
حلت يوم 16 آب/أغسطس الجاري الذكرى الـ13 لـ”مجزرة
رمسيس”، التي سقط فيها نحو 210 متظاهرا مصريا وأصيب خلالها حوالي 1500 آخرين برصاص
قوات الأمن، والتي تعرف بـ”جمعة غضب 2013″، حيث خرج مئات الآلاف من المصريين
رفضا لمجزرة فض اعتصامي “رابعة العدوية” و”النهضة”.
وإثر مجزرة الفض الدموي الشهيرة التي شهدتها
القاهرة، الأربعاء، 14 آب/أغسطس 2013، وسقوط آلاف المصريين بين قتلى ومصابين برصاص
الجيش والشرطة وعصابات البلطجية المدفوعة من الأمن، توجه الرافضون للمجزرة من جميع
أنحاء القاهرة ومحافظات الوجه البحري، إلى ميدان “رمسيس”، وسط القاهرة قبل
وبعد صلاة الجمعة في محيط “مسجد الفتح” الشهير.
خديعة الأمن
وفي الذكرى الـ13 للمجزرة المنسية والأبشع بعد
رابعة، تحدث ناجيان من “مذبحة رمسيس”، لـ”عربي21″، مؤكدين أنهما
توجها من قرى محافظة الشرقية فجر الجمعة، إلى القاهرة، وأوقفتهم عدة كمائن واطلعت على
أوراقهم واحتجزتهم وقوفا لبعض الوقت، حتى جاءتهم التعليمات بالسماح لهم بدخول القاهرة،
مبينين أن “التوقيف ثم السماح بعد تعليمات، أثار لدينا الكثير من الشكوك، من أن
يكون هناك كمين آخر في انتظارنا إلى السجن أو القتل”.
اظهار أخبار متعلقة
يقول مهندس وطبيب: “وصلنا مسجد الفتح وبدأت
الأعداد تتزايد، حتى ظهر الدكتور صلاح سلطان، عبر ميكروفون مخاطبا الجميع بالثبات،
ومر الأمر دون أزمات حتى انقضت صلاة الجمعة، وبينما نحن نصلي بدأ الحصار بعدة طرق منها:
إطلاق القنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية، وانطلاق أصوات الرصاص بصورة مفزعة،
وتحليق طائرات هيلوكوبتر بشكل مكثف تحمل قناصة، وظهور أسراب من المدرعات على الكباري
المحيطة بمسجد الفتح”.
ويضيفان: “رائحة الغاز المسيل للدموع وصوت
الرصاص الحي وأصوات قنابل الصوت لم تكن أبدا هي التي استشقناها وسمعناها خلال ثورة
25 يناير 2011، كانت أشد، خاصة وأنها كانت مصحوبة بغاز خانق ومثير للأعصاب، علمنا لاحقا
أنها كانت مستوردة من كيان الاحتلال، كما أن الحصار لم يقف عند هذا الحد، بل امتد إلى
معركة بالحجارة والطوب يقودها بلطجية في كل الشوارع المقابلة للمتظاهرين، بل إن بعضهم
كان يحمل طبنجات ويطلق النار بشكل عشوائي”.
ويوضحان أنه “في البداية حدث هرج واسع وكل
منا حاول الاختباء من الرصاص والحجارة ومن استهداف قناصة الطائرات أو من إطلاق قوات
الأمن من قسم الموسكي القريب الرصاص عشوائيا علينا، حتى قرر الشباب التعامل والرد بالحجارة،
وانقسم المتظاهرون بين كبار السن الذين يقطعون الحجارة ويجمعونها وبين الشباب الذين
اعتلوا مقدمات الكباري واضرموا النيران في بعض القمامة لحمياتهم من الرصاص وصاروا يقذفون
الحجارة ونجحوا في إجبار قوات الأمن على التراجع لبعض الوقت”.
ويلفتان في شهادتيهما إلى “تكرار المشهد
بين الكر والفر من الغاز والرصاص والمدرعات والطائرات التي تحلق عن قرب والبلطجية التي
لم تهدأ للحظة، حتى حدثت خدعة أمنية كبيرة تسببت في تحول المشهد إلى مجزرة قتل بلا
هوادة”، موضحين أن “المتظاهرين كانوا قد سيطروا على مطالع الكباري الموجودة
بالميدان وعجزت قوات الأمن عن الوصول للميدان، فتم إرسال نحو 10 مسلحين ملثمين دخلوا
الميدان من إحدى جوانبه وأطلقوا الأعيرة في الهواء وطالبوا المتظاهرين بالنزول من فوق
الكباري ليتعاملوا هم مع الشرطة”.
ويواصلان: “هناك من كان يدرك حقيقة الأمر،
ويعلم أنها خدعة وأن التظاهرة سلمية كاعتصام رابعة ولن يستخدم فيها أحد السلاح، حاولوا
توضيح الأمر لكن دون فائدة فقد نزل الشباب وصعد المسلحون”.
ويؤكدان أن
“خطة الأمن نجحت تماما واختفى المسلحون بعدما أفسحوا الطريق للمدرعات التي سيطرت
على الكباري ومعها قوات قامت بإطلاق الرصاص وإعمال القتل في المتظاهرين، الذين لجأ
عدد منهم إلى مسجد الفتح، وحاول بعضهم اللجوء للشوارع الجانبية فوقعوا في أيدي البلطجية،
الذين اعتدوا عليهم بالضرب ثم سلموهم إلى قوات الأمن”.
ويرويان أن “مشاهد الدم غطت الوجوه والرؤوس،
وسقط أحد شباب قريتهم وهو مهندس، بينما كان فوق إحدى الكباري يدافع عن زملائه بإلقاء
الحجارة”، موضحين، أنهم “نقلوه لأقرب مسجد فيه مستوصف لإسعافه، ولكن دون
جدوى فقد سُلِمت الروح إلى بارئها، وعدنا نحمل الجثمان لنواريه التراب في اليوم التالي،
لنسمع أن الأمر ازداد سوءا مع استمرار القصف والحصار بالمدرعات وقوات الصاعقة”.
دور البلطجية.. ونجاة من الموت
وفي شهادة ثانية عن دور البلطجية في مجزرة رمسيس،
يقول أحد التجار: “لم أكن موجودا يوم فض رابعة، فقررت وصديق مهندس وآخر صحفي الذهاب
لمسجد الفتح، تركت سيارتي على حدود القاهرة، وترجلنا بعيدا عن الكمائن، حتى اقتربنا
سيرا على الأقدام في شارع بورسعيد من ميدان رمسيس، لنفاجأ بتجمع من البلطجية يحاصرنا،
مع السب والشتم والضرب في الوجه والرأس والركل حتى سقطنا أرضا، وتركونا، بعدما فقدنا
الوعي”.
ويضيف: “خفنا من العودة للوراء حتى لا نقع
في يد بلطجية آخرين، فقررنا السير بما فينا من آلام حتى مسجد الفتح، ليشتعل الميدان
مع وصولنا عقب صلاة الجمعة، بالغاز وأصوات طلقات الرصاص، ففهمت أن الموت يقترب، حاولت
لاحقا الوصول لباقي معارفي حتى أطمئن عليهم، فعلمت أن هناك مصابون بالعشرات بينهم ابن
عم لي وأن بعضهم قد يكون فارق الحياة، وظللت حتى قرب المغرب دون أن يتوقف الرصاص، حتى
قررنا العودة بعد الاطمئنان على الجميع وبينهم المصابين، ولكن كيف نعود؟”.
ويتابع: “نجحنا في التسلل من إحدى الشوارع
الجانبية دون أن تصل إلينا يد البلطجية أو نصطدم بمدرعات الشرطة حتى وصلنا إلى محطة
مترو غمرة، ويبدو أنه كان القطار الوحيد الذي توقف حيث يحتشد المئات في المحطة، فتركنا
أنفسنا لموجة تدفعنا داخل إحدى العربات، وهناك عشنا ساعة من الموت المحقق، مع تلاصق
الأجساد والحر الشديد وضيق التنفس وتوقف القطار لفترات طويلة دون أن ندري السبب، وتماسكت
عندما رأيت أن من يسقط لا يجد مكانا يسقط فيه ويظل واقفا وهو فاقد النفس، حتى وصلنا
محطة حلمية الزيتون، وتأكدت وصديقي أنه انكتب لنا عمر جديد ونجونا من الموت 3 مرات،
وتيقنا بأن الانقلاب لن يتوقف عن القتل بعد مجزرة رابعة”.
حصار مسجد الفتح
وفي شهادة ثالثة، من داخل مسجد الفتح، تؤكد إحدى
المحاصرات فيه، لـ”عربي21″، أنه “تم حصارنا لأكثر من 30 ساعة وبداخل
المسجد عدد كبير قدره البعض بـ1000 متظاهر بينهم أطباء وصحفيين مصريين وأجانب ومصابين
وجثامين القتلى، ونحو 30 من المتظاهرات”.
وتلفت إلى أن “قوات الشرطة اقتحمت المسجد
في اليوم التالي للمذبحة وذلك بعد استهدافنا من قبل قناصة فوق مئذنة المسجد، ليتم توقيفنا
قبل أن يستقبلنا حشد من البلطجية ومن أفراد الأمن بالضرب والركل والصفع والسب والإهانة”،
وفق شهادة الشابة والناشطة الناجية من المجزرة والتي تعرضت للاعتقال ثم الإفراج عنها
لاحقا.
وتشير إلى ما واجهته منذ مساء الجمعة حتى ظهر
السبت، من “مواقف صعبة مع عدد كبير من المصابين وجثامين الشهداء، إلى جانب التخويف
والترهيب خلال حصار الشرطة والبلطجية، والضرب والإهانة والتهديد بالاعتقال بعد فك الحصار”،
مؤكدة أن “الأزمة بقيت حتى اليوم في ذاكرتي تثير أشد مشاعر الألم قسوة”.
اعتقال غير مبرر.. وأحكام قاسية
وتمت إحالة متظاهرين تم توقيفهم من مسجد الفتح
للمحاكمة بالقضية المعروفة إعلامياً بـ”أحداث مسجد الفتح” فيما قضت محكمة
الإرهاب بالسجن المؤبد، لاثنين، والمشدد (15 سنة) لأربعة، والمشدد (10 سنوات) لـ20
متظاهرا، وأحكام أخرى لأربعة آخرين، والسجن (5 سنوات) لاثنين (أحدهما حدث).
اقرأ أيضا: القبض على قيادي بارز في قضية مقتل فاليريا ماركيز.. فيديو…
ورغم تعرض المتظاهرين لإطلاق الرصاص من الشرطة
والقناصة والغاز المسيل والحجارة من البلطجية، ثم تعرضهم داخل معسكر الأمن المركزي
الملحق بسجن طرة، لمعاملة قاسية بين الضرب والإهانة والتفتيش المهين وسرقة المتعلقات
الشخصية والهواتف؛ إلا أن النيابة وجهت لمن تم توقيفه اتهامات تشمل تدنيس وتخريب جامع
الفتح وتعطيل الصلاة فيه، والقتل العمد والشروع فيه، والتجمهر والبلطجة، وإحراز أسلحة
ونارية ومفرقعات، وقطع الطرق وتعطيل المواصلات العامة.
وبالتزامن مع مذبحة رمسيس، وقعت 17 مجزرة وفق
رصد مركز “الشهاب لحقوق الإنسان”، بينها في القاهرة: 5 وفيات بكوبري
“15 مايو” بحي الزمالك، و11 في نفق العمرانية، و15 بمسجد الاستقامة جاردن
ستي، وكذلك مقتل 35 في مجزرة سموحة بالإسكندرية، و8 حالات في طنطا، وحالتين بكفر الشيخ،
و10 بميدان الشهداء في دمياط، و5 بقسم العرب في بورسعيد، و11 بمجمع محاكم الإسماعيلية،
و22 باعتصام ميدان الأربعين بالسويس، و13 بالفيوم، و5 بأحداث شرطة النجدة بالمنيا،
و2 في ملوي، و2 بسوهاج، و2 في مطروح، و10 بأحداث مبنى مطافي العريش بسيناء.
لن أنسى ما حييت
وتحدث الحقوقي هيثم أبوخليل، عن مجزرتي
رمسيس بالقاهرة وسموحة بالإسكندرية وسقوط 210 شهيا في الأولى و30 في الثانية، مؤكدا
أن الانقلاب لم يكتف بمجزرتي رابعة والنهضة، قائلا: “لن أنسى 16 أغسطس ما حييت”.
ويشير إلى استخدام
طائرات الهليكوبتر لاصطياد المصريين بالرصاص من ميدان رمسيس، وإطلاق عناصر الشرطة داخل
قسم شرطة الموسكي الرصاص عشوائيًا دون تمييز، ومنع سيارات الإسعاف من إنقاذ الجرحى
والمصابين، وإطلاق أجهزة وصفها بغير الوطنية جيش البلطجية المسلحين لقتل المتظاهرين
في شوارع القاهرة، وحصار مسجد الفتح وامتلائه بالجثث والجرحى”.
اظهار أخبار متعلقة
وفي مجزرة سموحة ومسجد علي بن أبي طالب، يؤكد
أبوخليل عبر “فيسبوك”، أن “قنّاصة وطائرات اصطادت المتظاهرين بلا رحمة،
وأن أكثر من 1.5 مليون سكندري ملأوا الشوارع من رشدي حتى المحروسة بسيدي بشر، وسقوط
القتلى مع إطلاق مدفع متعدد نيرانه بصورة آلية على المتظاهرين في سموحة”.
وفي شهادته يقول الكاتب الصحفي عامر شماخ:
“عقب صلاة الجمعة بدأ يُسمع دوي الرصاص من أسلحة آلية، وكان الضرب موجهًا لأعلى
الكوبري الذي كان ممتلئًا بالمتظاهرين فبدأ عدد كبير منهم، تفاديًا للرصاص المنهمر،
يقفز من فوق الكوبري الذي يزيد ارتفاعه على 6 أمتار، وسط إطلاق غاز كثيف ورصاص الآلي
من ناحية قسم الأزبكية، ثم توافدت المدرعات من أعلى الكوبري ليتم حصار المسيرة الكبرى
القادمة من الجيزة وتضم مسيرات حاشدة أتت من أحياء المحافظة المختلفة”.
ويضيف: “قامت الطائرات بتمشيط المنطقة،
واستهداف التجمعات بالرصاص وقنابل الغاز، كما قام القناصة بإطلاق رصاصهم من بيوت ومؤسسات
قريبة من الميدان ومن خط سير المسيرات؛ حيث تعرضت بعض المسيرات القادمة من شرق القاهرة
إلى إطلاق نار مباشر من مبنى مؤسسة التحرير ومن هيئة تشغيل المترو ومن هيئة البريد”.
اقرأ أيضا: 7 قتلى و12 جريحاً في تدافع بمعبد هندوسي شرقي الهند
