
قال الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، إن الأرقام الحكومية الأخيرة الخاصة بتأسيس الشركات في مصر كشفت عن تطور لافت في نشاط القطاع الخاص، بعدما شهد النصف الأول من عام 2026 تأسيس نحو 26 ألف شركة جديدة، بزيادة تقارب الـ 20% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما بلغت رؤوس الأموال المصدرة لهذه الشركات نحو 97.5 مليار جنيه.
اقرأ أيضا: عمرو الليثي ينعى عمرو محمد علي: كان مثالًا للاحترام والأخلاق – الأسبوع
وأكد “الجوهرى”، أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في عدد الشركات الجديدة فقط، وإنما في توقيتها، إذ تأتي بعد فترة شهد فيها الاقتصاد المصري سلسلة واسعة من الإصلاحات المتعلقة بالاستثمار والمنافسة وسعر الصرف ودور الدولة في النشاط الاقتصادي، ما يطرح سؤالاً رئيسياً، هل بدأ الاقتصاد المصري بالفعل الانتقال من مرحلة الإصلاحات التشريعية والتنظيمية إلى مرحلة ظهور نتائجها على النشاط الاستثماري الحقيقي؟
1008 إجراءات لدعم القطاع الخاص
وأردف “الجوهرى”،:” بحسب البيانات الحكومية، نفذت الدولة خلال الفترة من مايو 2022 وحتى ديسمبر 2025 نحو 1008 إجراءات إصلاحية لدعم القطاع الخاص، شملت السياسة النقدية وتعزيز مرونة سعر الصرف، وتحسين بيئة الاستثمار، وتشجيع الصناعة، وتعزيز المنافسة والحياد التنافسي، وإصلاح الأطر القانونية والتنظيمية والمؤسسية، إلى جانب تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، وتشير البيانات المنشورة حول وثيقة سياسة ملكية الدولة إلى أن نحو 69.7% من الإجراءات الإصلاحية تركزت في تحسين بيئة الأعمال والأطر القانونية والتنظيمية، وهو ما يعكس حجم التركيز الحكومي على إزالة العقبات أمام الاستثمار الخاص”.
ماذا يعني تأسيس 26 ألف شركة؟
وشدد الخبير الاقتصادى، على أن أرقام تأسيس الشركات الجديدة تكتسب أهميتها، لأنها تمثل أحد المؤشرات التي يمكن استخدامها لقياس استجابة مجتمع الأعمال لهذه الإصلاحات، مشيراً إلى أن السؤال الذى يجب طرحه في هذه الحالة هو ماذا يعني تأسيس 26 ألف شركة؟، مردفاَ: “اقتصادياً تأسيس هذا العدد من الشركات خلال ستة أشهر يعني دخول ما يقرب من 4300 شركة جديدة شهرياً في المتوسط، أي نحو 200 شركة في كل يوم عمل تقريباً، كما أن وصول رؤوس الأموال المصدرة إلى 97.5 مليار جنيه يعني أن متوسط رأس المال المصدر حسابياً يبلغ نحو 3.75 مليون جنيه للشركة الواحدة ، لكن هذا المتوسط يجب التعامل معه بحذر، لأن وجود عدد محدود من الشركات ذات رؤوس الأموال الكبيرة يمكن أن يرفع المتوسط بصورة واضحة، وبالتالي فإن الحكم الأكثر دقة يحتاج إلى معرفة توزيع الشركات الجديدة وفقاً لحجم رأس المال والقطاع والنشاط والمحافظة، والأهم أن رأس المال المصدر لا يعني بالضرورة أن 97.5 مليار جنيه تم ضخها بالكامل بصورة فورية في الاقتصاد، فهناك فارق بين رأس المال المصدر ورأس المال المدفوع والاستثمارات الفعلية التي يتم تنفيذها على الأرض”.
الرقم إيجابي.. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التأسيس
وأكد أن زيادة تأسيس الشركات بنسبة 20% تمثل مؤشراً إيجابياً على تحسن شهية المستثمرين للدخول إلى السوق، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على حدوث طفرة استثمارية، فالاقتصاد لا يستفيد من عدد الشركات المسجلة بقدر استفادته من الشركات التي تبدأ النشاط فعلياً وتنتج وتوظف وتصدر وتستثمر، وتابع:”لذلك فإن المؤشر الأكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة سيكون الإجابة عن عدة أسئلة، كم شركة من الـ26 ألف شركة بدأت التشغيل الفعلي؟ وكم فرصة عمل وفرتها؟ وما حجم استثماراتها المنفذة؟ وما نسبة الشركات الصناعية والتكنولوجية والتصديرية منها؟ وكم شركة استطاعت الاستمرار بعد عامين أو ثلاثة أعوام من تأسيسها؟هنا فقط يمكن الانتقال من قياس معدل تأسيس الشركات إلى قياس الأثر الاقتصادي الحقيقي للشركات.
القطاع الخاص وقاطرة النمو
وأضاف “الجوهرى”، أن سياسة ملكية الدولة تستهدف في جوهرها إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، بحيث تتحول الحكومة تدريجياً من منافس مباشر في عدد من الأنشطة إلى منظم ومحفز وشريك للقطاع الخاص، وقد أسفرت المرحلة الأولى من سياسة ملكية الدولة عن تنفيذ 19 صفقة ضمن برنامج الطروحات الحكومية بحصيلة مباشرة بلغت نحو 5.86 مليار دولار، إلى جانب مشروعات مشاركة وتمويلات تنموية موجهة للقطاع الخاص.
وأكد الجوهرى أن تأسيس عشرات الآلاف من الشركات الجديدة يمكن النظر إليه باعتباره جزءاً من صورة أكبر، تتمثل في محاولة زيادة وزن الاستثمار الخاص داخل الاقتصاد المصري، مضيفاً: “ولكن الشركات الجديدة إنتاجية أم خدمية؟هذه واحدة من أهم النقاط التي يجب التوقف أمامها ، فليس كل نمو في تأسيس الشركات يحمل الأثر الاقتصادي نفسه، إذا تركزت الشركات الجديدة في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات القابلة للتصدير والطاقة واللوجستيات، فإن تأثيرها سيكون أكبر على الناتج المحلي والتشغيل والصادرات وتوفير النقد الأجنبي، أما إذا تركز الجزء الأكبر منها في التجارة والوساطة والخدمات محدودة القيمة المضافة، فسوف يكون تأثير الرقم على القدرة الإنتاجية للاقتصاد أقل كثيراً، لذلك فإن نوعية الـ26 ألف شركة أهم اقتصادياً من مجرد عددها”.
وأشار إلى أن سهولة تأسيس الشركات خطوة مهمة، لكن المستثمر ينظر إلى دورة الاستثمار بالكامل، لذلك هو يهتم بسهولة الحصول على الأرض والتراخيص والطاقة والتمويل، وسرعة الإفراج الجمركي، واستقرار السياسات الضريبية، وإمكانية تحويل الأرباح، وتوافر النقد الأجنبي، ووضوح القواعد المنظمة للمنافسة، وسرعة تسوية المنازعات.
اقرأ أيضا: “تعليم الإسكندرية”: السيطرة على حريق محدود دون خسائر بإدارة غرب التعليمية
97.5 مليار جنيه.. رقم يحتاج إلى قراءة مختلفة
ولفت الخبير الاقتصادى إلى أن حجم رؤوس الأموال المصدرة للشركات الجديدة يمثل مؤشراً مهماً، لكنه يصبح أكثر دلالة عند مقارنته بحجم الاستثمار الخاص الفعلي وتكوين رأس المال الثابت، فالهدف النهائي ليس زيادة القيمة القانونية لرؤوس أموال الشركات، وإنما تحويل هذه الأموال إلى مصانع وخطوط إنتاج ومراكز تكنولوجية ومشروعات سياحية ولوجستية وزراعية وخدمية قادرة على خلق قيمة مضافة، وهنا يظهر التحدي الأكبر أمام السياسة الاقتصادية المصرية خلال السنوات المقبلة، وهو الانتقال من جذب المستثمر إلى تأسيس الشركة إلى جذب المستثمر إلى تنفيذ الاستثمار والتوسع وإعادة استثمار الأرباح.
فرصة حقيقية أمام الاقتصاد المصري
وأكد أنه رغم هذه التحفظات فإن نمو تأسيس الشركات بنسبة 20% خلال النصف الأول من 2026 يظل مؤشراً يستحق الاهتمام، خصوصاً أنه يأتي بعد سنوات اتسمت بتحديات كبيرة شملت نقص العملة الأجنبية وارتفاع التضخم وأسعار الفائدة وزيادة تكاليف الإنتاج واضطرابات التجارة العالمية، وتابع:”وإذا استطاعت الحكومة الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي، واستكمال سياسة مرونة سعر الصرف، وتحقيق حياد تنافسي حقيقي، وتسريع برنامج التخارج والطروحات، وتسهيل التراخيص، وخفض تكلفة التمويل تدريجياً، فإن الشركات التي يتم تأسيسها اليوم يمكن أن تتحول إلى قاعدة استثمارية وإنتاجية أوسع خلال السنوات المقبل”.
اقرأ أيضا: محافظ أسوان: توريد 532 ألفا و836 طن قمح
