قبل 10 أعوام، أُعيد تحديد دور صندوق الاستثمارات العامة بتفويض واضح يتمثل في قيادة التحول الاقتصادي في السعودية، مع تحقيق عوائد مالية مستدامة. وقد كان حجم الإنجازات وسرعة تحقيقها خلال العقد الماضي لافتين بشكل كبير.
اقرأ أيضا: بـ 70 ألف مقعد.. ملامح تطوير “درة المستقبل” لآسيا 2027 والمونديال
تطور الصندوق ليصبح مستثمرا عالميا متكامل الحضور، حيث تجاوزت أصوله المدارة 900 مليار دولار أمريكي. ويُستثمر نحو 75% من هذه الأصول داخل السعودية، حيث أسس الصندوق منظومة متكاملة من الشركات التابعة لمحفظته الاستثمارية، وأنشأ شركات وطنية وإقليمية وعالمية رائدة، وأطلق قطاعات اقتصادية جديدة، بما يسهم في دفع عجلة التنويع الاقتصادي.
على الصعيد الدولي، أصبح صندوق الاستثمارات العامة أحد أبرز المستثمرين العالميين، إذ يواصل توسيع تأثيره من خلال الاستثمارات والشراكات الاستراتيجية، مع مواصلة التركيز المدروس على تحقيق عوائد طويلة الأجل. أرست هذه النجاحات الأساس للمرحلة التالية من تطور الصندوق.
وكما ورد في التقرير السنوي لعام 2025، يستند الصندوق إلى ما حققه خلال عقد من التحول، مع التركيز على تعظيم القيمة المحققة، وتعزيز كفاءة الاستثمارات، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص. ستعمل استراتيجية الصندوق للفترة 2026–2030 على تطوير منظومات اقتصادية تنافسية، وإطلاق الإمكانات الكاملة لأصوله، وتعظيم العوائد المالية من خلال محافظه الثلاث المنشأة حديثا: محفظة الرؤية، ومحفظة الاستراتيجية، والمحفظة المالية.
يتجه صندوق الاستثمارات العامة نحو ست منظومات اقتصادية مترابطة لدفع عجلة التحول الاقتصادي المحلي، مع مواصلة التزامه الراسخ باستثماراته الدولية، التي من المتوقع أن تستمر في النمو من حيث القيمة المطلقة.
سيكون التركيز في السنوات الخمس المقبلة على تحويل الحجم والنطاق إلى قيمة أكبر، وذلك من خلال الاستفادة من الفرص الاستثمارية الجديدة، وتوسيع نطاق الشراكات القوية التي تستقطب رؤوس الأموال والخبرات إلى السعودية، وتسريع وتيرة النمو طويل الأجل. ومن خلال ذلك، سيعزز الصندوق عوائده، مع تحقيق قيمة مستدامة لأصحاب المصلحة على المستوى الوطني.
وفي هذه المرحلة المقبلة، سيواصل الصندوق الاعتماد على مرونته التمويلية، التي ترتكز في جوهرها على قوة تصنيفه الائتماني وثقة المستثمرين العالميين. خلال 2025، حافظ الصندوق على تصنيفات ائتمانية قوية من أبرز وكالات التصنيف الائتماني العالمية، بما في ذلك تصنيف Aa3 من وكالة موديز، وتصنيف A+ من وكالة فيتش، إلى جانب حصوله للمرة الأولى على تصنيف A-1 للائتمان قصير الأجل من وكالة ستاندرد آند بورز.
خلال العام، نجح صندوق الاستثمارات العامة في الدخول إلى أسواق رأس المال الدولية من خلال إصدارات من السندات والصكوك المقومة بالدولار الأمريكي، إضافة إلى أول إصدار له من السندات الخضراء المقومة باليورو. أسهمت هذه الإصدارات في توسيع قاعدة المستثمرين العالميين للصندوق، وتنويع مصادر تمويله، وتعزيز مرونته التمويلية في وقت تشهد فيه الأسواق حالة من عدم اليقين.
تعكس التصنيفات الائتمانية للصندوق وقوة الطلب من المستثمرين قوة السيولة، وقوة الحوكمة، وقوة الإدارة المالية، كما تؤكد ثقة المستثمرين باستراتيجيته طويلة الأجل. وبصورة أوسع، فإن هذه المؤشرات تعكس الأسس الإيجابية التي تدعم قصة نمو السعودية. فهي دولة تتميز بصورة متزايدة بحجم الفرص الاستثمارية، واستقرار السياسات، وأفق التخطيط طويل الأجل، والقدرة على توظيف رأس المال بسرعة وعلى نطاق واسع.
كما واصل صندوق الاستثمارات العامة توسيع شراكاته الاستراتيجية مع المستثمرين العالميين والمؤسسات المالية الرائدة، حيث أبرم خلال العام الماضي اتفاقيات مع جهات من بينها جولدمان ساكس، وماكواري لإدارة الأصول، ووكالة ائتمان الصادرات الإيطالية SACE، وبلاك روك، إلى جانب جهات أخرى.
ومن المتوقع أن تسهم هذه الشراكات مجتمعة في استقطاب مليارات الدولارات من الاستثمارات في السعودية، بما يساعد على دفع عجلة الابتكار، وتنمية المواهب والكفاءات، وتعزيز النمو.
اقرأ أيضا: سندات الخزانة الأمريكية تسجل أعلى مستوى في 19 عامًا وتربك حسابات الأسواق
خلال الـ12شهرًا الماضية، وسع صندوق الاستثمارات العامة نطاق حضوره الدولي من خلال افتتاح مكاتب جديدة لشركاته التابعة في باريس وبكين وشنغهاي. واستنادا إلى حضوره الراسخ في لندن ونيويورك وهونغ كونغ، يعزز هذا التوسع قدرة الصندوق على ربط الفرص الاستثمارية في السعودية برؤوس الأموال والخبرات والشراكات الاستراتيجية الدولية.
يتطلب التطور الاستراتيجي المقبل لصندوق الاستثمارات العامة انضباطا وحوكمة متينة. ومع تطور محفظته الاستثمارية، لم يعد الأداء المالي والأثر الاقتصادي الوطني هدفين متعارضين، بل أصبح يعزز كل منهما الآخر. فكلما ازداد الاقتصاد السعودي تنافسية، استقطب مزيدا من الاستثمارات، وعزز الإنتاجية، وحقق عوائد أقوى. كما تتيح العوائد الأقوى للصندوق الاستفادة من مزيد من الفرص بهدف تحقيق ثروة مستدامة على المدى الطويل.
أسهم عقد من التحول في تحقيق أثر ملموس في مختلف أنحاء السعودية، كما حظي هذا التحول باعتراف على المستوى العالمي. أما السنوات الخمس المقبلة، فستتحدد ملامحها من خلال الأداء والشراكات وتعزيز الأثر، بالاستفادة من قوة أسس الصندوق لاقتناص الفرص الناشئة في السعودية وعلى المستوى العالمي، بما في ذلك مجال الذكاء الاصطناعي، وتحول الطاقة، والتصنيع المتقدم، والرياضة والترفيه.
كل ما نقوم به في صندوق الاستثمارات العامة، في نهاية المطاف، هو من أجل أبناء وبنات السعودية. كان العقد الماضي يتمحور حول بناء الحجم وتعزيز النطاق، أما المرحلة المقبلة فستركز على تحقيق القيمة الكاملة. في البداية، أخذنا السعودية إلى العالم، والآن نجلب العالم إليها.
رئيس الإدارة العامة للمالية في صندوق الاستثمارات العامة السعودي
خاص بـ “الشرق ـ بلومبرغ”
اقرأ أيضا: “مائي” يحدد شروط ترخيص مدققي المياه.. دبلوم وخبرة وشهادة فنية
