زيارة الملك إلى الصين.. فرصة للعبور إلى قلب الحزام والطريق

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

 كتب: عمر المحارمةجريدة الدستور الأردنية

اقرأ أيضا: الضفة .. إصابة طبيب فلسطيني في اعتداءات لمستوطنين إسرائيليين

 تحمل زيارة الدولة التي يبدأها جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية أهمية تتجاوز أبعادها السياسية والدبلوماسية، لتفتح أمام الأردن نافذة اقتصادية مهمة لإعادة صياغة علاقته مع أحد أكبر اقتصادات العالم، والبحث عن موقع أكثر تقدماً في خريطة الاستثمارات والتجارة والمشاريع التي ترسمها الصين عبر مبادرة «الحزام والطريق».جريدة الدستور الأردنية

الزيارة تأتي في توقيت يحتاج فيه الأردن إلى توسيع قاعدة شراكاته الاقتصادية، واستقطاب استثمارات نوعية قادرة على خلق فرص العمل ونقل التكنولوجيا وتعزيز قدراته الإنتاجية، فيما تبحث الصين، في المقابل، عن توسيع شبكة شراكاتها وممراتها الاقتصادية والتجارية في منطقة تحتل موقعاً مهماً بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.جريدة الدستور الأردنية

وخلال الزيارة، يعقد جلالة الملك لقاءات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس الوزراء لي تشيانغ، ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني تشاو له جي، إلى جانب لقاءات مع ممثلي كبريات الشركات الصينية لبحث فرص توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري. ويرافق جلالته وفد وزاري اقتصادي، فيما من المقرر توقيع عدد من اتفاقيات التعاون ومذكرات التفاهم في مجالات متعددة.جريدة الدستور الأردنية

هذه المعطيات تمنح الزيارة بعداً اقتصادياً خاصاً، وتطرح سؤالاً يتجاوز نتائجها المباشرة: كيف يستطيع الأردن تحويل علاقته السياسية المتقدمة مع بكين إلى شراكة اقتصادية أوسع، والاستفادة من القدرات الاستثمارية والصناعية والتكنولوجية الهائلة للصين؟.جريدة الدستور الأردنية

الإجابة تقود مباشرة إلى «مبادرة الحزام والطريق»، المشروع الذي أعادت الصين من خلاله إحياء فكرة طريق الحرير التاريخي، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.جريدة الدستور الأردنية

قبل أكثر من ألفي عام، كانت طرق التجارة التي ربطت آسيا بأوروبا وأفريقيا تحمل بين أطرافها أكثر من الحرير والتوابل والبضائع؛ إذ انتقلت عبرها الأفكار والثقافات والمعرفة، ونشأت من خلالها شبكة من العلاقات بين حضارات الشرق والغرب عُرفت لاحقاً باسم «طريق الحرير».جريدة الدستور الأردنية

وعلى امتداد قرون طويلة، جسّد ذلك الطريق روحاً قائمة على السلام والتعاون والانفتاح والتعلم المتبادل والمنفعة المشتركة، ليصبح إرثاً تاريخياً يتجاوز حدود الدول والجغرافيا، ورمزاً لما يمكن أن يحققه التواصل بين الشعوب من ازدهار وتنمية.جريدة الدستور الأردنية

وفي عام 2013، أعاد الرئيس الصيني شي جين بينغ استحضار تلك الفكرة عندما طرح مبادرة بناء «الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين»، التي عُرفت لاحقاً باسم «مبادرة الحزام والطريق»، لتتحول فكرة طريق الحرير التاريخي إلى مشروع واسع للترابط الاقتصادي والتجاري والبنية التحتية، يسعى إلى تقريب الأسواق وربط آسيا وأوروبا وأفريقيا من خلال شبكة من الممرات والمشاريع.جريدة الدستور الأردنية

وتتضح أهمية المبادرة عند النظر إلى حجمها وانتشارها. فبحسب بيانات تضمنها تقرير نشره الموقع الرسمي لمبادرة الحزام والطريق، وقعت الصين أكثر من 200 وثيقة تعاون في إطار المبادرة، شملت أكثر من 150 دولة و32 منظمة دولية، فيما تجاوز عدد رحلات القطارات بين الصين والمدن الأوروبية 150 ألف رحلة، نقلت قرابة 1.5 مليون حاوية معيارية.جريدة الدستور الأردنية

كما تجاوزت قيمة التجارة على مسارات طريق الحرير 3.2 تريليون دولار، وناهز حجم الاستثمار في مشاريع المبادرة خلال العام المشار إليه في التقرير 240 مليار دولار، فيما وصلت قيمة الاستثمارات منذ إطلاق المشروع إلى نحو 600 مليار دولار.جريدة الدستور الأردنية

نحن، إذاً، لا نتحدث عن مشروع نظري أو مجرد شعار سياسي صيني، بل عن شبكة اقتصادية وتجارية واستثمارية واسعة تمتد عبر قارات العالم، وتركت بالفعل بصماتها في مشاريع بنية تحتية كبرى، من الطرق والجسور والموانئ إلى المصانع وخطوط القطارات، لتتحول إلى منصة عملية للتعاون والتنمية في العديد من الدول.جريدة الدستور الأردنية

ولا تقتصر الفكرة الأساسية للمبادرة على نقل البضائع من الصين وإليها، بل تتجاوز ذلك إلى تعزيز الترابط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ومواءمة استراتيجيات التنمية، وتحفيز الاستثمار والتجارة، وخلق الطلب وفرص العمل، بالتوازي مع تعزيز التبادل الثقافي والشعبي.جريدة الدستور الأردنية

الأردن يمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية في قلب منطقة تربط الخليج ببلاد الشام والبحر المتوسط، ويتمتع بدرجة من الاستقرار في محيط إقليمي شديد التعقيد، وهي عناصر تمنحه فرصة لتقديم نفسه للصين، ليس باعتباره سوقاً محدودة بعدد سكانها، وإنما بوابة اقتصادية ولوجستية يمكن الانطلاق منها نحو أسواق ومشاريع أكبر في المنطقة.جريدة الدستور الأردنية

وهذا ينسجم مع طبيعة «الحزام والطريق» نفسها، إذ تحتل منطقة الشرق الأوسط موقعاً مهماً في المبادرة، خصوصاً في ملفات الطاقة والطرق البحرية والممرات الاقتصادية التي تربط الصين بوسط وغرب آسيا والخليج وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط.جريدة الدستور الأردنية

والأردن لا يبدأ علاقته مع بكين من الصفر؛ فالبلدان يرتبطان بشراكة استراتيجية أُعلن عنها عام 2015 على هامش زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين، وهي قاعدة سياسية يمكن البناء عليها لإطلاق مرحلة أكثر عمقاً من التعاون الاقتصادي والاستثماري.جريدة الدستور الأردنية

لكن الاستفادة من القدرات الصينية تحتاج إلى ما هو أبعد من العلاقات السياسية الجيدة. فإذا أراد الأردن الحصول على نصيب حقيقي من التدفقات الاستثمارية التي ترافق «الحزام والطريق»، فعليه أن يذهب إلى الصين بمشاريع واضحة وجاهزة ومدروسة وقابلة للتنفيذ في قطاعات تمتلك فيها المملكة احتياجات وفرصاً حقيقية، من النقل والبنية التحتية والطاقة والمياه، إلى الصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية وغيرها من القطاعات القادرة على خلق فرص العمل ورفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد.جريدة الدستور الأردنية

فالغاية لا ينبغي أن تكون زيادة حجم البضائع الصينية التي تدخل السوق الأردنية، وإنما زيادة حجم رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الصينية التي تدخل الاقتصاد الأردني.جريدة الدستور الأردنية

وهذا الفارق جوهري؛ لأن القيمة الحقيقية لأي شراكة اقتصادية طويلة الأمد لا تقاس فقط بحجم التبادل التجاري، وإنما بقدرتها على تأسيس مشاريع إنتاجية، وتوطين الصناعات، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتوفير فرص العمل، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة والتصدير.جريدة الدستور الأردنية

ومبادرة «الحزام والطريق»، وفق التصور الذي قامت عليه، ليست مجرد شبكة لمد خطوط التجارة، وإنما تقوم كذلك على مواءمة استراتيجيات التنمية وتعزيز الاستثمار والتعاون وتبادل الخبرات بين الدول المشاركة.جريدة الدستور الأردنية

والتجربة الصينية جديرة بالدراسة في هذا السياق؛ فقد استطاعت الصين خلال عقود الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة إلى قوة صناعية وإنتاجية وتكنولوجية كبرى، وحققت تحولات واسعة في البنية التحتية ومستويات المعيشة والحماية الاجتماعية.جريدة الدستور الأردنية

ويورد التقرير جملة من المؤشرات على حجم هذا التحول، من بينها إخراج أكثر من 750 مليون شخص من الفقر، وتكوين طبقة متوسطة تقدر بنحو نصف مليار شخص، إلى جانب بناء أنظمة واسعة للتقاعد والتأمين الصحي والتعليم.جريدة الدستور الأردنية

اقرأ أيضا: لماذا لا يزال الدولار يتمتع بكل هذه القوة؟ | اقتصاد

وليس المطلوب، بطبيعة الحال، استنساخ النموذج الصيني في الأردن؛ فلكل دولة ظروفها وإمكاناتها وخصوصيتها الاقتصادية والاجتماعية، وإنما الاستفادة من الخبرة الصينية في التخطيط طويل الأمد، وتطوير البنية التحتية، وجذب الصناعات، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات الإنتاجية.جريدة الدستور الأردنية

ومن هنا تبرز أهمية لقاءات جلالة الملك مع ممثلي كبرى الشركات الصينية خلال الزيارة، فالانتقال بالعلاقة من المستوى السياسي إلى المستوى الاقتصادي يحتاج إلى التواصل المباشر مع الشركات التي تمتلك رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والقدرة على تنفيذ المشاريع.جريدة الدستور الأردنية

كما يستطيع الأردن أن يقدم نفسه بوابة للمساهمة في مشاريع التنمية وإعادة الإعمار في المنطقة مستقبلاً، مستفيداً من موقعه الجغرافي واستقراره وعلاقاته الإقليمية والدولية، وهي مساحة يمكن أن تلتقي فيها المصالح الأردنية مع الاهتمام الصيني بالمنطقة.جريدة الدستور الأردنية

ومع ذلك، ينبغي الاعتراف بأن الأردن لم يصل حتى الآن إلى مستوى الاستفادة القصوى من علاقته الاقتصادية مع الصين، وهذا تحديداً ما يمنح الزيارة الحالية أهمية إضافية؛ إذ توفر فرصة لإعادة تعريف هذه العلاقة والانتقال بها من مرحلة الإمكانات والوعود إلى مرحلة المشاريع والاستثمارات ذات الأثر المباشر.جريدة الدستور الأردنية

 ولذلك، فإن المقياس الحقيقي لنجاح البعد الاقتصادي للزيارة بما سيحدث بعدها: كم اتفاقية ستتحول إلى مشروع؟ وكم استثماراً صينياً سيصل فعلياً إلى المملكة؟ وكم فرصة عمل ستُخلق؟ وكم من التكنولوجيا والخبرة ستنتقل إلى الاقتصاد الأردني؟.جريدة الدستور الأردنية

 الصين تعيد اليوم رسم جانب مهم من طرق التجارة والاستثمار التي تربط الشرق بالغرب، و«الحزام والطريق» إحدى أبرز أدواتها لتحقيق ذلك. والأردن، بموقعه واستقراره وعلاقاته وشراكته القائمة مع بكين، يمتلك فرصة لأن يكون جزءاً أكثر فاعلية من هذه الخريطة.جريدة الدستور الأردنية

قبل أكثر من ألفي عام، كان طريق الحرير يعبر المنطقة حاملاً تجارة الشرق إلى الغرب، واليوم يرسم طريق الحرير الجديد مسارات مختلفة للاستثمار والتكنولوجيا والتنمية.جريدة الدستور الأردنية

وبين الطريق القديم و«الحزام والطريق» الحديث، يقف الأردن أمام فرصة ينبغي ألا يكتفي بمراقبتها وهي تمر من حوله، بل أن يحجز لنفسه مكاناً عليها، وأن يحول علاقته مع «التنين الصيني» من علاقة تجارية وسياسية مهمة إلى شراكة استثمارية وإنتاجية تترجم إلى مشاريع وفرص عمل وتنمية ملموسة ومستدامة.جريدة الدستور الأردنية

جميع الحقوق محفوظة.

لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.

اقرأ أيضا: عزيز مرقة يتألق بأغانى أحلى واحدة وموالى فى حفل مهرجان القلعة

‫0 تعليق