
تجري وزارة الدفاع الأميركية اختبارات لجيل جديد من أنظمة اعتراض الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، في سباق لتقليص الفجوة بين ثمن المسيّرة المهاجمة وكلفة إسقاطها، بعد أن أظهرت الحرب مع إيران، وقبلها الحرب في أوكرانيا، كيف يمكن لأسلحة رخيصة نسبيا أن تستنزف دفاعات جوية باهظة الثمن.
اقرأ أيضا: أمطار رعدية وبرد ورياح نشطة تضرب جازان وعسير والباحة اليوم
وفي مراكز تدريب واختبار داخل الولايات المتحدة، يعمل الجيش الأميركي مع شركات ناشئة ومصنّعين تقليديين على تطوير طائرات اعتراضية، وأنظمة حرب إلكترونية، وبرمجيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، لبناء دفاع متعدد المستويات يمكن استخدامه بأعداد كبيرة من دون استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية المتقدمة.
وأظهرت الحرب في إيران وأوكرانيا قدرة المسيّرات الرخيصة على شن هجمات كثيفة ومتكررة، ما وضع الجيوش أمام معضلة تتجاوز إسقاط الهدف نفسه إلى كلفة الاعتراض وحجم الذخائر التي يمكن إنتاجها والاحتفاظ بها.
وتقدر أبحاث أعدها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) تكلفة بعض طائرات “شاهد” الإيرانية بنحو 20 ألفا إلى 50 ألف دولار، في حين قد تبلغ تكلفة صاروخ دفاع جوي حديث ملايين الدولارات، كما هو الحال مع بعض صواريخ منظومة باتريوت.
وخلال الأشهر الماضية، كثفت وزارة الدفاع الأميركية استثماراتها في تقنيات مكافحة المسيّرات، ووقعت عقودا بملايين الدولارات مع شركات خاصة، ووسعت الاختبارات في ميادينها العسكرية، سعيا إلى اعتراض الطائرات بكلفة أقل وبوسائل يمكن إنتاجها ونشرها بسرعة أكبر.
وتقود “قوة المهام المشتركة بين الوكالات 401″، وهي وحدة متخصصة في مكافحة الطائرات المسيّرة أنشئت في أغسطس 2025، جزءا كبيرا من هذه الجهود. وقالت وزارة الدفاع عند تأسيسها إن هدفها هو تسريع توفير قدرات “ميسورة التكلفة” لمواجهة المسيّرات الصغيرة في الداخل والخارج، بدلا من الاعتماد بصورة أساسية على أنظمة الدفاع التقليدية المكلفة.
ويقول المتحدث باسم القوة آدم شير لـ”الحرة” إن الوحدة تعمل على تقليص “الإجراءات البيروقراطية وتوحيد الموارد من خلال إشراك شركات رأس المال الاستثماري، والشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، وشركات الصناعات الدفاعية غير التقليدية بهدف إيصال معدات فعالة لمكافحة الطائرات المسيّرة بسرعة إلى أيدي القوات العسكرية”.
وتعتمد القوة على اختبارات وتجارب ميدانية متكررة لرصد التقنيات الجديدة وتقييم فعاليتها في ظروف تشغيلية قريبة من ساحة المعركة قبل إدخالها إلى الخدمة على نطاق أوسع.
وقال شير إن “مجموعة متنوعة من فعاليات العروض التوضيحية والاختبارات وعمليات التقييم” تتيح للقوة الحصول بسرعة على التقنيات الواعدة وإيصالها إلى أفراد القوات المسلحة لاستخدامها ميدانيا وتقديم ملاحظاتهم بشأن أدائها.
ويختلف هذا النهج عن دورة شراء الأسلحة التقليدية، التي قد تستغرق سنوات بين ظهور التكنولوجيا واختبارها واعتمادها، إذ تسعى القوة إلى تقليص الفترة الزمنية بين تطوير النظام الدفاعي ووصوله إلى الجنود.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك اتفاق بقيمة 5.2 مليون دولار أبرمته القوة في يناير مع شركة “Perennial Autonomy” لتوفير نظام “Bumblebee V2”.
والنظام عبارة عن طائرة مسيّرة صغيرة مصممة لاعتراض مسيّرات أخرى عبر الاصطدام بها، بدلا من إطلاق صاروخ تقليدي عليها. وقالت القوة إن عمليات التسليم بدأت في مارس، وإن القوات الأميركية أجرت في أبريل أول اختبار عملياتي للنظام مع جنود من الفرقة 82 المحمولة جوا.
ويجسد الاتفاق نوع الحلول التي يبحث عنها البنتاغون، وهي وسائل اعتراض أقل كلفة يمكن استخدامها بأعداد كبيرة مع تقليل الأضرار الجانبية. لكن المسؤولين الأميركيين لا يتوقعون أن تحل تقنية واحدة المشكلة.
فمواجهة هجمات المسيّرات تتطلب، بحسب البنتاغون، دمج أجهزة الاستشعار والرادارات والحرب الإلكترونية ووسائل الاعتراض الحركية والبرمجيات في شبكة واحدة.
وقال شير: “نؤمن بإنشاء دفاع متعدد الطبقات بحيث يتم استخدام الأداة المناسبة في الظروف المناسبة، وتكييف النهج المتبع مع كل سيناريو”.
وفي أغسطس، أطلقت القوة ما وصفته بـ”سوق مكافحة المسيّرات”، وهي منصة إلكترونية تتيح للمستخدمين العسكريين والحكوميين الاطلاع على الأنظمة التي خضعت للاختبار، ومقارنة أدائها وطلب شرائها عبر عقود قائمة، في محاولة لتجاوز بعض الإجراءات التي كانت تؤخر وصول التكنولوجيا الجديدة إلى الميدان.
كما أعلن الجيش الأميركي الأسبوع الماضي فتح عدد من ميادين الاختبار التابعة له أمام شركات خاصة تطور صواريخ وطائرات مسيّرة وأسلحة أخرى، في خطوة أخرى تهدف إلى تسريع التقييم والشراء.
وتشمل الجهود الأميركية استخدام الذكاء الاصطناعي لجعل الطائرات الاعتراضية أكثر استقلالية وقدرة على العمل ضمن أسراب، من دون الحاجة إلى عدد كبير من المشغلين.
وأعلنت شركة “Palladyne AI” الأسبوع الماضي نجاح اختبار ميداني مع الجيش الأميركي باستخدام نظام تشغيل خاص بها وطائرات “Gremlin-X” الصغيرة القابلة لإعادة الاستخدام إذا لم تصب هدفها.
وقال المتحدث باسم الشركة هيث ماير إن نظام التشغيل “SwarmOS” ساعد في تنفيذ عمليات ذاتية شملت عدة طائرات مسيّرة من شركات وموردين مختلفين “في ظل ظروف ميدانية صعبة وواقعية تحاكي ظروف ساحة المعركة”.
وأضاف لـ”الحرة” أن المنصة تتيح لمشغل واحد قيادة مجموعة من الطائرات التي تنسق تحركاتها وتنظم نفسها لتنفيذ المهمة من دون تدخل بشري مستمر.
اقرأ أيضا: الذهب يرتفع 0.3% مع تراجع الدولار وتراجع توقعات رفع الفائدة
ولم يحدد ماير موعدا لاستخدام هذه التقنية في القتال، لكنه قال إن النظام أثبت كفاءته في اختبارات طيران فعلية شملت منصات متعددة ومختلفة.
ويزداد عامل الوقت أهمية في ظل المخاوف من تجدد العمليات القتالية في الشرق الأوسط مع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران بشأن مضيق هرمز.
وخلص تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الشهر الماضي إلى أن الصراع مع إيران استنزف مزيدا من مخزونات الجيش الأميركي من الصواريخ الاعتراضية المتطورة، بينها باتريوت وثاد، وهي مخزونات كانت تواجه ضغوطا بالفعل قبل الحرب.
وأشار التحليل إلى أن نقص هذه الصواريخ قد يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط إلى قبول مستويات أعلى من المخاطر للحفاظ على مخزونات الدفاع الجوي المخصصة للتهديدات الأكثر خطورة.
وتقول لورين كان، المستشارة السابقة للسياسات في البنتاغون والمحللة البحثية البارزة حاليا في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورج تاون، إن جوهر المشكلة بالتباين في الكلفة بين الهجوم والدفاع.
وقالت لـ”الحرة”: المشكلة الحقيقية هي اختلال التكلفة. نحن نرى بوضوح كيف يمكن لهذه الموجات من الطائرات المسيّرة والذخائر الرخيصة أن تفرض تكاليف كبيرة عندما تُستخدم بأعداد كبيرة”.
وأضافت: “هذا الاختلال يضع الجيوش أمام معضلة في كل مرة تدخل فيها طائرة مسيّرة إلى المجال الجوي: هل يستحق الأمر استخدام صاروخ اعتراضي باهظ الثمن لإسقاط هدف قد تكون كلفته جزءا صغيرا من تكلفة الصاروخ؟”.
وترى كان أن خفض كلفة الاعتراض لا يحل المشكلة بالكامل. فحتى إذا نجحت الولايات المتحدة في تطوير أنظمة أرخص، يبقى السؤال ما إذا كانت قاعدة التصنيع الدفاعي قادرة على إنتاجها بالسرعة والحجم المطلوبين لحرب طويلة تقوم على الهجمات الكثيفة والمتكررة.
ولم يجب المتحدث باسم “قوة المهام المشتركة بين الوكالات 401” على أسئلة بشأن الجدول الزمني لنقل التقنيات الحالية من الاختبار إلى الميدان، أو بشأن الكيفية التي يعتزم البنتاغون بها معالجة مشكلة كلفة التصدي للمسيرات على نطاق واسع.
وقال شير: “لا يوجد حل سحري واحد لمواجهة الطائرات المسيّرة، كما لا توجد حزمة واحدة تناسب كل قاعدة عسكرية أو كل منشأة للبنية التحتية الحيوية”.
وأضاف أن قدرات مكافحة المسيّرات “لا تقتصر على المعدات، وإنما تشمل أيضا التدريب الفعال، إلى جانب السياسات والتصاريح اللازمة لحماية أفراد القوات المسلحة والبنية التحتية الحيوية في الداخل والخارج”.
اقرأ أيضا: انخفاض طفيف على الحرارة الاثنين وارتفاع تدريجي الأربعاء…
