من الجاني في حوادث عمال اليومية؟ – الأسبوع

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

«أريد أن أرى أمي».. كانت تلك هي الكلمات الأخيرة التي قالتها شقيقة إحدى ضحايا الحادث لأختها، قبل أن تفارق الحياة بين يديها، في مشهد إنساني قاسٍ يلخص مأساة أكبر من حادث طريق.

اقرأ أيضا: «الجمهور ينتظر الوفاء».. نادية مصطفى توجه رسالة لمسؤولي مهرجان القلعة بسبب هاني شاكر

طفلة أو شابة خرجت مع أسرتها بحثًا عن لقمة العيش، فعادت إلى أهلها جثة هامدة، بينما بقيت صرخات الأخت ونداؤها على أمها وأختها شاهدة على الثمن الذي قد يدفعه الفقر حين يدفع الأطفال إلى العمل.

ففي منطقة «الدواويس» التابعة لمركز القصاصين بالإسماعيلية، وقع حادث تصادم لسيارة تقل عمالًا، وخلف ضحايا ومصابين، بينهم أطفال، وفق ما أوردته الروايات المتداولة عن الحادث.

ولم تكن المأساة في لحظة التصادم وحدها، بل في السؤال الذي تركته خلفها: لماذا كان أطفال في التاسعة وما فوق في طريقهم إلى العمل الزراعي بدلًا من المدرسة، أو حتى قضاء الإجازة الصيفية بأمان؟

الإجابة لا تبدأ من الطريق، وإنما من أرقام تكشف اتساع الظاهرة. فوفق ورقة حقائق لمنظمة العمل الدولية، منشورة في يناير 2025، واستندت إلى المسح الوطني لعمالة الأطفال في مصر لعام 2023، يوجد نحو 4.2 مليون طفل عامل في مصر، بينهم 3.7 مليون طفل في أعمال خطرة أو غير قانونية. وهذه الأرقام تجعل عمالة الأطفال قضية مجتمعية واسعة، لا حوادث فردية منفصلة.

وتكشف بيانات منظمة العمل الدولية أن الأطفال في المناطق الريفية أكثر عرضة للانخراط في العمل بنحو الضعف مقارنة بأطفال المدن. كما تؤكد أحدث التقديرات المشتركة لمنظمة العمل الدولية واليونيسف أن الزراعة تستحوذ عالميًا على 61% من عمالة الأطفال، أي نحو 84 مليون طفل. فالعمل الزراعي غالبًا ما يجري في مزارع صغيرة أو أسرية، وفي بيئات يصعب فيها اكتشاف المخالفات ومراقبة ظروف العمل.

وفي مصر، تزداد هشاشة هذا القطاع بسبب اتساع الاقتصاد غير الرسمي. ووفق مراجعة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للسياسات الزراعية في مصر، الصادرة عام 2026، تمثل العمالة غير الرسمية نحو 67% من إجمالي العاملين، بينما تصل نسبتها داخل القطاع الزراعي إلى 97% في 2025. ومع هذه الدرجة العالية من العمل غير الرسمي، تصبح مراقبة أعمار العمال، وساعات العمل، والأجور، ووسائل النقل، وشروط السلامة أكثر تعقيدًا.

لكن الفقر لا يعني فقط انخفاض دخل الأسرة. فالفقر متعدد الأبعاد يعني تراكم الحرمان في مجالات أساسية، بينها التعليم والصحة والسكن والخدمات والحماية الاجتماعية والأمن الغذائي. ويؤكد تحليل اليونيسف وشركائها المنشور في 2024 أن الفقر متعدد الأبعاد في مصر أعلى في الريف منه في الحضر، وأن الحرمان من الخدمات يمثل أحد العوامل الرئيسية في اتساع الفجوة.

وهنا تلتقي حلقات عدة، كما يقول أمجد فتحي، المستشار السابق للمجلس القومي لحقوق الإنسان، فهناك أسرة تعاني ضغوطًا اقتصادية، وقرية تقل فيها الفرص، وقطاع زراعي يعتمد بدرجة كبيرة على العمالة غير الرسمية، وطفل يمكن أن يتحول من طالب إلى عامل خلال وقت قصير.

لذلك، فإن خروج الطفل إلى العمل ينبغي ألا يُقرأ دائمًا باعتباره قرارًا أسريًا منفصلًا، بل باعتباره نتيجة لضغوط اجتماعية واقتصادية متراكمة تحتاج إلى تدخلات تحمي الأسرة والطفل معًا.

ولذلك، والكلام لأمجد فتحي، فإن الخطر لا يبدأ عند وصول الطفل إلى الحقل، فقد يبدأ قبل ذلك، في وسيلة نقل مكتظة أو غير مناسبة، وفي رحلة فجرية طويلة، وفي غياب واضح للضمانات التي تحيط بالعمال في القطاع الرسمي. وعندما يكون الطفل في التاسعة من عمره، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: كيف وصل إلى مكان العمل أصلًا؟ ومن استقبله؟ ومن كان مسؤولًا عن نقله؟ وهل كانت الأسرة تملك بديلًا حقيقيًا؟

القانون لا يكفي:

القانون موجود، كما تشير هناء عطافي، المحامية المهتمة بشؤون الأسرة، لكن وجوده وحده لا يكفي. فقانون العمل رقم 14 لسنة 2025 وضع إطارًا لحماية الأطفال، وأكد حظر تشغيل من لم يتم الخامسة عشرة، مع السماح بالتدريب المهني من سن الرابعة عشرة وفق ضوابط، كما حدد ساعات العمل للأطفال المسموح لهم بالعمل بست ساعات يوميًا، ومنع تشغيلهم ساعات إضافية أو خلال أيام الراحة والعطلات، وحظر تشغيلهم ليلًا. وأصدرت وزارة العمل في مارس 2026 قرارًا ينظم تشغيل وتدريب الأطفال ويحظر تشغيلهم في المهن الخطرة.

لذلك، والكلام لهناء عطافي، فإن حادث الإسماعيلية يجب ألا ينتهي عند تحديد مسؤولية التصادم وحدها. المطلوب هو النظر إلى السلسلة التي سبقت الحادث، مثل الفقر، والتسرب من التعليم، والاقتصاد غير الرسمي، وتشغيل الأطفال، ثم النقل غير الآمن. فكل حلقة منها يمكن أن تفتح الطريق أمام مأساة جديدة.

اقرأ أيضا: اليوم.. هبوط مؤشرات البورصة ورأس المال يفقد 22 مليار جنيه – الأسبوع

فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من تسبب في الحادث؟ بل: لماذا كان طفل في التاسعة، وفتاة في السادسة عشرة، وأطفال آخرون في طريقهم إلى العمل قبل أن يكونوا في طريقهم إلى المستقبل؟

لأن أخطر ما في عمالة الأطفال أنها لا تسلب الطفل المدرسة واللعب والحلم فقط، بل قد تجعل العودة إلى البيت أمنية لا يملك بعض الصغار فرصة تحقيقها.

وهو ما يتفق معه أمجد فتحي، فالحماية الحقيقية تبدأ من دعم دخل الأسر الأكثر هشاشة، وضمان استمرار الأطفال في التعليم، وتوفير آليات لرصد عمالة الأطفال في القرى والمزارع، وتشديد الرقابة على الوسطاء وأصحاب العمل ووسائل النقل.

كما تحتاج الدولة والمجتمع المدني إلى بيانات محلية تكشف أين يتركز الأطفال العاملون، وما أعمارهم، وما نوع الأعمال التي يؤدونها، وكيف يصلون إليها. فكل طفل يخرج من المدرسة إلى العمل يمثل إنذارًا مبكرًا، وكل رحلة تضم أطفالًا يجب أن تكون موضع مساءلة قبل أن تتحول إلى خبر عن ضحايا جدد.

إن إنقاذ الطفولة لا يبدأ بعد وقوع الكارثة، وإنما قبلها، حين تصبح المدرسة أكثر أمانًا من الحقل، والبيت أكثر قدرة على الصمود، والعمل اللائق للكبار هو الطريق الطبيعي لإطعام الأسرة، لا عمل الصغار، في مواجهة الفقر، وحماية مستقبلهم.

اقرأ أيضاًأسوان تحقق إنجازًا قياسيًا.. توريد أكثر من نصف مليون طن قمح خلال موسم 2026

فرص عمل مزيفة.. القبض على المتهم بإدارة كيان تعليمي وهمي بالقليوبية

وزيرة التنمية المحلية ومحافظ الغربية يبحثان إحكام منظومة المخلفات.. وتوجيهات بإغلاق المقالب العشوائية

اقرأ أيضا: الحسين عموتة يعقد جلسات خاصة مع لاعبي كل مركز في الأهلي.. اعرف التفاصيل

‫0 تعليق