لم يكن صوت «الدلّال» في سوق السمك مجرد نبرة تعلو لتعلن سعراً، ولا وسيطاً يقف بين بائع ومشترٍ مقابل عمولة محدودة، بل كان جزءاً من ميزان السوق نفسه، فالدلال الذي عاش المهنة وعرف البحر والصيادين ومواسم الوفرة والشح، كان يمتلك من الخبرة ما يجعله قادراً على قراءة قيمة الصيد قبل أن تبدأ المزايدة عليه، يعرف كم كلف الصياد خروجه إلى البحر.
اقرأ أيضا: مدرسة محمد بن راشد.. قادة يصنعون قادة
ويدرك متى تكون الكميات وفيرة ومتى تصبح نادرة، ويعرف في المقابل حدود السعر، فتتشكل بين هذه الأطراف معادلة لا تقوم على الربح وحده، بل على قدر من الإنصاف يحفظ للسوق توازنه.
لكن هذه المعادلة تغيرت تدريجياً مع تراجع المواطنين عن ممارسة المهنة، حتى أصبح وجودهم شبه غائب في سوق بحجم سوق الواجهة البحرية في دبي، فيما انتقلت «الدلالة» بصورة واسعة إلى جنسيات مختلفة، ومع هذا التحول.
يرى صيادون أن التغيير امتد إلى مفهوم المهنة نفسها، إذ أصبح بعض الدلالين، بحسب وصفهم، أقرب إلى دور التاجر عبر شراء الأسماك من الصياد بسعر يضمن لهم هامش ربح مرتفعاً، ثم إعادة طرحها للمزايدة بسعر أعلى، ليصبح الفارق بين ما يحصل عليه الصياد وما يدفعه المشتري مساحة لتحقيق الربح للدلال نفسه.
هذا الواقع دفع صيادين في دبي إلى المطالبة بإعادة تنظيم المهنة، وتهيئة المجال لعودة المواطنين إلى ساحات المزاد، باعتبار ذلك خطوة تعيد التوازن إلى حلقة مؤثرة في اقتصاد سوق الأسماك واستدامتها، وتحفظ للصياد حقه وتراعي المستهلك.
وتكتسب هذه الدعوات بعداً اقتصادياً أيضاً، فسوق الواجهة البحرية وما يستقبله من كميات كبيرة من الأسماك المحلية والمستوردة، قادر وفق تقديرات صيادين، على توفير دخل يومي للدلال قد يتجاوز 2000 درهم، بما يجعل المهنة فرصة مجزية لجذب المواطنين والأجيال الجديدة.
«البيان» استمعت إلى آراء الصيادين والقائمين على مهنة الصيد، ورصدت أسباب غياب المواطنين في «الدلالة»، ومطالب الصيادين بإعادة تنظيمها، وأثر تعزيز مشاركة المواطنين فيها في تحقيق معادلة أكثر إنصافاً بين الصياد والمستهلك، إلى جانب دور سوق الواجهة البحرية في دبي في إحياء المهنة والحفاظ عليها.
معرفة متبادلة

وقال جمال المري، نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الصيادين في دبي، إن وجود الدلال المواطن في سوق الأسماك كان يشكل على مدى سنوات طويلة ضمانة حقيقية للصياد، لأن العلاقة بين الطرفين لم تكن محكومة بالبيع والشراء فقط، وإنما بمعرفة متبادلة بطبيعة المهنة وتكاليفها والجهد الذي يسبق وصول الأسماك إلى ساحة المزاد، وهو ما كان ينعكس بصورة مباشرة على تقدير قيمة الصيد ومنح صاحبه السعر الذي يستحقه.
وأشار إلى أن الدلال كان يتعامل مع الأسماك باعتبارها حصيلة رحلة بدأت قبل ساعات أو أيام من وصولها إلى السوق، وتحمل خلالها الصياد تكاليف القارب والوقود والعمالة ومخاطر البحر.
ولذلك لم يكن تحديد السعر منفصلاً عن هذه التفاصيل، بل كان قائماً على معرفة حقيقية بظروف الصيد وحالة السوق والكميات المتوافرة، بما يحقق عائداً مقبولاً للصياد ويحافظ في الوقت ذاته على سعر متوازن للمستهلك.
وأوضح المري أن المشهد تغير مع غياب المواطنين في هذه المهنة، وانتقالها إلى جنسيات أخرى، إذ بات الصياد بحسب وصفه، أمام منظومة تسعى إلى تعظيم مكاسبها من عملية البيع، من خلال الضغط على سعر الأسماك عند استلامها منه، ثم رفع قيمتها عند طرحها في السوق، لتتسع بذلك الفجوة بين عائد الصياد والسعر الذي يصل إلى المستهلك.
وأشار إلى أن استمرار هذا الوضع لا ينعكس على دخل الصياد فقط، وإنما يمس جدوى مهنة الصيد نفسها، لأن شعور الصياد بأن حصيلة تعبه لا تقدر بصورة عادلة يضعف الحافز على الاستمرار فيها، مؤكداً أن إعادة التوازن إلى «الدلالة» تمثل جزءاً أساسياً من حماية الصياد والحفاظ على استدامة المهنة التي تدعم منظومة الأمن الغذائي.

من جانبه قال النوخذة محمد السويدي، إن غياب الشفافية في مهنة «الدلالة» قد يضع الصياد في بعض الأحيان أمام واقع يضطر فيه إلى بيع محصوله بسعر لا يغطي تكلفة رحلة الصيد، في ظل ما وصفه بوجود توافق بين عدد من الدلالين الموجودين في السوق على شراء الأسماك من الصيادين عند مستويات سعرية منخفضة.
وأوضح أن الصياد قد يبيع الكيلوغرام من أحد أنواع الأسماك بنحو 35 درهماً، ثم يفاجأ بعد لحظات بعرض الأسماك نفسها على منصات «دكات البيع» بسعر يصل إلى 60 درهماً للكيلوغرام، وهو فارق كبير يذهب لمصلحة «الدلال»، في وقت يتحمل فيه الصياد تكاليف ومشقة الوصول لتوفير الأسماك.
وأكد السويدي أن مثل هذه الممارسات تضعف الحافز لدى الصياد للاستمرار في المهنة، وقد تدفعه إلى البحث عن قنوات أخرى لتسويق صيده خارج سوق الأسماك، وتحمله أعباء إضافية لا يفترض أن تقع على عاتقه.
مشدداً على أن سوق السمك وجد أساساً ليكون منصة لتسويق إنتاج الصيادين وبيعه بصورة عادلة، وليس مساحة لاحتكار عمليات الشراء أو التحكم في الأسعار على حساب جنسيات معنية، مطالباً بإعادة تنظيم مهنة «الدلالة» ووضع آليات واضحة وشفافة لعمليات البيع والمزايدة، بما يضمن حصول الصياد على سعر عادل لمحصوله، ويحد من الممارسات التي قد تؤدي إلى التحكم في الأسعار، ويحفظ حقوق جميع الأطراف داخل السوق.

بدوره، قال النوخذة محمد بطي، إن مهنة «الدلالة» تقوم في أصلها على حصول الدلال على نسبة بسيطة ومحددة يتم الاتفاق عليها مقابل إتمام عملية البيع، سواء من البائع أو المشتري، إلا أن مفهومها تغير اليوم بصورة كبيرة، وتحولت بحسب وصفه، إلى شكل من أشكال الاحتكار، عبر شراء الأسماك من الصياد بأسعار منخفضة وإعادة بيعها بفارق كبير.
وأوضح أن «الدلالين» المتواجدين اليوم في سوق السمك بدبي يحققون من عملية مزايدة واحدة ربحاً يتجاوز 500 درهم، ما يعني أن تكرار عمليات البيع على مدار اليوم يمكن أن يوفر دخلاً مجزياً يصل لـ 3000 درهم وربما أكثر، وهو عائد قادر على جذب المواطنين إلى المهنة.
مؤكداً أن عدداً من الصيادين أبدوا استعدادهم للعودة إلى «الدلالة»، شريطة تنظيمها بصورة أكبر وقصر ممارستها على المواطنين دون منافسة الدلالين من الجنسيات الأخرى. وفي الوقت الذي يطالب فيه صيادون في دبي بإعادة تنظيم مهنة «الدلالة» ووضع ضوابط أكثر وضوحاً لعمليات البيع والمزايدة بما يحفظ حقوق الصياد.
وتفاعلاً مع مطالب الصيادين بتوطين مهنة «الدلال»، رحب سوق الواجهة البحرية في دبي بحرص الصيادين على تعزيز حضور المواطنين في هذه المهنة، مبدياً استعداده لدعم مشاركتهم وتوفير البيئة التي تمكنهم من ممارسة أعمالهم، مؤكداً أن دعم مشاركة المواطنين يعد إحدى الأولويات القصوى للسوق، في إطار التزامه بتحقيق الاستدامة طويلة الأمد لقطاع الصيد المحلي وتمكين الجيل القادم من الكفاءات الإماراتية.
أطر تنظيمية

قال محمد المدني، المدير المشارك في سوق الواجهة البحرية، إن السوق يحتضن أكبر سوق لمزادات الأسماك في دولة الإمارات، حيث يتم تداول ما يقارب 120 ألف طن من المأكولات البحرية سنوياً عبر عمليات المزادات التي يستضيفها.
والتي تخدم مئات الصيادين والتجار والمشترين يومياً. وأوضح أن 73 % من الشركات المسجلة لمزاولة مهنة الدلالة هي شركات إماراتية، بما يعكس الأهمية المستمرة لهذه المهنة ضمن التراث البحري للدولة، ومشاركة المواطنين الفاعلة في هذا القطاع العريق.
اقرأ أيضا: دراسة حديثة: معادلة جديدة لحساب عمر الكلب مقارنة بعمر الإنسان
وأشار إلى أن الدلالين يعملون وفق متطلبات الترخيص والأطر التنظيمية المعتمدة من الجهات الحكومية المختصة، موضحاً أنه يتعين على الراغبين في الحصول على تصريح لمزاولة المهنة تقديم المستندات المطلوبة.
والتي تشمل رخصة تجارية سارية المفعول مرتبطة بتجارة الأسماك والهوية الإماراتية، ونسخة من جواز السفر، وبعد استيفاء المتطلبات التنظيمية والحصول على الموافقات اللازمة، يمكن للمتقدم البدء بمزاولة المهنة بصفته دلالاً مرخصاً.
وأكد المدني أن سوق الواجهة البحرية يواصل التزامه بتوفير الفرص التي تسهم في تحقيق الاستدامة طويلة الأمد لقطاع الصيد المحلي وتمكين الجيل القادم من الكفاءات الإماراتية، مشدداً على أن دعم مشاركة المواطنين يمثل إحدى الأولويات القصوى للسوق. وأضاف، أن السوق يوفر بيئة متكاملة ومصممة خصيصاً لتمكين الدلالين من ممارسة أعمالهم بكفاءة، من خلال صالات مخصصة للمزادات، وبنية تحتية متطورة، ومنصات للبيع، إلى جانب الخدمات التشغيلية المساندة.
وأشار إلى أن السوق يواصل العمل بشكل وثيق مع الجهات الحكومية المعنية ومجتمع الصيادين لتشجيع مشاركة المواطنين، والحفاظ على تقاليد الصيد المتوارثة، وضمان استمرار ارتباط الأجيال بهذه المهنة العريقة.
نموذج مختلف في إدارة المهنة

تقدم تجربة سوق الأسماك في دبا الفجيرة نموذجاً مختلفاً في إدارة المهنة، يقوم على تحديد دور الدلال كوسيط للبيع بالمزاد العلني، وفصله عن عملية شراء الأسماك وإعادة بيعها، ضمن آلية تشرف عليها جمعية الصيادين.
وفي هذا السياق قال سليمان الخديم، رئيس جمعية صيادي دبا الفجيرة، إن مهنة «الدلالة» في الفجيرة بدأت تستقطب عدداً من المواطنين الذين تمكنوا من تحقيق نجاح فيها، في ظل وجود آلية واضحة تنظم عمل الدلال وتحفظ حقوق الصيادين والمشترين على حد سواء.
وأوضح أن مهنة «الدلالة» تم تنظيمها بصورة أكثر احترافية، بحيث يقتصر دور الدلال على عرض الأسماك وبيعها من خلال مزاد علني، دون أن يتحول إلى مشترٍ ينافس المتعاملين أو يتحكم في الأسعار، مقابل رسم يبلغ 10 دراهم على البائع كقيمة لفاتورة البيع، إلى جانب نسبة تصل إلى 5 – 10 % تستوفى من المشتري.
وأشار إلى أن هذه الرسوم والنسب تعود إلى الجمعية، ويتم الاستفادة منها في تنظيم عملية البيع وتغطية التكاليف المرتبطة بها، بما في ذلك دفع الراتب الشهري للدلال، الأمر الذي يجعل مهمته محددة في إدارة المزاد وإتمام عمليات البيع، ويضمن للصياد عرض محصوله وبيعه في بيئة تتسم بالوضوح والشفافية.
وأكد الخديم أن تنظيم المهنة بهذه الآلية يمنح الصياد قدراً أكبر من الثقة في عملية البيع، إذ تعرض الأسماك أمام المشترين في مزاد علني، بما يتيح الوصول إلى السعر المناسب وفق العرض والطلب، ويحافظ في الوقت ذاته على حقوق مختلف الأطراف.
تسعير الأسماك
وأضاف، أن تسعير الأسماك يتم وفق آلية تشرف عليها جمعية الصيادين، انطلاقاً من معرفة القائمين عليها بأسعار الأسماك وحركة السوق ومواسم الصيد وتفاوت كميات المعروض من موسم إلى آخر، بما يسهم في الوصول إلى أسعار تراعي مصلحة الصياد والمشتري، وتحافظ على استقرار السوق، وتقدم نموذجاً أكثر تنظيماً وشفافية لممارسة مهنة الدلالة.
%73
من الشركات المسجلة للدلالة إماراتية
2000
درهم عوائد يومية تضع «الدلالة» بين المهن المجزية للمواطنين
تسعيرة الأسماك تحت الهيمنة وهامش ربح الدلال يرسم السعر
توافق الدلالين على الأسعار يدفع الصياد للبيع دون تكلفة الرحلة
غياب الإنصاف في تسعير الصيد يهدد بعزوف الصيادين عن البحر
اقرأ أيضا: فى ذكرى ميلاده.. علامات بارزة فى مشوار حسين كمال جمعت بين العمق والجماهيرية
