نتيجته مسافة
متغيرة تبعا لطبيعة النظام السياسي، لا ثابتة بثبات الشكل الانتخابي، فالانتخابات
آلية محايدة الشكل، متعددة الوظيفة بحسب البنية التي تعمل داخلها:

ـ  في نظام تتكافأ فيه فرص التنافس، وتنفتح كل
مراكز القرار على المساءلة، تكون الانتخابات أداة تداول فعلي للسلطة.

ـ في نظام
تُستثنى فيه مراكز القرار الحساسة من دائرة المنافسة، تؤدي الآلية ذاتها – بنفس
الصناديق ونفس خطاب السيادة الشعبية – وظيفة مغايرة جوهريا: تنظيم التنافس داخل
سقف محدد سلفا، وتدوير مواقع التدبير، وتجديد الشرعية دوريا.

النتيجة المنطقية لهذا التمايز أن الشكل
الديمقراطي الواحد، قد يُنتج في سياقين مختلفين أثرين متناقضين: تداول السلطة في
الحالة الأولى، وإعادة إنتاجها في الحالة الثانية. ومن ثم فإن الحكم على
الانتخابات بمعيار انتظامها الإجرائي وحده حكم ناقص منهجيا؛ لأنه يقيس الشكل
ويتجاهل الوظيفة.

تتضح الإشكالية الحقيقية في هذا المقام:
ليست في وجود الانتخابات أو في التشكيك بمشروعيتها من حيث المبدأ، بل في طبيعة
العلاقة بين الصندوق والسلطة، وبين فعل التمثيل والقدرة الفعلية على القرار. وكلما
اتسعت المسافة بين ما يعد به التنافس الانتخابي وما يُنجزه فعلا، تحولت هذه
المسافة، بمنطق سببي لا عرضي، إلى مولد أساسي لتآكل الثقة: فجوة تتجدد في كل
استحقاق بقدر ما تتجدد الانتخابات نفسها، حتى تغدو السياسة، في نظر من يخوضها،
حلقة تستهلك طاقة التغيير أكثر مما تُحققه.

أولا ـ من الحداثة السائلة إلى السياسة
السائلة

ميّز زيغمونت باومان بين طورين للحداثة: طور
“صلب” تشتغل فيه المؤسسات – الدولة، الطبقة، النقابة، الحزب،
الأيديولوجيا – باعتبارها بنى دائمة، تمنح الفرد إطارا مستقرا للهوية والانتماء
والفعل، وطور “سائل” تفقد فيه هذه البنى قوامها الصلب تتحول إلى تشكيلات
مؤقتة: العمل يصبح مرنا وغير مضمون، الهوية تصبح مشروعا فرديا متجددا لا معطى
اجتماعيا ثابتا، والروابط الاجتماعية تفقد طابعها الإلزامي لتصبح قابلة للفسخ
بمجرد أن تكف عن تحقيق منفعة آنية. السيولة في هذا المعنى ليست غيابا للبنية، بل
تحول في طبيعتها: من بنية تُلزم إلى بنية تُذيب كل التزام قبل أن يتصلّب.

نقل هذا التصور إلى الحقل السياسي لا يعني
إسقاطه ميكانيكيا، بل استثمار منطقه التفسيري: حين تتفكك الروابط الاجتماعية
الطويلة، التي كانت تُنتج الانتماء الحزبي – الطبقة، الانتماء المهني، الذاكرة
الجماعية، القضية الأيديولوجية – يفقد الحزب قاعدته الاجتماعية الصلبة، ويتحول
تدريجيا من إطار لتكثيف مصالح جماعية متراكمة تاريخيا إلى بنية وظيفية مؤقتة،
وظيفتها الأساسية تدبير الوصول إلى الموقع لا تمثيل جماعة اجتماعية محددة.

يُفسَّر ضعف الإقبال على الانتخابات غالبا بضعف الوعي السياسي أو بلامبالاة المواطنين، خصوصا في صفوف الشباب، لكن هذا التفسير يحمل مخاطرة منهجية كبيرة: فهو ينقل المسؤولية من المؤسسات إلى الأفراد، ويجعل المواطن سبب الأزمة بدل أن يكون شاهدا عليها أو متضررا منها.

بهذا المعنى الدقيق، فالسياسة السائلة ليست
استعارة جمالية بل مفهوم تشخيصي: نمط من الممارسة السياسية تتراجع فيه ثلاثة أشكال
من الصلابة في آن واحد. أولا، الصلابة الأيديولوجية، أي القدرة على إنتاج تمايز
حقيقي بين المشاريع السياسية، بدل توحدها حول عناوين عامة قابلة للتبادل. ثانيا،
الصلابة التنظيمية، أي قدرة الحزب على أن يكون بنية جماعية مستقلة عن الأفراد
الذين يمرون عبرها، تعيد إنتاج نفسها بمعزل عن تقلبات الولاءات الفردية. وثالثا،
صلابة الولاء، أي الالتزام الذي يربط الفاعل بالجماعة السياسية بمعزل عن الحساب الآني
للمكسب والخسارة. حين تتراجع هذه الأشكال الثلاثة معا، لا يعود الانتماء الحزبي
معطى اجتماعيا متجذرا، بل يتحول إلى خيار استراتيجي قابل للمراجعة الدائمة، يحكمه
منطق أقرب إلى منطق السوق منه إلى منطق الالتزام الجماعي.

في هذا السياق وجب الإشارة إلى تمييز
سوسيولوجي ضروري بين المرونة والسيولة، فالخلط بينهما يُفقد التحليل دقته، المرونة
سمة وظيفية ضرورية لأي نظام ديمقراطي حي: القدرة على التفاوض، وتعديل المواقف في
ضوء معطيات جديدة، وبناء توافقات متحركة، هي شروط لتجدد السياسة لا لانحلالها. أما
السيولة بالمعنى الذي يقترحه باومان، فتشير إلى حالة أعمق: تآكل القدرة نفسها على
إنتاج التزام يصمد أمام تقلب الظروف. فحين يصبح الانتماء الحزبي أداة انتخابية
ظرفية تُستدعى عند كل استحقاق ثم تُترك بعده، وحين تفقد البرامج قدرتها على
التمايز بحيث يصعب على الناخب أن يميز موضوعيا بين خيار وآخر، فإن السياسة لا تصبح
أكثر مرونة، بل تفقد الأساس البنيوي الذي يجعل الاختيار السياسي فعلا ذا معنى.

والنتيجة السوسيولوجية الحاسمة أن السيولة
لا تلغي السياسة كممارسة ظاهرة ـ فالحملات تستمر، والخطابات تتجدد، والوجوه تتناوب ـ لكنها تفرغها من صلابتها التنظيمية والأخلاقية العميقة. يتغير ما هو ظاهر ومرئي
(الشعارات، التحالفات، الفاعلون…) بوتيرة متسارعة، بينما تبقى القواعد العميقة
التي تحكم توزيع الموارد والمواقع أكثر ثباتا واستقرارا من الخطابات المتحركة التي
تعمل فوقها، هذا بالضبط ما يمنح مفهوم السياسة السائلة قوته التفسيرية: فهو يكشف
أن الحركة الدائمة على السطح ليست بالضرورة علامة تحول حقيقي، بل قد تكون آلية تُبقي
البنية العميقة بمنأى عن المساءلة والتغيير.

بعبارة مركزة: السياسة السائلة لا تمنع
الحركة، بل قد تحول دون التحول، فهي تجعل كل عنصر ظاهر قابلا للتبدل ـ الأشخاص،
التحالفات، الخطابات، حتى الانتماءات ـ باستثناء العنصر الوحيد الذي يفسر هذا
التبدل نفسه: البنية التي تنتجه وتستفيد من استمراره.

ثانيا ـ تنافس مأذون به على سلطة منقوصة

تجاوزت أدبيات علم السياسة المعاصر الثنائية
التي تختزل الأنظمة السياسية في قطبين متقابلين: ديمقراطية كاملة أو استبداد مغلق،
فقد بيّنت الموجة الثالثة من التحول الديمقراطي، وما تلاها من انتكاسات وتوقفات
جزئية، أن عددا كبيرا من الأنظمة استقر عند صيغة وسيطة ثابتة، لا عابرة، تجمع بين
مؤسسات ديمقراطية الشكل وممارسات سلطوية الجوهر: تُجرى فيها انتخابات دورية
تنافسية في مظهرها، وتوجد فيها أحزاب متعددة وبرلمانات منتخبة وصحافة ومجال عمومي
يتيح هامشا من النقاش، لكن هذه المكونات جميعها تعمل ضمن سقف محسوم سلفا، لا تُترك
معه أي مساحة لتنافس مفتوح على مراكز القرار الفعلية. هذه الصيغة ليست مرحلة
انتقالية في طريقها الحتمي نحو الديمقراطية الكاملة، بل توازن مستقر بذاته،
ومُحكَم في تفاصيله، قادر على إعادة إنتاج شروط ديمومته عبر آلياته الداخلية
بالضبط، لأن شيئا فيه لا يُترك للمصادفة أو للنتيجة المفتوحة.

أنتجت هذه الملاحظة التصنيفية مفاهيم متعددة
تتقاطع أكثر مما تتنافى: السلطوية التنافسية عند ستيفن ليفيتسكي Steven Levitsky ولوكان واي Lucan Way، التي تصف
أنظمة تُجرى فيها منافسة انتخابية حقيقية الشكل، لكنها محكومة سلفا لصالح السلطة
القائمة؛ والسلطوية الانتخابية عند أندرياس شيدلر Andreas
Schedler، التي تُبرز أن الانتخابات ذاتها تتحول إلى
أداة من أدوات إدارة السلطة لا إلى وسيلة لتداولها؛ والديمقراطية التفويضية عند
غييرمو أودونيل Guillermo O’Donnell، التي تصف
أنظمة يُنتخَب فيها الحاكم بإجراءات ديمقراطية، ليمارس بعدها سلطة تُفلِت من كل
آليات المحاسبة والتوازن المؤسسي.

يكمن القاسم السوسيولوجي المشترك بين هذه
المقاربات الثلاث في نقطة واحدة حاسمة: المشكلة ليست في غياب المؤسسات
الديمقراطية، بل في خضوع وجودها نفسه لمنطق محسوم سلفا لصالح السلطة. فالمؤسسة
قائمة شكلا، لكنها مبنية أصلا داخل هندسة تُقرر نتائجها قبل أن تخضع للاختبار
الفعلي، ومن ثم فلا مكان هنا لهامش عشوائي، ولا لاحتمال نتيجة تُفلت من الحسبان:
فالتنافس السياسي، مهما بدا حيويا في ظاهره، لا يعدو أن يكون تنافسا مأذونا به
داخل حدود رُسمت مسبقا.

يمكن مقاربة الحالة المغربية عبر تمييز
تحليلي بين مستويين، على أن يُفهم هذا التمييز نفسه بوصفه أداة تحليل لا اعترافا
باستقلالية أحد المستويين عن الآخر:

ـ مستوى الحكم،
وهو مستوى التدبير المرئي والمتداول: التنافس على المقاعد البرلمانية والجماعية،
وتشكيل الائتلافات الحكومية، وإدارة قطاعات من السياسات العمومية والميزانيات
والبرامج القطاعية. هذا المستوى يخضع لمنطق منافسة انتخابية، لكنها منافسة مضبوطة
الحدود سلفا، لا منافسة مفتوحة على نتيجة غير محسومة.

ـ مستوى السلطة،
وهو مستوى التحكيم: المجالات السيادية والاستراتيجية والأمنية والدينية
والاقتصادية الكبرى، التي تُدار بمنطق مؤسسي مستقل كليا عن الدورة الانتخابية، ولا
تخضع لمنطق المساءلة الذي يُفترض أن يحكم أي منافسة حزبية حقيقية.

يجب هنا تصحيح أي التباس منهجي محتمل: فهذا
التمييز لا يعني أن مستوى الحكم مستقل أو محرَّر من منطق السلطة، بل على العكس
تماما؛ إذ إن حركية الحكم نفسها – تغيّر الحكومات، تبدّل الائتلافات، تفاوت أداء
الفاعلين – تجري ضمن هامش تحدده السلطة مسبقا وتراقب استمراره. فلا شيء في هذه
البنية يقع خارج دائرة التحكم والسلطوية: لا التنافس الحزبي، ولا تشكيل الحكومات،
ولا حتى المعارضة المرخَّص لها بالظهور. فكل حركة ظاهرة على مستوى الحكم ليست إلا
حركة مأذونا بها ضمن سقف تحدده السلطة، لا حركة تُفلِت منها أو تهددها. وهذا
بالضبط ما يمنح النظام الهجين استقراره الصلب: فهو لا يسمح بحركة عشوائية عند
القاعدة، بل يُنتج حركة مُتحكَّما فيها بدقة، تُحاكي التنافس الحر من دون أن تكونه.

من خلال هذا التحليل تنبثق الوظيفة المضمرة
للانتخابات في النظام الهجين، وهي وظيفة تختلف نوعيا عن وظيفتها المعلنة.
فالانتخابات هنا تؤدي في آن واحد ثلاث مهام متكاملة، كلها مضبوطة بمنطق السلطة لا
مفلتةٌ منه: إنتاج شرعية إجرائية تُعرض أمام الداخل والخارج، بوصفها دليلا على
الانفتاح والتعددية؛ وفتح مجال منظَّم ومُراقَب للتنافس يمتص طاقة الفاعلين
السياسيين ويوجهها نحو المنافسة، على مواقع الحكم بدل مساءلة بنية السلطة نفسها؛
وامتصاص جزء من التوتر الاجتماعي عبر منحه قناة تعبير دورية ومشروعة، لكنها قناة
مُعايَرة سلفا بما لا يسمح لها بتجاوز أثرها المرسوم. بذلك لا تتحول هذه الوظائف
الثلاث، مهما تراكمت وتكررت، إلى آلية فعلية لإعادة توزيع السلطة؛ لأن الشرعية
الإجرائية التي تنتجها الانتخابات تبقى شرعية تابعة، محكومة بمنطق أعلى منها وأسبق
عليها، لا شرعية منافِسة قادرة على إعادة تعريف حدود ذلك المنطق. فلا فراغ يُترك
للمصادفة، ولا نتيجة تُفلت من الحسبان: كل ما يظهر متحركا إنما يتحرك داخل قفص
مضبوط سلفا، وكل ما يبدو تنافسا إنما هو تنافس مأذون به على سلطة لا تُطرح أصلا
للتداول.

ثالثا ـ فاعل سياسي سائل .. من التمثيل إلى
الترحال

يعرّف بيير بورديو Pierre
Bourdieu الحقل السياسي، باعتباره فضاء للصراع بين فاعلين يمتلكون
موارد متفاوتة: المال، والشبكات، والوجاهة، والخبرة، والقدرة على الوصول إلى
الإعلام ومراكز القرار. غير أن هذا الحقل ليس مستقلا دائما بذاته؛ تتدخل فيه قوى
ومؤسسات من خارجه لتحديد قواعده وحدوده مسبقا، بحيث تصبح المنافسة داخله محكومة
بمنطق لا تصنعه هي بنفسها. في الحقل السياسي السائل، لا يعود الحزب بالضرورة
تعبيرا مستقرا عن مصالح اجتماعية أو توجهات فكرية متمايزة، بل يتحول إلى إطار
انتخابي مرن، تُقاس قيمته بقدرته على تقديم المرشحين، أو بناء التحالفات، أو تأمين
الموقع داخل التوازن القائم، لا بمدى تمثيله لمشروع مجتمعي واضح.

تترتب عن هذا التحول ثلاثة مظاهر مترابطة:
أولها ضعف التمايز البرامجي، إذ تتقارب الخطابات الانتخابية حول عناوين واسعة مثل
التنمية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، من دون اختلاف حقيقي في الأدوات
والاختيارات؛ وثانيها شخصنة التنافس، إذ يتقدم المرشح، بما يملكه من وجاهة محلية
أو شبكة علاقات أو قدرة مالية، على الحزب وبرنامجه؛ وثالثها هشاشة الولاء
التنظيمي، إذ يصبح الانتقال بين المواقع والانتماءات أقل كلفة سياسيا ورمزيا مما
كان عليه في نموذج الحزب الأيديولوجي التقليدي. وبتراكم هذه المظاهر الثلاثة،
تتراجع وظيفة الحزب كمؤسسة للتأطير والوساطة وإنتاج النخب، ويتقدم بدلا منها منطق
الوصول الفردي إلى الموارد والقرار، بحيث يصبح الحزب وسيلة تُستخدم لا غاية
يُلتزَم بها.

غير أن الوقوف عند هذا المستوى يبقى ناقصا
ما لم يُستكمل بسؤال الفاعل: كيف يتصرف من يعمل داخل حقل بهذه المواصفات؟ فمن
السهل تفسير الترحال الحزبي أو تبدل التحالفات بوصفها انحرافات أخلاقية بحتة: غياب
للمبادئ، أو انتهازية شخصية، أو بحث مجرد عن المنصب. لكن الإدانة الأخلاقية، على
مشروعيتها الجزئية، لا تكفي تفسيرا علميا؛ لأنها لا تجيب عن سؤال التكرار: لماذا
يتكرر السلوك نفسه عبر فاعلين مختلفين وسياقات متعاقبة؟ ولماذا يبدو عقلانيا
ومبرَّرا في نظر كثير منهم؟

يصبح مفهوم الهابيتوس عند بورديو ضروريا
لإغلاق الحلقة التفسيرية: فالهابيتوس هو منظومة الاستعدادات التي يكتسبها الفاعل
من شروط الحقل الذي يعمل داخله، لا من طبيعته الفردية المعزولة. فالفاعل لا يولد
انتهازيا، لكنه يتعلم، بفعل التجربة المتراكمة داخل الحقل نفسه الذي وُصف أعلاه،
أن الصلابة الأيديولوجية مكلفة سياسيا، وأن القرب من مراكز النفوذ أكثر فائدة من
التمسك ببرنامج، وأن الرأسمال المحلي ـ المال والوجاهة والشبكات ـ أكثر حسما في
تحديد المسار من الالتزام السياسي. بذلك يصبح الحقل السائل، بمنطق سببي مباشر لا
عرضي، منتِجا لهابيتوس سائل يتناسب معه تماما.

اقرأ أيضا: ميديكلينيك الشرق الأوسط تحصل على اعتماد SRC كشبكة تميز في خدمات التنظير الداخلي

السيولة السياسية ليست عطبا عارضا، بل أثر وظيفي لبنية تفصل الحكم عن السلطة، وتُبقي التنافس الانتخابي ضمن سقف محسوم سلفا، هذه البنية تُنتج فاعلها الملائم: حقل يكافئ القرب من النفوذ ويُفرز هابيتوسا انتهازيا، يعيد إنتاج السيولة ذاتها التي شكّلته، وفي الطرف المقابل، ينتج العزوف الانتخابي، لا كجهل بل كموقف صامت، عن هيمنة حوّلت عبارة “لا بديل ممكن” إلى بديهية يستبطنها المحكوم ويعيد إنتاجها بنفسه.

تتحكم في هذا الفاعل ثلاث ذهنيات
متكاملة:  ذهنية البقاء، أي التكيف الدائم
مع تغير التوازنات لتفادي العزلة السياسية؛ وذهنية التراكم، أي تحويل الرأسمال
الاقتصادي والاجتماعي إلى نفوذ انتخابي، ثم إعادة تحويل هذا النفوذ إلى مكاسب
ومواقع جديدة؛ وذهنية القرب، أي قياس القيمة السياسية بمدى النفاذ إلى دوائر
القرار، لا بحجم التمثيل الشعبي أو صلابة المشروع المطروح. وعليه فإن الترحال
الحزبي لا يُفهَم كفعل فردي معزول عن سياقه، بل بوصفه مؤشرا جذريا مزدوجا: على ضعف
المؤسسة الحزبية من جهة، وعلى بنية مكافآت تجعل الحركة بين المواقع أكثر ربحا من
بناء الولاء السياسي من جهة أخرى.

الخلاصة التي يفرضها هذا الترابط المنطقي
بين الحقل والفاعل واضحة: الحقل الذي يُفرغ الحزب من وظيفته التمثيلية، هو ذاته
الذي يُنتج الفاعل الذي يُعيد إنتاج هذا الإفراغ عند كل استحقاق؛ فالهابيتوس
الانتهازي ليس طارئا عرضيا على السياسة السائلة، بل هو نتاجها الطبيعي وحارس
استمرارها في آن واحد.

رابعا ـ العزوف موقف، والهيمنة مُنتجَتُه

يُفسَّر ضعف الإقبال على الانتخابات غالبا
بضعف الوعي السياسي أو بلامبالاة المواطنين، خصوصا في صفوف الشباب، لكن هذا
التفسير يحمل مخاطرة منهجية كبيرة: فهو ينقل المسؤولية من المؤسسات إلى الأفراد،
ويجعل المواطن سبب الأزمة بدل أن يكون شاهدا عليها أو متضررا منها. والحال أن
العزوف في كثير من حالاته، قد يكون فعلا عقلانيا لا أعراضا لنقص في الوعي، فحين
يعتقد المواطن أن صوته يغيّر أسماء المسؤولين أكثر مما يغيّر شروط القرار
والسياسة، أو حين يرى أن وعود الحملات لا تنعكس على الخدمات والحياة اليومية، يصبح
الامتناع عن التصويت تعبيرا عن فقدان الثقة في الجدوى، لا عن غياب الاهتمام بالشأن
العام.

لا ينبغي، مع ذلك، التعامل مع العزوف
الانتخابي كسلوك متجانس أو تعبير عن موقف سياسي واحد؛ فهو نتاج اجتماعي مركب
تتداخل في إنتاجه محددات بنيوية وثقافية ومصلحية ونفسية، من الفقر وضعف التنشئة
السياسية، إلى الهشاشة الاجتماعية والتهميش المجالي، مرورا بأزمة الثقة وضعف
الوساطة والتنظيم المدني. لذلك لا تكمن دلالة العزوف في حجمه العددي فحسب، بل في
ما يكشفه من طبيعة العلاقة التي نسجها المواطن مع المؤسسات السياسية وآليات
التمثيل، فالعزوف ليس غياب عن صندوق الاقتراع فقط، وإنما قد يكون شكلا من أشكال
الانسحاب من علاقة التمثيل ذاتها.

والأخطر أن يتحول هذا الانسحاب من موقف
سياسي قابل للتعبير والتفاوض، إلى صمت اجتماعي يتراكم خارج قنوات الوساطة
المؤسسية، فالمواطن الذي يعزف عن التصويت لا يتوقف بالضرورة عن إنتاج الأحكام
والمواقف تجاه السياسة؛ قد يظل مراقبا وناقدا ومعلّقا، لكنه يمتنع عن تحويل هذه
المواقف إلى مشاركة مؤسسية، وعن منح المؤسسات رصيده من الثقة والشرعية الرمزية.
وهنا تحديدا تكمن المفارقة: قد يبدو العزوف هدوءا في المجال الانتخابي، بينما يخفي
في العمق توترا متراكما في علاقة المجتمع بالدولة ومؤسسات التمثيل.

هذا الصمت بالذات هو ما يقود إلى المستوى
الأعمق من التحليل: كيف يستمر نظام ينسحب منه جزء متزايد من المواطنين دون أن
يواجه أزمة شرعية مكشوفة؟، الجواب يكمن فيما يسميه أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci الهيمنة؛ وهي لا تقوم على القوة والإكراه فقط، بل ـ وبصورة أعمق وأكثر ديمومة ـ على القدرة على إنتاج القبول. وتتحقق هذه القدرة حين
تتحول أفكار بعينها إلى “حس مشترك” يبدو طبيعيا ولا يحتاج إلى برهان: أن
لا بديل ممكنا، وأن السياسة لا تغيّر شيئا، وأن جميع الأحزاب متشابهة، وأن
الاستقرار يقتضي دائما خفض سقف المطالب. هنا تلتقي الهيمنة بالعزوف في علاقة سببية
دقيقة: فحين يستبطن المواطن هذه البديهيات، لا يعود عزوفه مجرد قرار فردي عابر، بل
يصبح تجسيدا عمليا لهيمنة نجحت في إقناعه بأن المشاركة عبثية سلفا.

تصبح الهيمنة في هذا السياق، أكثر عمقا وأشد
فاعلية من أي هيمنة تُمارَس بالقهر المباشر؛ لأنها لا تُفرض من أعلى فحسب، بل
تتسلل إلى اللغة اليومية والتوقعات السياسية، ويعيد المواطنون أنفسهم إنتاجها،
أحيانا من دون وعي منهم، حين يتعاملون مع التغيير بمنطق الاستحالة، ومع الفعل
الجماعي بوصفه عبثا لا طائل منه. فيتحول العزوف من نتيجة للهيمنة إلى أداة من
أدوات استمرارها: فكلما ازداد الناس اقتناعا بعبثية المشاركة، ازدادت الهيمنة
تحصنا من أي مساءلة فعلية، لأن غياب المشاركة يُفرغ إمكانية المقاومة المنظمة من
مضمونها قبل أن تتشكل.

غير أن هذا التحليل لا ينبغي أن يُفهم
باعتباره وصفا لمؤامرة بسيطة أو خطة مركزية تتحكم بدقة في كل التفاصيل الجزئية،
فالتفسير العلمي الأدق هو أن السيولة السياسية، بما تحمله من عزوف وهيمنة
متبادلين، قد تكون أثرا وظيفيا لبنية سياسية ومؤسساتية أوسع، لا نتاج تخطيط واع
بالضرورة: فكلما ضعفت الأحزاب والروابط الجماعية التي كانت تُنظّم الغضب والمطالب
في مشاريع بديلة، تقلصت بالتبعية القدرة على تحويل هذا الغضب إلى قوة سياسية منظمة
ومستمرة. وهكذا يغلق العزوف والهيمنة الدائرة معا: العزوف يُضعف الضغط الاجتماعي
القادر على مساءلة البنية، والهيمنة تُقنع بأن هذا الضعف هو الحال الطبيعي والوحيد
الممكن، فيعاد إنتاج الصمت في كل استحقاق انتخابي جديد.

خاتمة

السيولة السياسية ليست عطبا عارضا، بل أثر
وظيفي لبنية تفصل الحكم عن السلطة، وتُبقي التنافس الانتخابي ضمن سقف محسوم سلفا،
هذه البنية تُنتج فاعلها الملائم: حقل يكافئ القرب من النفوذ ويُفرز هابيتوسا
انتهازيا، يعيد إنتاج السيولة ذاتها التي شكّلته، وفي الطرف المقابل، ينتج العزوف
الانتخابي، لا كجهل بل كموقف صامت، عن هيمنة حوّلت عبارة “لا بديل ممكن”
إلى بديهية يستبطنها المحكوم ويعيد إنتاجها بنفسه.

بهذا تلتقي حلقتان ـ فاعل يعيد إنتاج
السيولة، ومواطن يعيد إنتاج الصمت ـ لتشكلا دائرة مغلقة تتجدد شرعيتها عند كل
استحقاق، لا لعجز الانتخابات عن كل أثر، بل لأنها مصممة لتُنتج أثرا محدودا يكفي
لإدامة النظام دون أن يمس بنيته العميقة.

والخروج من هذه الدائرة لا يمر عبر تغيير
الأشخاص أو الخطابات، بل عبر إعادة بناء قواعد اللعبة نفسها: ربط الصندوق بسلطة
فعلية قابلة للمساءلة، وتحويل الحزب من أداة وصول إلى إطار تمثيل حقيقي، وكسر
البداهات التي تُشيع عبثية الفعل الجماعي، فما لم تتحقق هذه الشروط، تبقى
الانتخابات طقسا لإعادة إنتاج البنية القائمة، لا لحظة لتحوّل ديمقراطي حقيقي؛ إذ
إن أخطر ما في هذه السيولة أنها لا تقمع التغيير بعنف مكشوف، بل تُذيب شرطه قبل أن
يتشكل.

*باحث في علم
الاجتماع السياسية.

اقرأ أيضا: رفع نسب توطين مهن إدارة المشاريع في السعودية إلى 70%

‫0 تعليق