
لم يكن ختام الدورة الأولى من مهرجان دمشق
الدولي للشعر العربي مجرد ليلة احتفالية بالشعراء والقصيدة، بل تحوّل بالنسبة إلى
الشاعر والكاتب اليمني عامر السعيدي إلى لحظة استحضار موجعة لوطن بعيد، بعدما
باغته النشيد الوطني اليمني في أحد مطاعم العاصمة السورية، فأجهش بالبكاء على
اليمن وصنعاء وما وصفه بـ “ضياعنا وخساراتنا وحظنا التعيس”.
اقرأ أيضا: جامعة جرش تحتفي بأداء القسم لخريجي كلية الصيدلة للفصل الصيفي
وفي تدوينة نشرها عقب عودته من المهرجان،
روى السعيدي تفاصيل ليلة امتزجت فيها أجواء الاحتفال السوري بذاكرة اليمن الجريح،
قائلا إن الأسبوع الذي قضاه في دمشق انتهى بعشاء جمع عددا من المشاركين والأصدقاء،
قبل أن تتحول الأجواء تدريجيا إلى غناء جماعي ورقص ودبكة على وقع أناشيد الثورة
السورية.
ويقول السعيدي إن السوريين في المطعم
اندفعوا إلى الغناء الجماعي والرقص “بروح تكاد تلمس السماء التاسعة”،
قبل أن يحدث ما لم يكن يتوقعه: انطلق النشيد الوطني اليمني: “رددي أيتها
الدنيا نشيدي”.
وتقول الكلمات الرسمية للنشيد الوطني
اليمني، بحسب القانون اليمني، “رددي أيتها الدنيا نشيدي، ردديه وأعيدي وأعيدي”،
وهو النشيد الرسمي للجمهورية اليمنية، من كلمات الشاعر عبد الله عبد الوهاب نعمان.
(وزارة التربية والتعليم اليمنية)
لحظة صمت وسط الاحتفال
يروي السعيدي أن سماع النشيد “صعقه”،
فوقف إلى جانب الشاعر اليمني يحيى الحمادي، كما وقف الحاضرون جميعا احتراما للنشيد. لكن اللحظة التي كان يفترض
أن تكون احتفالية تحولت إلى مشهد شخصي شديد القسوة.
يقول السعيدي إنه حاول أن يقاوم دموعه حتى
انتهى النشيد، قبل أن ينسحب إلى زاوية من المطعم، حيث “انفجر قلبي وصدري
وعيوني بالدموع”.
ولم تكن دموعه، بحسب وصفه، حزنا عابرا أو
حنينا عابرا إلى وطن بعيد، وإنما اختزالا لسنوات من الحرب والانقسام والشتات
والخسارات التي عاشها اليمنيون.
وكتب الشاعر اليمني أنه بكى “حسرة على
اليمن”، وبكى على “ضياعنا.. على خساراتنا.. على حظنا التعيس”، وعلى
كل لحظة شتات ويتم وخيبة وأمل.
وبينما كان السوريون يحتفلون بما يرونه عودة
لبلادهم إلى الحياة، وجد الشاعر اليمني نفسه أمام سؤال مؤلم: لماذا لا يستطيع
اليمنيون أن يعيشوا اللحظة ذاتها في صنعاء؟
يقول السعيدي في تدوينته: “تمنيت لو أن
اليمن عادت كما عادت سوريا، لو كنا نحتفل في صنعاء كما نحتفل في دمشق”.
دمشق التي أعادت فتح جرح صنعاء
تكتسب هذه اللحظة دلالتها من المكان الذي
وقعت فيه. فالسعيدي لم يكن في دمشق
في رحلة شخصية عادية، وإنما كان أحد المشاركين في الدورة الأولى من مهرجان دمشق
الدولي للشعر العربي، الذي أقيم تحت شعار “الشعر يبدأ من دمشق”، بمشاركة
نحو 55 شاعرا وأديبا وإعلاميا من 16 دولة عربية، وشمل أمسيات شعرية وندوات
وفعاليات ثقافية وفنية. (قناة المملكة)
وكانت الدورة الأولى من المهرجان جزءا من
مشهد ثقافي سوري يسعى إلى استعادة حضور دمشق بوصفها إحدى أهم العواصم العربية في
تاريخ الشعر والثقافة.
وفي افتتاح المهرجان، تحدث وزير الثقافة
السوري محمد ياسين الصالح عن استعادة دمشق مكانتها حاضنة للشعر ومنبرا للثقافة
العربية، فيما شهدت فعاليات المهرجان مشاركة شعراء من دول عربية عدة، بينها اليمن.
(صحيفة الوطن السورية)
ومن المفارقات الإنسانية التي التقطها
السعيدي أن يكون في مدينة تحاول أن تستعيد عافيتها الثقافية بعد سنوات طويلة من
الحرب، بينما يحمل معه ذاكرة وطن لا يزال عالقا في حربه وانقسامه.
وهكذا أصبحت دمشق، في تلك الليلة، مرآة
لليمن أكثر منها مجرد محطة ثقافية. فبينما كان السوريون يغنون ويحتفلون، كان الشاعر اليمني يرى في المشهد
احتمالا لمستقبل بلاده.
“بكيت على اليمن”
لا يخفي السعيدي في تدوينته أن الدموع غلبته
أمام أصدقائه، لكنه لا يقدمها باعتبارها لحظة ضعف، بل باعتبارها تعبيرا عن علاقة
عميقة بالوطن.
يقول: “أبكاني حبي لليمن، خوفي على
اليمن، وشوقي إلى صنعاء”. وفي هذا التعبير تختصر التدوينة المسافة بين الشاعر
والسياسي؛ فاليمن هنا لا يظهر كعنوان سياسي أو ملف إقليمي، وإنما كبيت مفقود،
وكمدينة تستدعيها الذاكرة من خلال النشيد.
ولعل قوة المشهد تكمن تحديدا في أن النشيد
الوطني، الذي غالبا ما يتحول في المناسبات الرسمية إلى طقس بروتوكولي، استعاد في
تلك اللحظة معناه الأكثر بساطة وعمقا: الوطن.
فالنشيد اليمني نفسه يحمل في كلماته مفردات
الوحدة والشهيد والأرض والهوية، وينتهي بتأكيد بالغ الدلالة: «وسيَبقى نبض قلبي
يمنيا، لن ترى الدنيا على أرضي وصيا». (وزارة التربية والتعليم اليمنية)
وهو ما يجعل سماعه في لحظة اغتراب، وفي بلد
عربي عاش تجربة حرب وانقسام، قادرا على استدعاء طبقات كاملة من الذاكرة.
دموع عابرة للحدود
لكن السعيدي لم يبك وحده. يقول إن الشاعر السوري أنس
الدغيم، الذي كان برفقته، احتضنه بعد أن رآه يبكي، مشيرا إلى أن “أنس رجل
بكاء يشبه قلبي”.
ثم تحولت اللحظة الشخصية إلى مشهد تضامن
عربي؛ إذ يقول السعيدي إن أصدقاءه من سوريا والأردن وتونس والكويت والمغرب أحاطوا
به، وعانقوه وواسوه، مؤكدين له أن اليمن “ستعود كما عادت سوريا”.
وهنا تتجاوز الحكاية حدود تجربة شاعر واحد. فما حدث في ذلك المطعم
الدمشقي يعكس صورة مصغرة عن علاقة الشعوب العربية ببعضها، وعن قدرة الألم المشترك
على إسقاط الحدود السياسية.
سوريون يواسون يمنيا لأنه بكى وطنه، ويمني
يرى في عودة دمشق أملا لعودة صنعاء، وشعراء عرب يتعاملون مع دموع شاعر باعتبارها
قضية إنسانية لا تخص بلده وحده.
وقد حمل المهرجان نفسه رسائل مشابهة، إذ لم
يقتصر على القراءات الشعرية، بل قدم دمشق باعتبارها فضاء لإعادة وصل الشعراء العرب
بالمدينة التي ظلت حاضرة في الذاكرة الأدبية العربية.
من احتفال دمشق إلى سؤال صنعاء
تكشف تدوينة السعيدي، في جانب آخر، عن
المفارقة الصعبة التي يعيشها اليمنيون في ظل استمرار الحرب والانقسام.
فاليمن، الذي كان يفترض أن يكون فضاء لوطن
موحد، لا يزال يعيش واحدة من أكثر أزماته تعقيدا، فيما تتحول صنعاء بالنسبة إلى
كثير من اليمنيين إلى مدينة تحمل معنى يتجاوز المكان: عاصمة الوطن الغائب،
والمدينة التي تستدعيها الذاكرة كلما ارتفع صوت النشيد.
ومن هنا يبدو أن سؤال السعيدي لم يكن مجرد
أمنية شخصية حين كتب: “لو كنا نحتفل في صنعاء كما نحتفل في دمشق”. إنه
سؤال أوسع: هل يمكن أن يأتي يوم يصبح فيه اليمنيون قادرين على تحويل نهاية الحرب
إلى بداية جديدة، كما يتمنى شاعر يراقب من دمشق مشهدا كان يود أن يراه في صنعاء؟
اقرأ أيضا: عجلون : بلدية الشفا تخصص 500 ألف دينار لمشاريع خدمية في مناطقها
لا يقدم السعيدي إجابة سياسية، لكنه يقدم
صورة إنسانية مكثفة عن ثمن استمرار الانقسام: وطن يتحول إلى نشيد، وعاصمة تتحول
إلى حنين، وذاكرة تبحث عن مناسبة صغيرة كي تستعيد كل ما فقدته.
الشعر في مواجهة الحرب
ولأن الحكاية وقعت في مهرجان شعري، فإنها
تطرح أيضا سؤالا عن الدور الذي يمكن أن يؤديه الشعر في زمن الحروب.
فمهرجان دمشق الدولي للشعر العربي قدم نفسه
منذ البداية باعتباره مناسبة لإعادة الاعتبار للقصيدة باعتبارها حافظة للذاكرة
العربية ووسيلة للتواصل بين الشعوب والثقافات. (تلفزيون سوريا)
لكن ما حدث مع السعيدي منح هذه الفكرة معنى
عمليا. فالقصيدة لم تكن هذه المرة
نصا على منصة، والنشيد لم يكن فقرة احتفالية، وإنما تحولا إلى وسيلة لاستعادة وطن
كامل.
والشاعر، الذي جاء إلى دمشق ليقرأ قصائده،
وجد نفسه في نهاية الرحلة يكتب قصيدته الأكثر صدقا من دون وزن أو قافية: دموعه.
وقد اختصر ذلك في عبارة شديدة الكثافة حين
قال إن تلك الدموع كانت “بطعم تراب وماء وهواء اليمن”.
“شكرا للدموع التي أعادت تعريف الوطن”
وفي ختام تدوينته، وجه السعيدي الشكر إلى
دمشق وإلى أصدقائه الذين وقفوا إلى جانبه، كما وجه الشكر إلى القصائد والعناقات
وإلى كل من حمل “المحبة والنبل والدعاء لليمن”. كما استعاد مقطعا أرسلته
إليه الشاعرة السورية مارية الرفاعي، قال إنه أعاد إليه الدموع نفسها.
لكن أكثر ما يلفت في خاتمة الشاعر قوله: “شكرا
للدموع التي أعادت تعريف الوطن في حدقات الأعين ونبض القلوب”. وربما تكون هذه
الجملة هي خلاصة الحكاية كلها. فالوطن بالنسبة إلى الشاعر اليمني لم يكن في تلك الليلة حدودا على
خريطة أو اسما في نشيد رسمي، وإنما كان وجعا شخصيا ظهر فجأة في عاصمة عربية أخرى.
كانت دمشق تحتفل بعودة صوتها الثقافي، بينما
كان شاعر يمني يبكي لأنه يريد لليمن أن تعود هي الأخرى.
وفي المسافة بين المدينتين، بدا الشعر وكأنه
يؤدي وظيفته القديمة: أن يحفظ ما تعجز السياسة عن حفظه، وأن يمنح الفقد لغة، وأن
يجعل من الحنين إلى الوطن شهادة حيّة على أن الأوطان قد تتشظى في الواقع، لكنها
تظل مكتملة في قلب من يحبها.
وفي ليلة دمشق الأخيرة، لم يكن النشيد
اليمني مجرد نشيد. كان، بالنسبة إلى عامر
السعيدي، صوت صنعاء وهي تنادي من بعيد.
اظهار أخبار متعلقة
اقرأ أيضا: بلدية كفرنجة الجديدة تباشر بتنفذ عبارة صندوقية لتصريف مياه الأمطار طريق المركز الصحي
