
في ظل
الحروب والطوارئ والأزمات تختلف عند الكثيرين الأولويات والبرامج والرغبات، وفي
قطاع غزة، وفي ظل أجواء الإبادة التي لم تنته بعد، تغيرت الاهتمامات عند كثيرين
نظراً لتغير الظروف، فاحتل رغيف الخبز وزجاجة الماء الاهتمام الأول عند الكثيرين،
وهذا أمرٌ مهم، وقليلٌ من الناس من يجتهد للحفاظ على طقوسه اليومية واهتماماته،
خاصة إن كان كثيرون ينظرون لها على إنها من باب الترف في وقت الرخاء، فما بالكم
وقت الحروب والنزوح كما يحدث في غزة!
اقرأ أيضا: رئيس الوزراء الباكستاني: سنواصل مع السعودية وتركيا الدفاع عن بلادنا والمنطقة
ففي قطاع
غزة، وحين يتم إشعار أي منطقة بضرورة الاخلاء، يفقد الناس اختياراتهم، فيُجبرون
تحت وطأة القصف والنار، على أخذ ما يمكنهم من أدوات منزلية وأفرشة وأغطية،
لتعينيهم على استمرارية الحياة في ظل الظروف العصية على الوصف، إلا أقلة يحملون إضافة
إلى حمل ما سبق، ما يتمكنون من كتب.
هذه القلة
هي التي ترى أن القراءة ليس طقساً اختيارياً، بل هي طقسٌ اجباري، وترى بأنه كما
يحرص الانسان على تزويد جسده بالغذاء والماء، يجب أن يحرص على تزويد عقله بالعلم
والثقافة في كل الظروف.
وتقريباً
لما سبق، ففي ذات يوم أخبرني صديقي رائد بوجود “مكتبة أثر” في منطقة
البركة في محافظة دير البلح، فرحتُ، توجهنا لها، فوجدنا فيها كتبا كثيرة منوعة،
وسمعت قصة صاحبها “الحاج أبو تامر” الذي أخبرنا بأنه حرص على إخراج
الكتب من منطقة شمال غزة ليحافظ عليها، ويقوم بدوره في خدمة المجتمع ثقافياً،
فأحضرها من تحت الركام والأنقاض، ومن بين زخات الرصاص والصواريخ حتى أوصلها لمنطقة
أقل خطراً.
حرص
“أبو تامر” على تطوير المكتبة، فكان ينقل الكتب يومياً من خيمته وعرضها
على رصيف المخيم الذين يقيم فيه في منطقة البركة، وهذا شكّل تعباً جسديا كبيرا
عليه، خاصة أن المسافة تزيد عن 150 مترا، واستمر على ذلك كثيراً، حتى وجد قطعة أرض
مجاورة له وأخذها على هيئة إيجار شهري ليتمكن من إحضار المزيد من الكتب وعرضها
بشكلٍ دائمٍ في نفس المكان.
لكن هذه
الأرض على رغم أهميتها وقربها من الشارع العام، إلا أنها تفتقد لأبسط مقومات
المكتبة، حيث لا رفوف ولا طاولات، إضافة إلى أننا نقترب من فصل الشتاء، والذي يخشى
أبو تامر قدومه دون أن يتم إنشاء مكتبة بشكلٍ يليق لحماية الكتب من التلف بسبب
المياه.
اقرأ أيضا: ترامب يهدد بالقصف إذا تعرقل اتفاق مضيق هرمز
أخبرني أن
عدة مؤسسات زارته ووعدته بإنشاء مكتبة، لكن ما من وعدٍ تحقق حتى كتابة هذه السطور.
وأنا من هنا أناشد الجهات المختصة بمعاونة أبو تامر في إنشاء مكتبة لحفظ الكتب حتى
يتسنى له الاستمرار في توفير الكتب التي هي في متناول اليد من حيث سعرها.
أختم
القول بالتأكيد إن صراعنا مع الاحتلال ليس صراعاً يهدف من خلاله إلى قتل الأجساد،
بل قتل العقول حتى يصبح شعبنا بلا علمٍ، بلا ثقافةٍ، بلا معرفةٍ، وهذا سيسهل عليه
كثير عملية السيطرة وينفذ الاحتلال مشاريعه دون أن يجد من يقول له “لا”.
فيا أيها القراء زوروا مكتبة أثر، ستجدون ما يسركم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
اقرأ أيضا: «خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن
