قبل أن يصبح المال واحداً من أخطر الملفات فى صراعات جماعة الإخوان، كان حسن البنا قد أدرك مبكراً أن التنظيم الذى يريد أن يعيش طويلاً لا يمكن أن يعتمد على الحماس وحده، ولا على اشتراكات الأعضاء والتبرعات الموسمية فقط، وإنما يحتاج إلى مورد اقتصادى مستمر يستطيع من خلاله تمويل نشاطه، وتوسيع انتشاره، وخلق شبكة من المصالح المرتبطة به. ولذلك لم يكن النشاط الاقتصادى بالنسبة إلى الجماعة أمراً هامشياً، بل ظهر مبكراً فى صورة شركات ومشروعات استثمارية متعددة. وكانت البداية مع تأسيس شركة المعاملات الإسلامية عام 1939 برأسمال بلغ أربعة آلاف جنيه، ثم توسع نشاطها لاحقاً ليشمل النقل والتجارة والصناعة والاستثمار، كما ظهرت شركات أخرى للغزل والنسيج والمناجم والمحاجر والطباعة والصحافة.
ولذلك لم يكن مفاجئاً أن يظهر ملف المال بقوة بعد سقوط حكم الإخوان فى 2013. الدولة المصرية بدأت منذ ذلك الوقت إجراءات التحفظ على أموال وكيانات وشركات مرتبطة بالجماعة، بعد صدور أحكام وقرارات قانونية بحظر الجماعة والتحفظ على أموالها، وشكلت الحكومة لجنة مختصة بإدارة الأموال والشركات والجمعيات. وبحلول يناير 2016، أعلنت اللجنة أنها تحفظت على أموال 1370 شخصاً، و62 شركة، و1125 جمعية أهلية، و105 مدارس، و43 مستشفى، و19 شركة صرافة، فيما بلغ إجمالى الأموال المعلنة آنذاك 5.556 مليار جنيه، إلى جانب أصول وكيانات أخرى.
ثم جاءت مرحلة أخرى من عمل اللجنة، ففى سبتمبر 2018 أعلنت لجنة التحفظ والحصر والإدارة والتصرف فى أموال الجماعات الإرهابية والإرهابيين حصيلة أكبر بكثير، شملت التحفظ على 1589 عنصراً، و118 شركة، و1133 جمعية أهلية، و104 مدارس، و69 مستشفى، و33 موقعاً إلكترونياً وقناة فضائية، وقالت إن حصيلة الأموال والممتلكات بلغت نحو 60 مليار جنيه. وهنا يجب أن ننتبه إلى الرقم جيداً: الحديث ليس عن 60 مليار جنيه موضوعة فى حساب مصرفى واحد، وإنما عن قيمة وحصيلة أموال وممتلكات وأصول وكيانات شملتها إجراءات اللجنة فى تلك المرحلة.
ومن هنا جاء السؤال الذى لم يجد إجابة كاملة حتى الآن: إذا كان هذا هو حجم الأصول والكيانات التى أمكن الوصول إليها داخل مصر، فكيف كانت تعمل الأموال التى خرجت مع القيادات أو تلك التى ارتبطت بشبكات التنظيم فى الخارج؟ ففى اللحظة التى فقدت فيها الجماعة وجودها السياسى المباشر داخل مصر، أصبحت الموارد الموجودة فى الخارج أكثر أهمية. لم يعد المال مجرد وسيلة لإدارة نشاط تنظيمى قائم، بل أصبح شرطاً لاستمرار التنظيم نفسه. من يملك المال يستطيع أن يموّل المنصة الإعلامية، ويساعد أعضاء التنظيم، ويدفع تكاليف النشاط، ويحافظ على شبكة العلاقات، ولذلك فإن السيطرة على المال تعنى – فى جانب منها – السيطرة على القدرة على البقاء.
ولعل أخطر ما كشف هذه الحقيقة لم يأتِ من خصوم الجماعة، وإنما من داخلها. فى 2019 ظهر تسجيل صوتى منسوب إلى أمير بسام، عضو مجلس شورى جماعة الإخوان، تحدث فيه عن أموال التبرعات، ووجه اتهامات إلى محمود حسين ومحمود الإبيارى وإبراهيم منير ومحمد البحيرى، زاعماً أن قيادات حصلت على أموال لا تستحقها وأن أموالاً وعقارات كُتبت بأسمائهم، وتحدث كذلك عن سيارات ومبالغ كبيرة، وعن التناقض بين جمع التبرعات من أعضاء التنظيم وبين ما قال إنه إنفاق على القيادات.
وبعد سنوات قليلة انفجر الصراع بصورة علنية بين محمود حسين وإبراهيم منير، ولم تعد القضية مجرد خلاف على الأسماء أو المواقع التنظيمية. ظهرت معها ملفات المؤسسات والأصول والإعلام والموارد، وتحولت الجماعة إلى جبهات متنافسة، كل منها يحاول إثبات أنه صاحب الشرعية. وهنا يصبح المال جزءاً طبيعياً من الصراع؛ لأن من يملك الموارد يستطيع أن يموّل المؤسسة التى يتحدث باسمها، ومن يسيطر على المؤسسة يستطيع أن يفرض روايته على قواعد التنظيم.
اقرأ أيضا: تداول 16 ألف طن بضائع عامة ومتنوعة و824 شاحنة بموانئ البحر الأحمر
