سارقو الكادر.. تجارة المجد وفاتورة المليارات (خواطر حول السياسة وكرة القدم والفساد)

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

هكذا هي الدنيا، مسرح كبير تتداخل فيه خطوط التماس بين
السياسة المبتذلة وجماليات المستطيل الأخضر، حيث يتحول العالم أحياناً إلى كوميديا
سوداء يديرها رجال تستهويهم “الأضواء” حتى لو كانت مسروقة من عرق
اللاعبين وتعب الملايين. بين نرجسية ترامب ومسارح الفساد العائلي، وبين ملحمية كرة
القدم ونبل الإدارة، تتكشف حقيقة الصراع بين من يكد ليصنع مجداً، وبين من يتسلل
إلى الكادر ليخفي عورات فشله.

اقرأ أيضا: الامم المتحدة: 350 عاملا في المجال الإنساني قُتلوا في العام 2025    

إنفانتينو والكادر اللزج: كرة القدم في مهب “البزنس”

في عالم تتسابق فيه المنظمات الرياضية الكبرى وعلى رأسها
الفيفا بقيادة جياني إنفانتينو لتحويل الساحرة المستديرة إلى صراف آلي ومهرجان
لترضية أصحاب النفوذ، تفقد اللعبة شيئاً من روحها البسيطة. بات “الباشا”
إنفانتينو بارعاً في حضور المناسبات لالتقاط الصور التذكارية مع الأقوياء، وكأن
كرة القدم لم تعد للجمهور، بل أصبحت خلفية ديكورية لساسة يبحثون عن شرعية زائفة.

هذه اللزوجة السياسية التي تحاول الالتصاق بكل نجاح
رياضي تجلت بأفظع صورها حين حاول دونالد ترامب اقتحام الكادر مع منتخب إسبانيا
المتوج، في محاولة بائسة لسرقة اللقطة والركوب على إنجاز لم يساهم فيه سوى بحضوره
الثقيل. شتان بين من يحاول القفز إلى منصة التتويج بلا استحقاق، وبين من يصنع
المجد بعرق الجبين.

باريس سان جيرمان ودرس الجماعية.. وناصر الخليفي الذي
عرف قدره

في نهائي السوبر الأوروبي الأخير، تابع العالم كيف توج
نادي باريس سان جيرمان بلقب استثنائي على حساب أستون فيلا. لم تكن مجرد مباراة كرة
قدم، بل كانت بياناً عملياً في تفوق فكرة المنظومة على فكرة النجم الأوحد. انتصر
العمل الجماعي الدؤوب، وانصهر الجميع في بوتقة الفريق الواحد ليعلي من شأن الجماعة
فوق الفردية المفرطة.

لكن المشهد الأكثر بلاغة وجمالاً حدث بعد صافرة النهاية؛
حين حاول قائد الفريق ماركينيوس بحسن نية ووفاء خالص أن يقحم رئيس النادي ناصر
الخليفي، ليكون في صدارة الصورة ويشارك في رفع الكأس. هنا تُختبر معادن الرجال؛
فقد تصرف الخليفي باحترافية عالية وتهذيب جم، رافضاً أن يحرج لاعبيه أو يسرق منهم
لحظة مجدهم الخاصة، ليتراجع بذكاء إلى الخلف مانحاً النجوم مساحتهم الكاملة
ليحتفلوا بإنجازهم.

تأمل هذا الموقف، ثم قف قليلاً لتتأمل الضفة الأخرى:
ترامب الذي يدمر الاقتصاد الأمريكي، ويزيد من حدة الاستقطاب والانقسام المجتمعي
يوماً بعد يوم فقط ليبقى في دائرة البقاء السياسي؛ بينما ناصر الخليفي يبني صرحاً
رياضياً من العدم ليحصد البطولات ويصنع مجداً حقيقياً يرتكز على المؤسسية واحترام
العمل. الفرق شاسع بين من يبني ليعلو الجميع، ومن يهدم ليجلس وحده على عرش الفوضى.

من الرئاسة إلى البورصة: كيف تحول المكتب البيضاوي إلى
آلة لصنع المليارات؟

وإذا انتقلنا من رمزية الكادر إلى حقيقة الأرقام، فإن
المفارقة الأمريكية تتجاوز حدود الكوميديا السوداء لتصل إلى فضيحة مالية موصوفة.
فبحسب تقديرات متعددة، لم تمضِ عشرون شهراً على عودة دونالد ترامب إلى البيت
الأبيض حتى تضاعفت ثروته الشخصية أكثر من مرتين، مرتفعةً من نحو 2.3 مليار دولار
قبل توليه المنصب إلى ما يقارب 6.5 مليارات دولار، في قفزة يعزوها خبراء اقتصاديون
بشكل أساسي إلى انخراطه المباشر في قطاع العملات المشفرة وتساهله التنظيمي معه وهو
في سدة الحكم.

ولم يكن ترامب وحده المستفيد؛ فقد كشفت مبادرات رقابية
أمريكية أن عائلته بأكملها حققت أرباحاً تجاوزت 4 مليارات دولار منذ بداية ولايته
الثانية، عبر مشروعات ارتبطت ارتباطاً مباشراً بموقعه ونفوذه، من صفقة تعدين بقيمة
مليار دولار مع كازاخستان يملك فيها أبناؤه حصة كبيرة، إلى استثمارات في شركات
ناشئة بتكنولوجيا الدفاع حصلت على عقود حكومية بمليارات الدولارات، وصولاً إلى
مشروع العملة المشفرة العائلي المدعوم من استثمارات خليجية، والذي تجاوزت أصول آل
ترامب فيه مليار دولار وحده. حتى منتجعه الخاص “مار-إيه-لاغو” شهد قفزة
لافتة في إيراداته منذ عودته للحكم. وهو ما دفع أحد أعضاء الكونغرس المعنيين
بالرقابة إلى وصف حجم هذا الفساد بأنه “غير مسبوق”، ومسؤول بشكل مباشر
عن ارتفاع تكاليف المعيشة على الأسر الأمريكية العادية.

من السجون إلى قصر السفير: عندما تصبح “عائلة كوشنر”
معياراً للديمقراطية!

وإذا أردنا أن نتحدث عن “مهزلة المهازل”، فلا
بد أن نتوقف عند عائلة كوشنر وفصول الفساد التي لا تنتهي. دعونا نتذكر صهر ترامب،
تشارلز كوشنر، وسجله الحافل الذي جعل من الفضيحة الأخلاقية وجهاً مألوفاً؛ إعاقة
العدالة، تزوير محررات ضريبية، والتهرب الضريبي الفاضح. جرائم أودت به خلف القضبان
في قاع السجون ليكون نزيلاً مداناً بالاحتيال.

ولكن، لأن “السم طارد للسم”، جاء عفو ترامب
عنه في ولايته الأولى ليخرج المجرم ويعود إلى الواجهة. والمصيبة الكبرى أن تتكشف
كوميديا السياسة الأمريكية عن تعيين هذا المدان- المزور، الكذوب، رد السجون-
سفيراً لأمريكا في باريس! نعم، باريس.. عاصمة النور والحرية، موطن الفلسفة
والثقافة، تُرسل لها واشنطن (التي تتبجح برعاية الديمقراطية وحقوق الإنسان حول
العالم) مجرماً محترفاً ليمثلها! هل هناك سخرية سوداء تفوق هذا العبث الدبلوماسي؟

ولم تسلم حتى الجُزر الألبانية الساحرة، وعلى رأسها
جزيرة سازان التي تحولت إلى مشروع منتجع فاخر بالشراكة مع الحكومة الألبانية، من
لمسات عائلة كوشنر الاقتصادية المشبوهة؛ فعندما يجتمع جاريد كوشنر وزوجته إيفانكا
وشقيقه جوشوا كوشنر تحت مظلة مشاريع عقارية مثيرة للجدل تُبرم في ظروف غامضة
بعيداً عن الشفافية المطلوبة، وبصفقات أراضٍ ومراسٍ سياحية تثير تساؤلات جدية حول
تضارب المصالح واستغلال العلاقات السياسية لتحقيق مكاسب عائلية خاصة، وبتقاطعات
مريبة مع كواليس الفيفا وصداقات إنفانتينو، تبدو الصورة وكأن العالم قد تحول إلى
شركة عائلية مغلقة، تُبرم صفقاتها في الغرف المغلقة بعيداً عن أعين الرقابة، في
مشهد مهزلٍ يؤكد أن نهم هذه الدائرة للسطوة والمال لا يشبع أبداً.

اقرأ أيضا: منظمة حقوقية تطالب بمنع إنفانتينو من الترشح لرئاسة «فيفا» | رياضة وشباب

عبد الرحمن السيد.. حين تصبح “الصحة” جريمة
وتكون الهوية محطة صيد للعنصرية

في المقابل، وفي الداخل الأمريكي، تجد صراعاً من نوع آخر
يعكس بشاعة الانتهازية السياسية. شخصيات مثل عبد الرحمن السيد، الذي كرس جهوده
العلمية والعملية لخدمة قضايا الـ”affordability”
(القدرة على تحمل التكاليف المعيشية) وجعل الرعاية الصحية حقاً أصيلاً لكل أمريكي
ومواطن في ميتشيغان. ولنكن منصفين؛ فإن النظام الصحي والتأمين في الولايات المتحدة
يعتبر من الأسوأ بين دول العالم المتقدم للطبقات المتوسطة والفقيرة، حيث يتحول
المرض إلى سلعة استهلاكية وديون لا تنتهي.

بدلاً من احترام نضال شخصيات كعبد الرحمن السيد وتفانيه
في خدمة المجتمع، نجد أن ترامب ونائبه، وحليفهما مايك روجرز، لا يترددون في
استغلال ورقة العنصرية وتغذية الانقسام المجتمعي وإشعال نار “الإسلاموفوبيا”.
لماذا؟ فقط من أجل ضمان مقعد في مجلس الشيوخ، وإرضاءً للوبي الصهيوني (أيباك) ومن
خلفهم الدعم المالي والسياسي في الانتخابات.

لقد وصل بهم السقوط الأخلاقي إلى السخرية الرخيصة من
صورة عبد الرحمن السيد وزوجته المحجبة، في استعراض فاقع لشعبوية عرقية مقيتة لا
تهدم إلا النسيج الاجتماعي الأمريكي نفسه، طالما أن ذلك يضمن لهم أصوات المتطرفين
وكسب رضا تجار الكراهية في السياسة الداخلية.

خاتمة: شتان بين من يبني مجداً ومن يهدم وطناً

إن المشهد العام يضعنا وجهاً لوجه أمام مفارقات مذهلة؛
فعندما تترك السياسة لرجال الأعمال الفاسدين والمنتفعين أمثال ترامب وعائلة كوشنر،
تتحول الأوطان إلى حلبات صراع عرقي واقتصادي، وتُفرّغ الديمقراطية من مضمونها
لتصبح مجرد غطاء لتمرير صفقات المشبوهين، بينما يقتات صاحب القرار وأسرته على
منصبه ليضاعف ثروته مليارات الدولارات في أقل من عامين، تاركاً فاتورة هذا الثراء
الفاحش على كاهل الأسر الأمريكية الكادحة.

وفي المقابل، يعلمنا المستطيل الأخضر، وحين تدار الأمور
بروح الفريق والاحترافية الحقيقية كما فعل ناصر الخليفي في باريس سان جيرمان، أن
النجاح الحقيقي لا يولد من سرقة الكادر ولا من تزوير الدفاتر الضريبية، بل من
العمل الشاق واحترام الآخرين ومنح كل ذي حق حقه. شتان بين من يبني مجداً يستحقه
الرجال، وبين من يتكئ على سيرة التزوير وابتزاز الهويات واستثمار المنصب ليبقى
طافياً على سطح الأحداث!


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: قراصنة يستولون على سفينة شحن قبالة سواحل الصومال

‫0 تعليق