تؤكد سيلين جبران أسود، الشريكة في مجموعة “برنزويك”، أنّ الطرح العام الأولي هو لحظة مفصلية لبناء سمعة الشركة، ويجب أن يسبقه بعام على الأقل إعداد مبكر وتواصل منظم مع المستثمرين، خصوصاً في بيئة خليجية تنافسية تتزايد فيها توقعات الشفافية والإفصاح. وتشدد على أنّ الإدراج ليس نهاية الاكتتاب بل بداية علاقة…
اقرأ أيضا: ترامب: إيران ينبغي أن ترفع الراية البيضاء لإعلان الاستسلام
تقول سيلين جبران أسود، الشريكة في مجموعة “برنزويك”، إن الطرح العام الأولي “إحدى أهم اللحظات لبناء سمعة الشركة”، إذ يمنحها فرصة لتوضيح مسيرة أعمالها، وما حققته، وما يميزها عن المنافسين، وقدرة إدارتها وهيكل حوكمتها على قيادة المرحلة التالية من النمو.
وفي ظل اشتداد المنافسة بأسواق الاكتتابات الخليجية، يصبح اهتمام المستثمرين مورداً نادراً تتسابق الشركات على الفوز به، مايستوجب، بحسب أسود، المتخصصة في الاتصال المالي وعلاقات المستثمرين والصفقات المالية المعقدة، أن يكون فهم المستثمرين لنموذج الأعمال والقصة الاستثمارية للشركة قد بدأ قبل الإعلان عن نيتها الإدراج.
بخبرة تمتد عبر أسواق المال الخليجية، بدأت أسود مسيرتها كمحللة أبحاث للاقتصاد الكلي، قبل أن تعمل مراسلة لأسواق المال الخليجية في رويترز، حيث غطت أسواق رأس المال وأخبار الشركات في دول مجلس التعاون، ثم انضمت إلى برنزويك في دبي عام 2017. وهي ترى أن الشركات الراغبة في الطرح العام الأولي يجب أن تبدأ في التعامل والتواصل “كأنها شركة مدرجة” قبل موعد الطرح بعام على الأقل.
الطرح يبدأ قبل الطرح
ومع ازدياد زخم أسواق الطروح العامة الأولية في الخليج، صار نجاح الشركة في الوصول إلى السوق المالية أكثر ارتباطاً بقدرتها على بناء الثقة وفهم المستثمرين لأعمالها قبل أن تقرع جرس الإدراج.
تزداد أهمية ذلك بالنسبة إلى الشركات التي تعمل في قطاعات الأعمال بين الشركات (B2B)، والتي قد تكون ذات أهمية كبيرة داخل قطاعاتها، لكنها لا تتمتع بدرجة عالية من الشهرة لدى الجمهور، إذ من غير المرغوب أن يكون يوم إطلاق الاكتتاب هو المرة الأولى التي يسمع فيها المستثمرون أو المحللون أو وسائل الإعلام عن الشركة.
كما أن الانتقال إلى السوق العامة، في رأيها، ينطوي على تحول ثقافي أوسع نطاقاً، إذ تصبح الشركة أمام مستويات أعلى من التدقيق والشفافية وحوار أكثر استمرارية مع الأطراف الخارجية. وكلما بدأت الشركة الاستعداد لهذا التحول مبكراً، كانت أكثر جاهزية عند دخول السوق.
الإدراج بداية العلاقة وليس نهايتها
وتعتبر أسود أن أحد أبرز الدروس التي ينبغي أن تستوعبها الشركات هو أن “الإدراج ليس نهاية عملية الاكتتاب”، بل بداية علاقة طويلة الأمد مع المستثمرين.
ومن الأخطاء الشائعة التركيز بصورة شبه كاملة على النموذج المالي، مع التقليل من أهمية الصورة الذهنية والسمعة. فالمستثمر لا ينظر فقط إلى الأساسيات المالية، بل يُقيّم أيضاً جودة الإدارة، والحوكمة، ومصداقية الاستراتيجية، والقطاع الذي تعمل فيه الشركة، ومدى ثقته في قدرة الشركة على تنفيذ ما تعِد به.
لهذا، توصي أسود ببناء وظيفة قوية لعلاقات المستثمرين قبل الإدراج وليس بعده. فالتراجع عن الحوار مع المستثمرين بعد انتهاء عملية الطرح، والاكتفاء بالحد الأدنى من المتطلبات التنظيمية، قد يؤدي بمرور الوقت إلى فقدان ثقة المستثمرين واهتمامهم.
المستثمر يريد معرفة “لماذا”
وبالنسبة إلى فرق علاقات المستثمرين، ترى أسود أن الوضوح والشفافية والاتساق هي الركائز الأساسية، في أوقات الرخاء والشدة على حد سواء.
فالإفصاح عن النتائج الفصلية يجب أن يكون فرصة متكررة لتوضيح القصة الاستثمارية: ما الذي تغير في الأعمال؟ ما الذي تراه الإدارة في السوق؟ ما العوامل التي تقف وراء الأداء؟ كيف ترتبط هذه التطورات بالاستراتيجية طويلة الأجل؟
وتلخص ذلك بوضوح قائلةً: “المستثمرون يستطيعون رؤية الأرقام، لكن ما يحتاجونه من الإدارة هو مساعدتهم على فهم الأسباب وما الذي تعنيه للمستقبل”.
كما ترى أن تقديم توجيهات مستقبلية مفيدة وموثوقة، عندما يكون ذلك مناسباً، يمكن أن يساعد المحللين والمستثمرين على تحديث نماذجهم وتقليص التباين غير الضروري في توقعات السوق، مع ضرورة إدارة هذه التوجيهات بصورة نشطة، لأن تغير ظروف التشغيل والأسواق يجعل التوجيهات القديمة أحياناً أشد ضرراً من عدم تقديمها.
اقرأ أيضا: استنجد بالشرطة ثم قُتل برصاصها.. ما لم تظهره الكاميرات في واقعة دانيال | منوعات
“علاوة التواصل” تكتسب أهمية في أسواق الخليج
ومع نضوج أسواق رأس المال الخليجية واستقطابها مزيداً من المستثمرين الدوليين والمؤسساتيين، ارتفعت توقعات المستثمرين بشأن الشفافية والإفصاح وإمكانية الوصول إلى الإدارة.
وتقول أسود إن المستثمرين لم يعودوا يكتفون بالامتثال التنظيمي، بل يريدون فهم الاستراتيجية، ومحركات الأعمال، وأولويات الإدارة، وكيف تتعامل الشركة مع تغير الظروف، إلى جانب استمرار التواصل معها بين فترات الإفصاح المالي، وهو ما تزداد أهميته بالنسبة إلى الشركات الخليجية التي تسعى إلى توسيع قاعدة مساهميها الدوليين، لأنها تتنافس على رأس المال عالمياً، ويقارن المستثمرون جودة إفصاحها وتفاعلها معهم بما تقدمه الشركات في أسواق أخرى.
وفي هذا السياق، تؤكد أسود أن الاتصال وعلاقات المستثمرين لا يستطيعان بمفردهما تحديد أداء السهم، لأن ذلك يرتبط بالأساسيات وعوامل عديدة خارجة عن سيطرة الشركة، لكنها تؤمن بما تسميه “علاوة التواصل”؛ أي أن الأسواق قد تكافئ الشركات التي تتواصل بصورة أفضل.
وتوضح أن الأسواق تميل إلى منح ثقة أكبر للشركات التي تفهمها. فالتواصل المنتظم، والإفصاح المفيد، وإتاحة الوصول إلى إدارة موثوقة، والاستعداد للتواصل خلال الفترات الصعبة، كلها عوامل يمكن أن تقلل من حالة عدم اليقين المحيطة بالقصة الاستثمارية، وتعزز الثقة، وتساعد في الوصول إلى تقييم أكثر ملاءمة.
والأهم، بحسب أسود، أن “الشفافية لا يمكن استدعاؤها عند الحاجة إليها”؛ فهي تتراكم على مدى الزمن من خلال جودة التواصل واتساقه ربعاً بعد ربع، وإفصاحاً بعد إفصاح.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي “القرار البشري”
تصف أسود الذكاء الاصطناعي بأنه “سلاح ذو حدين”. فهو يرفع كفاءة العمل في مجالات مثل البحث والمقارنة المعيارية وتحليل كميات كبيرة من المعلومات وتحديد الاتجاهات واختبار الرسائل الاتصالية، لكن الأهمية النسبية للعنصر البشري تتزايد، خصوصاً خلال اللحظات المالية الحساسة أو الأزمات المحتملة.
ففي المواقف الحرجة، قد يكون الذكاء الاصطناعي قادراً على توليد مجموعة من الخيارات وتحليل السيناريوهات وتحديد الرسائل، لكن الإدارة العليا لا تبحث بالضرورة عن قائمة بالخيارات؛ بل تحتاج إلى “حكم مهني” يحدد ما ينبغي القيام به فعلياً، استناداً إلى الخبرة وفهم السوق ومعرفة كيفية استجابة أصحاب المصلحة المختلفين.
وهنا تكمن حدود التكنولوجيا: فعلاقات المستثمرين، في جوهرها، تقوم على العلاقات، وفي حين يمكن للتكنولوجيا أن تجعل فرق علاقات المستثمرين أكثر اطلاعاً وكفاءة، فإنها لا تستطيع وحدها بناء الثقة بين الأشخاص.
اقرأ أيضا: الحوثيون يطلقون صواريخ قرب باب المندب وتصاعد العمليات العسكرية في اليمن
