خنق الدنيا باسم الدين – جريدة الوطن السعودية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ليس أشدَّ على الدين من خصمٍ يجهله، إلا صديقٍ يضيّق عليه ما وسَّعه الله. فالخصم يريد أن يهدمه، وأما ذلك الصديق فيريد أن يحرسه حتى يختنق؛ يحيط النور بالأسوار حتى لا يتسرّب منه شيء، فإذا به يحول بين الناس وبينه، ثم يظن أنه ما فعل إلا أن أحسن الحراسة.

اقرأ أيضا: سياسيون: حديث الملك عبر وكالة “شينخوا “يعكس رؤية لتعميق الشراكة الاقتصادية الأردنية الصينية

فالدين في أصله نورٌ يفتح للروح نوافذها، فإذا حمله بعض الناس على أكتافهم كأنهم يحملون جدارًا، جعلوا من الرحابة ضيقًا، ومن الهداية رقابة، ومن التقوى خوفًا دائمًا من الوقوع في شيء لم يُحرَّم.

وما أكثر ما يُخنق الدين لا بإنكاره، وإنما بالإفراط في تمثيله؛ إذ يُحمّل ما لا يحتمل، وتُجعل كل صغيرةٍ معركةً في التقوى، وكل عادةٍ مقياسًا للصلاح، وكل اختلافٍ في الفروع ميزانًا للإيمان. حتى تضيق في النفس مساحة المباح، وتتسع دائرة الممنوع، ويغدو الإنسان كأنه يمشي في حياته بين ألغامٍ من الشبهات، يخشى أن يخطو خطوةً إلا وسأل: أهذه مما يرضي الله، أم مما يسخطه؟

وليس الورع أن تخاف من كل شيء؛ وإنما أن تعرف ما الذي ينبغي أن تخافه. وليس التدين أن تجعل الحياة كلها موضع ريبة، وإنما أن تعرف أين ينتهي المباح ويبدأ الحرام.

فإذا تحول الاحتياط إلى فلسفةٍ للحياة، رأى المرء العالم كله من ثقب المنع؛ فلا يبصر من الحلال إلا ما نجا من الحرام، ولا من الجمال إلا ما سلم من الشبهة، ولا من الناس إلا ما يستوجب التقويم. وحينئذ لا يعود الدين ميزانًا للحياة، بل تصبح الحياة نفسها متهمةً في ميزان التدين.

وهنا يقع الخلط الأكبر: بين الدين كما أنزله الله، والدين كما يراه الإنسان.

فالنص مقدس، أما فهم النص فاجتهاد؛ والحكم الإلهي حق، أما تنزيل الإنسان له فليس معصومًا. فإذا سقط هذا الفارق من الوعي، لبس الرأي ثوب الوحي، واكتسبت العادة هيبة الشريعة، وصار ما تستثقله النفس «حرامًا»، وما تألفه «سنة»، وما يختلف فيه الناس «ضلالًا».

وهكذا لا يعود الإنسان يسأل: ماذا قال الله؟ بل ماذا قال الذين يتكلمون باسم الله؟

وهذه لحظة خطرة؛ لأن الإنسان قد يبدأ حينها بحراسة صورته عن الدين، لا بحراسة الدين نفسه.

ولعل من أعجب صور هذا التدين أن ينشغل المرء بتفتيش حياة الآخرين أكثر من تفتيش قلبه؛ فيرى عيوب الثياب قبل عيوب النفوس، ويتتبع الجزئيات قبل الكبائر الخفية، ويشتد في مسائل تحتمل الخلاف، ثم يمر على الكبر والغلظة وسوء الظن وكأنها من صغائر الأمور.

كأن الدين قد جاء ليهذب هيئة الإنسان، لا ليهذب الإنسان.

وما أقسى أن تتحول العبادة من طريقٍ إلى الله إلى منظارٍ لمراقبة الخلق.

قوة الدين ليست في ارتفاع الصوت باسمه، ولا في كثرة الأشياء التي نمنعها، وإنما في قدرته على أن يصنع قلبًا أصدق، ونفسًا أرحم، وعقلًا أعدل. فالقسوة ليست قوة، والتشهير ليس غيرة، ورفع الصوت ليس برهانًا؛ وربما كان أعجز الناس عن الإقناع أكثرهم حاجةً إلى التخويف.

الدين الذي يدخل القلب لا يحتاج دائمًا إلى أن يرفع صوته؛ فالنور لا يثبت نفسه بالصراخ، والماء لا يحتاج إلى خصومةٍ لكي يروي.

لكن ذلك لا يعني أن نذيب الأحكام في أهوائنا، أو نجعل الرحمة بابًا لإلغاء التكليف؛ فالدين ليس تيسيرًا بلا حدود، كما أنه ليس تشديدًا بلا نهاية. إنما هو ميزان: يضع كل حكم في موضعه، وكل خلاف في حجمه، وكل مباح في سعته، فلا يجعل من الهامشي أصلًا، ولا من المختلف فيه عقيدة، ولا من الاحتياط شريعةً عامة.

ومن أعمق صور الفقه أن تعرف ما الذي لا يحق لك أن تحرمه.

فحين تقول: «هذا حرام»، أنت لا تصف ذوقك، بل تنسب حكمًا إلى الله. ولهذا كانت كلمة التحريم أعظم من أن تكون ترجمانًا للنفور الشخصي، أو للعادات، أو للخوف، أو لما لم نألفه.

قد تكره شيئًا، وليس بحرام. وقد تستقبح أمرًا، وليس بمعصية. وقد لا يناسبك طريقٌ في الحياة، وليس من حقك أن تغلقه على غيرك باسم الدين. فليس كل ما ضاق به صدرك ضاق به الشرع، وليس كل ما خالف مألوفك خالف الحق.

وهنا تظهر مفارقة شديدة الدلالة: قد يريد الإنسان أن يعظّم الدين فيزيد عليه، فيكون من حيث أراد حمايته قد اعتدى على حدوده.

لأن الدين لا يحتاج إلى أقفالٍ نضعها نحن على أبوابه، ولا إلى حراسةٍ تجعل بين الناس وبينه مسافاتٍ من الخوف. بل ربما كان من تمام الأمانة أن نترك بعض الأبواب مفتوحة؛ لأن الله تركها مفتوحة، وأن نعترف بجهلنا حيث نجهل، وبالخلاف حيث اختلف أهل العلم، وبالمباح حيث أبقى الشرع الأمر في دائرة الإباحة.

اقرأ أيضا: ‘انطلاق معسكر الجداريات في مركز شابات دير علا

فليس كل بابٍ لم يغلقه الله ينتظر منا أن نغلقه. وليس كل فسحةٍ في الشريعة فراغًا ينبغي أن نملأه بالتحريم.

في سعة المباح معنى عظيمًا: أن الله لم يرد للإنسان أن يكون آلةً تتحرك بين الأوامر والنواهي، بل أراد له مساحةً يعمر فيها الأرض، ويختار، ويجتهد، ويذوق الجمال، ويعيش إنسانيته، دون أن يتجاوز حدوده.

فالدين لا يريد أن يقتل الدنيا، وإنما يريد أن يمنع الدنيا من أن تقتل المعنى في الإنسان. لم يأتِ ليحارب الجمال، بل ليمنع الجمال من أن يصبح معبودًا. ولم يأتِ ليحارب الفرح، بل ليمنع الفرح من أن يتحول إلى غفلة. ولم يأتِ ليحارب المتعة، بل ليمنع المتعة من أن تستعبد صاحبها. وهذه هي المسافة التي تضيع حين يتحول التدين إلى تضييق: الفرق بين تهذيب الحياة وإلغاء الحياة.

وما أحوجنا إلى تدينٍ يرد الإنسان إلى الله، لا إلى الخوف من الناس؛ وإلى علمٍ يزيد صاحبه تواضعًا، لا سلطة؛ وإلى ورعٍ يجعله أشد خوفًا من أن يظلم باسم الله من أن يُخالف رأيه.

فليس من تعظيم الدين أن نجعل آراءنا مقدسة، بل أن نعرف قدر أنفسنا أمام المقدس. وليس من نصرة الشريعة أن نضيف إلى حدودها حدودًا من عندنا، بل أن نقف حيث وقفت، فلا نتقدم عليها باسم الغيرة، ولا نتأخر عنها باسم الهوى.

أخطر ما يفعله خنق الدنيا باسم الدين أنه لا يخنق الحياة وحدها؛ بل قد يخنق صورة الدين في النفوس. فالذي لا يرى في الدين إلا المنع، لن يعرف كيف يرى فيه الرحمة. والذي لا يسمع منه إلا التخويف، قد لا يفهم معنى السكينة. والذي يُقدَّم له الله دائمًا في صورة الغاضب المتربص، قد يصعب عليه أن يرى جلال الرحمة التي وسعت كل شيء.

وهنا تكون الخسارة أفدح من مجرد تضييقٍ في العادات؛ إذ يصبح الدين نفسه، في وعي بعض الناس، أضيق من أن يتسع للحياة.

ولذلك فليس السؤال دائمًا: كم شيئًا حرّمنا؟

بل السؤال الأعمق: كم شيئًا جعلناه يبدو حرامًا لأننا لم نعرف كيف نفهم الدين إلا من خلال المنع؟

فالدين أوسع من نزواتنا، وأرحب من عاداتنا، وأعمق من خلافاتنا؛ ومن ظن أنه يحرسه بخنق الحياة، فقد نسي أن النور لا يُحفظ بإغلاق النوافذ، وأن الشجرة لا تُحمى من الريح بخنق أغصانها.

إنما يُصان الدين بأن يُفهم كما أُنزل، ويُحمل كما ينبغي، ويُعاش كما يليق؛ لا بأن نضيّق على الخلق حتى يضيقوا به، ولا بأن نجعل من رحابة السماء قفصًا من صنع أيدينا.

فما ضاقت الدنيا بالدين، ولكنها ضاقت حين ضيّق بعض الناس فهمهم للدين، ثم نسبوا ضيقهم إلى الله.

اقرأ أيضا: ترامب” يدعو إسرائيل لوقف ضرب غزة.. و”نتنياهو” يشترط نزع سلاح “حماس

‫0 تعليق