كتاب يوثق جهود أطباء أردنيين في مستشفيات القطاع أثناء حرب الإبادة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لا يكتفي كتاب “أبطال الأردن وغزة..
الدم الواحد” للدكتور طارق طهبوب، استشاري التخدير والعناية المركزة ونقيب
الأطباء الأردنيين الأسبق، بسرد أسماء أطباء أردنيين وصلوا إلى قطاع غزة خلال
الحرب، بل يقدم شهادة توثيقية على الدور الذي أداه هؤلاء في المستشفيات وغرف
العمليات، وعلى تجربة اختلط فيها العمل الطبي بالمسؤولية الإنسانية في واحدة من
أكثر البيئات الصحية قسوة في العالم. ومن خلال شهادات وتجارب أطباء وطواقم طبية
وتمريضية وفنية، يرصد الكتاب كيف تحولت المهنة إلى وسيلة لمد جسور التضامن بين
الأردن وغزة، عبر الجراحة والعلاج والتدريب ونقل الخبرات، فيما برز المستشفى
الميداني الأردني كأحد أبرز عناوين الحضور الطبي الأردني في القطاع.

اقرأ أيضا: فن الركوب فوق أمواج الجنوب

كتاب يحفظ ذاكرة المهنة في زمن الحرب

ينطلق طهبوب في كتابه من فكرة أساسية مفادها
أن ما جرى في مستشفيات غزة خلال الحرب لا ينبغي أن يبقى مجرد وقائع متفرقة أو
ذكريات شخصية لأطباء عادوا من القطاع، بل يستحق أن يتحول إلى سجل يحفظ للأجيال
جانباً من تاريخ الطب العربي في لحظة استثنائية.

فالكتاب لا يتعامل مع الأطباء بوصفهم شخصيات
بطولية منفصلة عن سياقها، وإنما يضع تجاربهم ضمن صورة أوسع لدور المهنة الطبية في
أوقات الحروب والأزمات، حين يصبح الطبيب مطالباً بممارسة اختصاصه في ظروف تتجاوز
حدود المستشفى التقليدي، من نقص الأدوية والمستلزمات إلى انقطاع الكهرباء، وصولاً
إلى القصف والنزوح والضغط الهائل على أقسام الطوارئ والعمليات.

ومن هنا تأتي قيمة التوثيق؛ إذ إن تفاصيل
العمل الطبي في الحرب غالباً ما تختفي خلف الأرقام الكبيرة للضحايا والجرحى، بينما
تظل قصص الأطباء والممرضين والمسعفين والفنيين الذين تعاملوا مع هذه الحالات بعيدة
عن الصورة الإعلامية اليومية.

إذا كان الكتاب يخلد أسماء أطباء وتجارب محددة، فإنه في جوهره يخلد فكرة أوسع: أن الطبيب يستطيع أن يحمل رسالته إلى حيث تكون الحياة أكثر حاجة إلى من يحميها، وأن الحدود التي تفصل بين المدن والدول لا ينبغي أن تكون أقوى من رابطة الإنسان بالإنسان.

ويحاول الكتاب استعادة هذه التفاصيل، وإبراز
الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم أمام مهمة مزدوجة: علاج المرضى والجرحى، والمساعدة في
إبقاء المنظومة الصحية قادرة على العمل في ظروف تكاد تعطلها بالكامل.

أطباء من الأردن إلى غرف عمليات غزة

تتوزع صفحات الكتاب على تجارب عدد من
الأطباء الأردنيين الذين وصلوا إلى غزة في تخصصات مختلفة، بعضهم شارك في مهمات
متعددة، فيما عمل آخرون في ظروف قاسية داخل المستشفيات والمنشآت الطبية.

وتشمل التجارب عمليات جراحية وعلاج حالات
حرجة، إلى جانب المساهمة في التدريب والتعليم الطبي ونقل الخبرة إلى الكوادر
الفلسطينية التي وجدت نفسها أمام أعداد هائلة من المصابين وإمكانات محدودة.

ولا يقدم الكتاب هذه المشاركات باعتبارها
بديلاً عن الطواقم الفلسطينية، بل باعتبارها دعماً لها، إذ كان الهدف في كثير من
الحالات تعزيز قدرة الأطباء المحليين على التعامل مع الحالات المتزايدة، وتبادل
الخبرات والتجارب في تخصصات تحتاج إليها المستشفيات بصورة عاجلة.

وهذه النقطة تمنح التجربة بعداً يتجاوز
إرسال أطباء لفترة محدودة؛ فالاستفادة من الخبرة الطبية لا تتوقف عند إجراء
العملية، وإنما يمكن أن تستمر عبر التدريب والتعليم ونقل التقنيات والمعارف إلى
الكوادر الموجودة في القطاع.

المستشفى الميداني الأردني.. حضور مستمر في
غزة

يحتل المستشفى الميداني الأردني موقعاً
مركزياً في الرواية التي يقدمها الكتاب، باعتباره أحد أبرز مظاهر الحضور الطبي
الأردني في غزة.

فطواقم المستشفى الميداني تضم أطباء وممرضين
وفنيين وعناصر من مختلف الاختصاصات، وتعمل ضمن منظومة متكاملة تتطلب استعداداً
مستمراً للتعامل مع الحالات الطارئة والجرحى والمرضى.

ويشير الكتاب إلى أن كثيراً ممن شاركوا في
هذه المهمة وبذلوا جهوداً كبيرة لم تُذكر أسماؤهم، وفي مقدمتهم أفراد فريق
المستشفى الميداني الأردني، في إشارة إلى أن التوثيق لا يمكن أن يستوعب بالضرورة
أسماء جميع من شاركوا في العمل.

ويصف طهبوب وصول كوادر المستشفى الميداني
الأردني إلى غزة بأنه كان من العوامل التي جددت لديه الرغبة في الكتابة والتوثيق،
مع تجدد الوفود الطبية وتعدد الأطباء الذين عرفهم في غرف العمليات واحتكوا مباشرة
بجرحى القطاع ومرضاه.

وفي هذا السياق، يلخص طهبوب نظرته إلى
العلاقة بين الأردن وفلسطين بعبارة: “الأردن هو رئة فلسطين”، وهي عبارة تختصر
في الكتاب رؤية للعلاقة تتجاوز الموقف السياسي إلى شبكة واسعة من الروابط
الإنسانية والاجتماعية والطبية.

الطب في مواجهة الحرب

تكشف القصص التي يجمعها الكتاب عن واقع
مختلف تماماً عن البيئة التي يعمل فيها الطبيب في الظروف الطبيعية.

ففي غزة، لم تكن غرف العمليات منفصلة عن
أصوات الحرب، ولم تكن الطواقم الطبية تعمل في ظل استقرار يسمح لها بالتخطيط المسبق
لكل إجراء، بل وجدت نفسها أمام تدفق متواصل من الحالات، بعضها شديد التعقيد، في ظل
نقص الموارد وضغوط العمل والإرهاق.

وهنا يصبح قرار الطبيب بالذهاب إلى منطقة
حرب بحد ذاته جزءاً من القصة. فالطبيب الذي يدخل القطاع يعرف أنه لا يصل إلى مستشفى يعمل في ظروف
اعتيادية، وإنما إلى نظام صحي يعاني من ضغوط استثنائية، وأن مهمته قد تتطلب العمل
لساعات طويلة والتعامل مع إصابات جماعية وحالات طبية لا تسمح طبيعتها بالانتظار.

ويحاول طهبوب من خلال شهاداته وشهادات
المشاركين نقل جانب من هذه التجربة إلى القارئ، بحيث لا تبدو عبارة “مهمة طبية” وصفاً إدارياً بارداً، بل تجربة إنسانية ومهنية لها كلفتها وتحدياتها.

من الجراحة إلى التعليم ونقل الخبرة

ولا تقتصر أهمية البعثات الطبية، وفق ما
يقدمه الكتاب، على علاج المرضى والجرحى. ففي بيئة تتعرض فيها المؤسسات الصحية لضغوط متواصلة، يصبح الحفاظ على
المعرفة الطبية وتطويرها جزءاً من الاستجابة للأزمة.

ولهذا شارك الأطباء الأردنيون في تدريب
كوادر فلسطينية وتبادل الخبرات، إلى جانب العمل السريري المباشر.

ويمنح هذا الجانب التجربة بعداً طويل الأمد،
لأن الطبيب الزائر قد يغادر القطاع بعد انتهاء مهمته، لكن المهارة التي ينقلها إلى
طبيب فلسطيني يمكن أن تبقى وتنتقل بدورها إلى مرضى آخرين.

كما أن التعاون بين الأطباء من البلدين يخلق
شبكة مهنية تتجاوز فترة الحرب، وتوفر أساساً لتبادل الخبرات في المستقبل، خصوصاً
في التخصصات الطبية الدقيقة التي تحتاج إلى تدريب مستمر.

أسماء كثيرة خلف المشهد

من السمات اللافتة في الكتاب أنه لا يحصر
البطولة في أسماء الأطباء المعروفين، وإنما يلفت إلى عشرات وربما مئات الأشخاص
الذين ساهموا في إنجاح المهمات الطبية من خلف الكواليس. فالمستشفى لا يعمل بالطبيب
وحده.

هناك الممرضون والمسعفون والفنيون والصيادلة
والإداريون وسائقو سيارات الإسعاف والعاملون في الخدمات الطبية، وكل واحد منهم
يمثل حلقة في سلسلة إنقاذ المرضى.

ولهذا يصر الكتاب على إبراز فكرة الفريق،
حتى عندما يضطر السرد إلى التركيز على أسماء محددة.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة في حالة المستشفى
الميداني الأردني، الذي يقوم على منظومة متكاملة من الكوادر، لا على أفراد منفردين.

بين الأردن وغزة.. علاقة تتجاوز السياسة

لا يطرح الكتاب العلاقة بين الأردن وغزة
باعتبارها علاقة طارئة فرضتها الحرب، وإنما يضع الدور الطبي في سياق أوسع من
الروابط التاريخية والاجتماعية والإنسانية بين الأردن وفلسطين. فالأطباء الذين ذهبوا إلى
القطاع لم يصلوا إلى بيئة مجهولة تماماً بالنسبة إلى الأردن، وإنما إلى مجتمع
يرتبط بالأردنيين بعلاقات عائلية واجتماعية وتاريخية وثيقة.

وتصبح المهنة الطبية في هذه الحالة واحدة من
أكثر الأدوات وضوحاً في التعبير عن هذه الروابط، لأنها تقوم في أساسها على مبدأ
إنساني يتجاوز الحدود والجنسية.

من السمات اللافتة في الكتاب أنه لا يحصر البطولة في أسماء الأطباء المعروفين، وإنما يلفت إلى عشرات وربما مئات الأشخاص الذين ساهموا في إنجاح المهمات الطبية من خلف الكواليس. فالمستشفى لا يعمل بالطبيب وحده.

فالطبيب عندما يعالج جريحاً لا يسأله عن
هويته السياسية قبل أن يقدم له الرعاية، كما أن المريض لا يحتاج إلى تفسير معنى
التضامن حين يجد أمامه طبيباً جاء من خارج القطاع لمساعدته.

ومن هنا تبدو عبارة «الدم الواحد» في عنوان
الكتاب أكثر من مجرد عنوان رمزي؛ فهي تعكس محاولة لقراءة الدور الطبي باعتباره
تعبيراً عن وحدة المصير الإنساني بين مجتمعين متقاربين.

التوثيق في مواجهة النسيان

الحرب تخلق فائضاً من الأحداث، لكنها في
الوقت نفسه تهدد بتبديد التفاصيل. فمع مرور الوقت، قد تختفي أسماء أطباء وفرق طبية شاركت في مهمات
استثنائية، وقد تتراجع شهادات المرضى والعاملين إلى هامش الذاكرة، فيما تبقى
الأرقام العامة للحرب هي الصورة الأكثر حضوراً.

ولهذا يكتسب الكتاب أهمية توثيقية تتجاوز
قيمته الأدبية أو الإنسانية. فهو يحاول أن يحفظ شهادات وتجارب يمكن أن تصبح لاحقاً مادة لدراسة
تاريخ الاستجابة الطبية العربية للحروب، وطبيعة التعاون بين المؤسسات الصحية في
أوقات الأزمات.

كما يمكن أن يمثل الكتاب جزءاً من أرشيف
أوسع لدور الأطباء العرب في مناطق النزاع، وهو أرشيف لا يزال بحاجة إلى مزيد من
التوثيق والدراسة.

الطبيب كشاهد على الحرب

تمنح المهنة الطبية الطبيب موقعاً خاصاً في
الحروب؛ فهو لا يشاهد آثار القصف من بعيد، وإنما يتعامل معها في أجساد البشر.

والطبيب الذي يعمل في قسم الطوارئ يرى
الإصابات في لحظتها الأولى، بينما يشاهد الجراح نتائج العنف داخل غرفة العمليات،
ويرى طبيب التخدير الحالات التي تحتاج إلى تدخل سريع للحفاظ على الحياة.

ومن خلال هذه الزاوية، يقدم الكتاب شهادة
غير سياسية بالمعنى التقليدي، لكنها شديدة الدلالة الإنسانية.

فالطبيب لا يحتاج إلى وصف الحرب من خلال
الشعارات؛ يكفي أن يروي حالة مريض أو جريح وصل إلى المستشفى، أو عملية أجريت في
ظروف صعبة، لكي تظهر أمام القارئ الكلفة الإنسانية للنزاع.

“الأردن هو رئة فلسطين”

تحضر عبارة طهبوب “الأردن هو رئة
فلسطين” بوصفها مفتاحاً لفهم الروح التي يقوم عليها الكتاب. فالرئة هنا ليست فقط رمزاً
للتنفس، وإنما صورة لدور يمكن أن تؤديه المؤسسات والأفراد في إبقاء الحياة مستمرة
وسط ظروف الاختناق والحصار والدمار.

اقرأ أيضا: جو 24 : كيفية حساب النقاط (Pips) في المؤشرات الاصطناعية: دليل للمبتدئين

وإذا كان الكتاب يوثق الأطباء الذين دخلوا
غرف العمليات، فإنه يوثق في الوقت ذاته علاقة أوسع بين مجتمعين، حيث تتحول
المساعدة الطبية إلى شكل من أشكال التواصل والتضامن.

ومن هذه الزاوية، يصبح المستشفى الميداني
أكثر من منشأة صحية؛ إنه مساحة يلتقي فيها الطبيب الأردني بالمريض الفلسطيني،
وتلتقي فيها الخبرة الطبية الأردنية بالحاجة الصحية في غزة.

رسالة إلى الأجيال

يبدو أن أحد الأهداف الأساسية للكتاب هو ألا
تبقى هذه التجارب مرتبطة بجيل الحرب وحده. فالأطباء الذين شاركوا في
المهمات الطبية قد يتحدثون عنها أمام زملائهم وعائلاتهم، لكن التوثيق المكتوب
يمنحها فرصة للوصول إلى أجيال لم تعش تلك الظروف.

وهنا يتحول الكتاب إلى رسالة إلى طلاب الطب
والأطباء الشباب، مفادها أن المهنة ليست مجرد اختصاص علمي أو مسار وظيفي، وإنما
مسؤولية أخلاقية يمكن أن تختبر في أصعب الظروف.

كما أن قصص المشاركين يمكن أن تساعد الأجيال
المقبلة على فهم قيمة العمل الجماعي والتطوع والتعاون بين المؤسسات الطبية، خصوصاً
عندما تتعرض المجتمعات لكوارث أو حروب.

ذاكرة لا تختزل في الأسماء

وعلى الرغم من أن الكتاب يحمل أسماء وتجارب
متعددة، فإن رسالته الأساسية لا تتوقف عند تخليد الأشخاص. فالهدف الأوسع هو توثيق
موقف مهني وأخلاقي: ماذا يعني أن يذهب الطبيب إلى مكان يحتاج إليه بينما يعيش تحت
الحرب؟

الإجابة التي يقدمها الكتاب تأتي من التجربة
نفسها؛ فالطب يصبح في هذه الحالة وسيلة لإنقاذ الحياة، لكنه يتحول أيضاً إلى لغة
تضامن تتجاوز السياسة والجغرافيا.

وهذا ما يفسر تركيز الكتاب على من لم تُذكر
أسماؤهم، لأن قيمة العمل الطبي في الحروب لا يمكن قياسها فقط بعدد الشخصيات التي
تظهر في الصور أو تُجرى معها المقابلات.

بعد الحرب.. ماذا يبقى؟

تطرح تجربة الأطباء الأردنيين في غزة سؤالاً
يتجاوز الحرب نفسها: ماذا يبقى من هذا التعاون بعد توقف القتال؟ فالاحتياجات
الطبية في غزة لن تنتهي بانتهاء الحرب، وإعادة بناء النظام الصحي ستتطلب سنوات من
العمل والتدريب وإعادة تأهيل المنشآت وتوفير الكوادر والمعدات.

ومن ثم يمكن أن يشكل التعاون الطبي الذي
وثقه الكتاب أساساً لعلاقات صحية أوسع بين الأردن والمؤسسات الطبية الفلسطينية.

كما أن الخبرات التي تراكمت خلال المهمات
الطبية يمكن أن تتحول إلى معرفة مؤسسية يستفيد منها الطرفان في التعامل مع الأزمات
والكوارث مستقبلاً.

تحضر عبارة طهبوب “الأردن هو رئة فلسطين” بوصفها مفتاحاً لفهم الروح التي يقوم عليها الكتاب. فالرئة هنا ليست فقط رمزاً للتنفس، وإنما صورة لدور يمكن أن تؤديه المؤسسات والأفراد في إبقاء الحياة مستمرة وسط ظروف الاختناق والحصار والدمار.

وفي هذا المعنى، لا يكون الكتاب مجرد سجل
للماضي، وإنما وثيقة يمكن أن تفتح الباب أمام التفكير في مستقبل التعاون الطبي
العربي. 

شهادة إنسانية قبل أن تكون سجلاً طبياً

في النهاية، يقدم “أبطال الأردن وغزة..
الدم الواحد” رواية عن الطب عندما يتجاوز حدود العيادة والمستشفى ليصبح
موقفاً إنسانياً. فالأطباء والتمريضيون
والفنيون الذين يتناولهم الكتاب لم يذهبوا إلى غزة في ظروف طبيعية، وإنما وصلوا
إلى منطقة أنهكتها الحرب، وعملوا وسط نقص الموارد وضغط الإصابات والحالات الحرجة.

وتكمن قيمة التجربة التي يوثقها طهبوب في
أنها لا تختزل التضامن في البيانات والمواقف، وإنما تراه في تفاصيل صغيرة ومباشرة:
طبيب يدخل غرفة العمليات، ممرض يعتني بمريض، مسعف ينقل جريحاً، وفني يحافظ على
تشغيل جهاز يحتاج إليه المريض للبقاء على قيد الحياة.

ولذلك فإن الكتاب يحاول أن يقول إن الحروب،
مهما كانت قسوتها، لا تلغي قدرة البشر على بناء جسور بينهم.

وبين عمّان وغزة، كان الطب واحداً من هذه
الجسور؛ أطباء أردنيون حملوا أدواتهم وخبراتهم إلى القطاع، ووجدوا في مستشفياته
مرضى وجرحى يحتاجون إلى العلاج، وأطباء فلسطينيين يحتاجون إلى الدعم والخبرة.

ومن هنا تأتي أهمية حفظ هذه القصص من
النسيان، ليس فقط تكريماً لمن شاركوا فيها، وإنما أيضاً لأن الأجيال المقبلة تحتاج
إلى أن تعرف أن المهنة الطبية يمكن أن تكون، في أصعب اللحظات، شكلاً من أشكال
الوفاء للإنسان.

وإذا كان الكتاب يخلد أسماء أطباء وتجارب
محددة، فإنه في جوهره يخلد فكرة أوسع: أن الطبيب يستطيع أن يحمل رسالته إلى حيث
تكون الحياة أكثر حاجة إلى من يحميها، وأن الحدود التي تفصل بين المدن والدول لا
ينبغي أن تكون أقوى من رابطة الإنسان بالإنسان.

وهكذا، تصبح عبارة “الدم الواحد”
عنواناً لذاكرة تتجاوز الكتاب نفسه؛ ذاكرة أطباء اختاروا الميدان، ومرضى عرفوا
معنى أن تمتد إليهم يد المساعدة من خارج حدود الحرب، ومهنة أثبتت أن رسالتها
الأساسية تظل واحدة: إنقاذ الإنسان وحفظ كرامته وحياته.

اقرأ أيضا: «PIF» يضاعف أرباحه في 2025.. و3.4 تريليون ريال أصول مدارة

‫0 تعليق