منذ 11 سبتمبر إلى اتفاق مكة.. هل بدأ أفول التفوق الأمريكي؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

منذ هجمات
11 أيلول/ سبتمبر 2001، تبنى عدد من المفكرين والكتاب وخبراء العلاقات الدولية
سردية تقول إن العالم دخل، منذ ذلك التاريخ، مرحلة مختلفة في مسار القوة
الأمريكية، وأن ما بدا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي باعتباره لحظة الانتصار
النهائي للنموذج الأمريكي لم يكن سوى قمة صعود سبقتها بداية رحلة طويلة نحو
التراجع.

اقرأ أيضا: صندوق أبوظبي للتنمية يؤكد دور الشراكات في دعم الأمن المائي بأفريقيا

ولعل
المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي كان من أكثر الذين نظّروا مبكراً لهذه الفكرة، إذ لم
يرَ في ضرب برجي مركز التجارة العالمي المشكلة الأكبر، بقدر ما رأى المشكلة في
الطريقة التي اختارت بها الإدارة الأمريكية التعامل مع الحدث.

وبعيداً
عن الاتفاق أو الاختلاف مع تشومسكي، فإن السنوات الخمس والعشرين التالية تضع
أمامنا مجموعة من المنعطفات الكبرى التي يصعب النظر إليها منفصلة عن بعضها. فهل
كانت تلك مجرد أخطاء في إدارة القوة الأمريكية؟ أم أنها كانت إشارات مبكرة إلى
بداية أفول التفوق الأمريكي؟

11 سبتمبر.. عندما فشل المركز في حماية نفسه

كان الفشل
الاستخباري الذي سمح بتنفيذ هجمات 11 سبتمبر واحداً من أكبر الإخفاقات في تاريخ
أجهزة الأمن والاستخبارات الأمريكية، لكن الأخطر من الفشل ذاته كان ما أعقبه. فقد
اختارت واشنطن أن تواجه التهديد بإعادة تشكيل البيئة الدولية المحيطة بها، فدخلت
أفغانستان، ثم العراق، ثم انخرطت في حرب عالمية طويلة على ما أسمته الإرهاب، امتدت
آثارها إلى مناطق واسعة من العالم.

وهنا بدأت
تظهر ثلاث مشكلات استراتيجية:

الأولى:
أن المركز الأمريكي لم يعد قادراً على منع تهديد استراتيجي كبير من الوصول إلى
أراضيه.

والثانية:
أن التفوق العسكري الهائل لم يتحول بالضرورة إلى تفوق سياسي مماثل.

والثالثة،
وربما الأخطر: أن الولايات المتحدة بدأت تدفع ثمناً متزايداً للحفاظ على نظام
إقليمي ودولي أصبحت إدارته أكثر كلفة وتعقيداً.

أفغانستان
والعراق.. الانتصار العسكري والهزيمة السياسية

احتاجت
الولايات المتحدة إلى أسابيع لإسقاط نظام طالبان، وإلى أسابيع قليلة لإسقاط نظام
صدام حسين، لكنها احتاجت عشرين عاماً تقريباً للخروج من أفغانستان، كما انتهت
مغامرتها العراقية إلى انسحاب ترك وراءه دولة ونظاماً سياسياً مختلفين تماماً عما
أرادته واشنطن في البداية. وهنا تكمن المفارقة؛ أمريكا استطاعت أن تكسب الحرب،
لكنها لم تستطع بالقدر نفسه أن تفرض النموذج الذي أرادته.

وهذه ليست
مسألة عسكرية بقدر ما هي مسألة تتعلق بطبيعة القوة العظمى. فالقوة لا تقاس فقط
بعدد حاملات الطائرات والطائرات المقاتلة والصواريخ، وإنما بقدرة الدولة على تحويل
هذه القوة إلى نتائج سياسية مستدامة.

لقد كانت
كلفة حروب ما بعد 11 سبتمبر هائلة، وقد تحدثت كوندليزا رايس نفسها، في مذكراتها،
عن أرقام ضخمة للفاتورة المالية لهذه الحروب. وبغض النظر عن اختلاف التقديرات
التفصيلية، فإن الحقيقة الأساسية لا تحتاج إلى كثير من الجدل: الولايات المتحدة
أنفقت تريليونات الدولارات في حرب طويلة لم تنتهِ إلى النظام العالمي الأكثر أمناً
الذي وعدت به.

ثم جاءت
اللحظة الأكثر دلالة؛ أفغانستان، فقد خرجت الولايات المتحدة، لا باعتبارها قوة
مهزومة عسكرياً، وإنما باعتبارها قوة أدركت أن استمرار الحرب أصبح أكثر كلفة من
نتائجها المحتملة.

وهنا ظهر
لأول مرة بوضوح سؤال مختلف: إلى
أي مدى تستطيع أمريكا أن تحافظ على مصالحها عبر الأطراف دون أن تستنزف نفسها في
إدارتها؟

معضلة
الصين.. عندما لم يستطع المركز منع صعود منافس جديد

في الوقت
الذي كانت فيه واشنطن تخوض حروبها في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، كانت الصين تبني
شيئاً آخر تماماً؛ اقتصاداً، وتكنولوجيا، وبنية تحتية، وشبكات تجارة، ونفوذاً
متزايداً في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وحين أدركت الولايات المتحدة حجم
التحدي الصيني، انتقلت إلى سياسة الاحتواء والمنافسة، مستخدمة أدوات تجارية
وتكنولوجية ومالية واسعة.

لكن
المشكلة أن واشنطن، رغم قدرتها على إبطاء بعض المسارات الصينية، لم تستطع وقف
المسار نفسه. الصين لم تصبح قوة عظمى لأن أمريكا سمحت لها بذلك، وإنما لأنها
أصبحت، تدريجياً، قوة يصعب منع صعودها.

وهنا ظهر
تغير جوهري في النظام الدولي: لأول
مرة منذ نهاية الحرب الباردة، لم تعد الولايات المتحدة تواجه أطرافاً يمكن
احتواؤها واحداً تلو الآخر، وإنما منافساً قادراً على إنتاج القوة الاقتصادية
والتكنولوجية والجيوسياسية في الوقت نفسه.

الشرق
الأوسط.. تآكل حدود الردع

إذا كان
العراق وأفغانستان قد كشفا حدود استخدام القوة الأمريكية، فإن الشرق الأوسط خلال
السنوات الأخيرة كشف شيئاً أكثر حساسية: حدود الردع الأمريكي نفسه.

لقد بنت
الولايات المتحدة شبكة هائلة من القواعد والقوات والتحالفات في المنطقة، وكانت هذه
الشبكة أحد أهم مصادر الردع والاستقرار الأمريكي. لكن عندما تصبح القواعد
الأمريكية نفسها عرضة للاستهداف، وعندما يصبح الحلفاء غير متأكدين من قدرة واشنطن
على حمايتهم في كل الظروف، فإن قيمة المظلة الأمريكية تبدأ في التغير.

لا يعني
ذلك أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها العسكرية، بل ربما العكس تماماً. المشكلة أن
السؤال لم يعد: هل تستطيع أمريكا أن تضرب؟
وإنما: ماذا سيحدث بعد أن تضرب؟ وهذا سؤال أكثر خطورة؛ لأن الردع لا يقوم فقط على
القدرة على توجيه الضربة، وإنما على إقناع الخصم بأن النتائج التي ستترتب عليها
ستكون أسوأ من أي مكاسب يتوقع تحقيقها. وعندما يبدأ الخصم في اختبار هذه المعادلة،
يبدأ الردع نفسه في التآكل.

اتفاق مكة..
هل بدأ الحلفاء يبحثون عن مظلة أخرى؟

ربما كانت
الإشارة الأكثر إثارة في هذا السياق هي الإعلان عن اتفاق دفاعي مشترك بين السعودية
وتركيا وباكستان. ليس مهماً هنا فقط مضمون الاتفاق، وإنما دلالته السياسية
والاستراتيجية. ثلاث دول إقليمية كبرى، لكل منها ثقلها الجيوسياسي والعسكري
والاقتصادي، تقرر بناء صيغة أمنية مشتركة في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.

اقرأ أيضا: عدل 3.. توزيع أولى السكنات في الفاتح من نوفمبر – النهار أونلاين

وقد يكون
هذا، من وجهة نظر أمريكية، جزءاً من عملية طالما أرادتها واشنطن: أن يتحمل الحلفاء
الإقليميون قدراً أكبر من أعباء أمنهم، وأن تتراجع الولايات المتحدة عن إدارة
التفاصيل اليومية للشرق الأوسط. لكن هناك فرقاً دقيقاً بين تقاسم الأعباء
والاستقلال عن المظلة الأمريكية: الأول يخدم الاستراتيجية الأمريكية، أما الثاني
فيعيد رسمها.

وهنا
تحديداً تكمن أهمية اتفاق مكة، فإذا انضمت مصر لاحقاً، أو لحقت بها دول إقليمية
أخرى، فقد لا نكون أمام تحالف دفاعي محدود، وإنما أمام بداية تشكل بنية أمنية
إقليمية جديدة.

والسؤال
الذي يفرض نفسه عندها: هل
تساعد هذه الترتيبات الولايات المتحدة على الانسحاب المنظم من إدارة المنطقة، أم
أنها تعكس ببساطة أن الأطراف بدأت تستعد لعالم لم تعد فيه واشنطن قادرة على ضمان
أمنها كما كانت تفعل؟

من “أمريكا
أولاً” إلى “العالم متعدد المراكز”

ربما يكون
الخطأ الأكبر هو النظر إلى هذه التطورات باعتبارها دليلاً على سقوط الولايات
المتحدة، لا أحد يستطيع أن يقول ذلك بجدية. أمريكا لا تزال القوة العسكرية
والمالية والتكنولوجية الأكثر تأثيراً في العالم، ولا يزال الدولار في قلب النظام
المالي الدولي، ولا تزال واشنطن تمتلك شبكة تحالفات لا تمتلكها أي قوة أخرى.

لكن القوة
العظمى لا تبدأ في الأفول عندما تصبح ضعيفة، وإنما تبدأ في الأفول عندما تصبح
قوتها أقل قدرة على إنتاج النتائج التي كانت تنتجها من قبل. وهذا هو المتغير الذي
يستحق المراقبة.

منذ 11
سبتمبر، أخفقت واشنطن في منع تهديد استراتيجي هائل من الوصول إلى أراضيها، وخاضت
حربين طويلتين انتهتا بانسحابات مكلفة، وأنفقت تريليونات الدولارات، وفشلت في وقف
الصعود الصيني، وواجهت تآكلاً تدريجياً في حدود ردعها بالشرق الأوسط، وبدأ حلفاؤها
أنفسهم في البحث عن صيغ أمنية أكثر استقلالاً.

قد تكون
كل واحدة من هذه الوقائع قابلة للتفسير منفردة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتراكم
الوقائع. فالتاريخ لا يصنع التحولات الكبرى من حادث واحد، وإنما من سلسلة من
المؤشرات التي لا تبدو خطيرة كل واحدة منها بمفردها، ثم يتضح بعد سنوات أنها كانت
ترسم اتجاهاً واحداً.

ربما لا
تكون الولايات المتحدة في طريقها إلى السقوط، وربما تستطيع واشنطن، مرة أخرى، أن
تعيد ترتيب أوراقها وتستعيد زمام المبادرة، لكن السؤال الذي لم يعد من السهل
تجاهله هو: هل ما نشهده مجرد إعادة
تموضع للقوة الأمريكية، أم أننا نشهد بالفعل البدايات الأولى لأفول التفوق
الأمريكي؟

قد تكون
الإجابة النهائية على هذا السؤال بحاجة إلى سنوات، لكن المؤكد أن العالم الذي كان
فيه المركز الأمريكي قادراً على ضبط إيقاع الأطراف كما يشاء، لم يعد هو العالم
نفسه. وهذه، في حد ذاتها، ربما تكون بداية القصة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: غجيميس يحدد وجهته المستقبلية ! – النهار أونلاين

‫0 تعليق