حين يجف النيل الأزرق: سد النهضة والسودان واختبار الأمن المائي المصري

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

قد لا تكون أخطر
لحظة في أزمة سد النهضة هي لحظة قيام السد على النيل الأزرق، ولا يوم بدأت إثيوبيا
توليد الكهرباء منه؛ الأخطر هو اليوم الذي ينخفض فيه منسوب النيل الأزرق نفسه،
بينما يكون السودان غارقاً في حربه، وتظل قواعد تشغيل السد خارج اتفاق ملزم، عندها
فقط ستظهر حقيقة المعادلة التي تتعامل معها مصر منذ أكثر من عقد.

اقرأ أيضا: صندوق الاستثمارات العامة يحقق نموًا قياسيًا في الأرباح والعوائد لعام 2025

فالسد لم يعد
مشروعاً إثيوبياً لتوليد الكهرباء يمكن مناقشة آثاره الفنية فحسب، لقد أصبح أداة
قوة في يد دولة المنبع، داخل إقليم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، من السودان إلى
البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وهنا تكمن مشكلة
مصر الحقيقية، فمصر لم تكن تجهل خطر السد عندما بدأ إنشاؤه، بل إن المواقف المصرية
قبل سنوات من اكتماله كانت تدرك حساسية المشروع، ووصل الخطاب في عهد الرئيس الأسبق
محمد مرسي عام 2013 إلى طرح خيارات شديدة التصعيد بعد إعلان إثيوبيا تحويل مجرى
النيل الأزرق. وفي الاجتماع الذي عُقد في حزيران/يونيو من ذلك العام وظهر على
الهواء من دون علم المشاركين، طُرحت أفكار لتخريب المشروع واستخدام القوة، بينما
قال مرسي لاحقاً إن “كل الخيارات مفتوحة” للدفاع عن مياه مصر.

لم تكن تلك
السياسة بالضرورة أفضل أو أكثر واقعية، لكنها تكشف شيئاً لا ينبغي تجاهله اليوم:
مصر كانت تعرف مبكراً أن المسألة ليست سداً لتوليد الكهرباء، وإنما تغيراً محتملاً
في ميزان القوة المائي.

من رفض المشروع
إلى قبول الأمر الواقع

في آذار/مارس
2015 وقعت مصر والسودان وإثيوبيا إعلان
مبادئ
بشأن سد النهضة. والوثيقة لم تكن اتفاقاً نهائياً
لتقاسم مياه النيل، ولم تمنح إثيوبيا تفويضاً مفتوحاً لتشغيل السد كما تشاء، لكنها
نقلت التعامل المصري من مرحلة الاعتراض على المشروع إلى مرحلة التفاوض حول كيفية
إدارة واقع أصبح موجوداً. وقد أكد مجلس الأمن لاحقاً أهمية إعلان المبادئ، بما
يتضمنه من تعاون وحسن نية واحترام مبادئ القانون الدولي.

وهنا تبدأ
المساءلة السياسية الحقيقية؛ لم تكن القاهرة عندما وقعت الإعلان تجهل حجم السد أو
موقعه أو أهمية النيل الأزرق، كانت تعرف أن الخطر الأكبر لن يظهر بالضرورة أثناء
السنوات العادية، وإنما عندما تتزامن عملية التخزين والتشغيل مع سنوات جفاف ممتد.
لذلك فإن السؤال ليس ببساطة: لماذا سمحت مصر لإثيوبيا ببناء السد؟ فإثيوبيا كانت
قد بدأت البناء بالفعل، وكان من الصعب افتراض أن القاهرة تستطيع إيقاف المشروع
بسهولة من دون تكلفة عسكرية وإقليمية هائلة؛ لكن السؤال الأدق هو: لماذا لم تجعل
مصر الحصول على قواعد ملزمة للتشغيل في سنوات الجفاف شرطاً حاسماً قبل انتقال السد
من مشروع قيد الإنشاء إلى منشأة قادرة على تغيير تدفقات النيل؟

هنا يمكن فهم ما
يعتبره منتقدو الموافقة على الاتفاقية خطأً استراتيجياً كبيراً: ليس مجرد
“الموافقة على بناء السد”، وإنما الانتقال إلى إدارة الأمر الواقع من
دون نجاح في انتزاع الضمان القانوني الذي كانت القاهرة تعرف أنها تحتاج إليه.

وهذا فارق مهم؛ فإعلان
المبادئ لم يكن في ذاته اتفاقاً على إضرار مصر، لكنه أصبح جزءاً من مسار سياسي لم
تتمكن القاهرة خلاله من تحويل مبادئ التعاون إلى قواعد تشغيل ملزمة. وفي هذه
الأثناء، كان البناء في السد يتقدم وبمرور الوقت أصبحت المفاوضات تجري حول مشروع
قائم، بدلاً من مشروع يمكن تغيير شروطه قبل اكتماله.

سنوات الوفرة
أخفت جانباً من المشكلة

المفارقة أن
السنوات التي أعقبت بدء الملء لم تكن بالضرورة أفضل سنوات لاختبار الخطر. بدأت
مراحل ملء سد النهضة الرئيسية في 2020 و2021 و2022، وتشير دراسة علمية اعتمدت على
ثمانية أنواع من بيانات الاستشعار عن بُعد إلى أن الزيادة في التخزين عبر الخزانات
التي شملتها الدراسة خلال فترة الملء ارتبطت أساساً بزيادة الأمطار والفيضانات،
التي تراوحت بين 6 و10 في المئة. كما لم ترصد الدراسة تغيرات كبيرة في مساحة خزاني
الروصيرص ومروي خلال الفترة المدروسة، في حين ارتفعت مساحة بحيرة ناصر وتوشكى
قليلاً.

هذه النتائج لا
تعني أن السد لم يكن له أثر، كما لا تسمح بالقول إن كل تغير في تدفقات النيل خلال
تلك السنوات سببه السد، لكنها تكشف مفارقة سياسية مهمة: الفيضان يستطيع أن يخفي
جزءاً من أثر التخزين.

عندما تكون
المياه وفيرة، تستطيع المنظومة المائية في دول المصب امتصاص قدر أكبر من التغير في
التدفقات. ولذلك استفادت مصر خلال عدد من المواسم من ظروف مائية مواتية، ولم يظهر
السد بالصورة التي كان يمكن أن يظهر بها لو تزامنت عمليات الملء مع سلسلة طويلة من
سنوات الشح.

وهذا يفسر لماذا
لا ينبغي استخدام الفترة 2021-2025 وحدها للحكم على الخطر المستقبلي. فالخطر الذي
يقلق مصر ليس أن السد “يحجز المياه” في كل سنة، الخطر هو أن يصبح التحكم
في توقيت المياه أكثر أهمية تحديداً عندما تقل المياه الطبيعية. وهنا تبدأ المشكلة
الحقيقية.

النيل الأزرق:
الجفاف هو الاختبار

خلصت دراسة
منشورة في Journal
of Hydrology
على الفارق بين سنوات الوفرة
وسنوات الجفاف. ففي سيناريو افتراضي يستمر فيه ملء سد النهضة بالمعدلات نفسها خلال
أربع سنوات من الجفاف، قدرت الدراسة أن إمدادات مصر المائية من النيل قد تنخفض
بنحو 35.47 في المئة، بما يعادل قرابة 16.57 مليار متر مكعب سنوياً، مع ما قد
يترتب على ذلك من خسائر كبيرة في الأراضي الزراعية ضمن السيناريو الذي حاكته
الدراسة. وهذه الأرقام لا تمثل توقعاً مؤكداً لما سيحدث في الواقع، وإنما نتيجة
لمحاكاة علمية لسيناريو محدد يجمع بين استمرار الملء وظروف جفاف ممتدة.

وتكمن أهمية
النتيجة في أنها تكشف طبيعة الخطر أكثر مما تقدم تنبؤاً بالمستقبل. ففي سنوات
الوفرة، تستطيع زيادة التدفقات الطبيعية أن تخفف أثر التخزين؛ أما عندما تتراجع
الموارد المائية، فإن طريقة تشغيل السد تصبح أكثر حساسية بالنسبة إلى كمية المياه
التي تصل إلى دولتي المصب. لذلك فإن مرور سنوات الملء والفيضانات من دون أزمة
مائية حادة لا يعني أن الخطر قد اختفى، بل يعني أن الظروف الهيدرولوجية الأكثر
صعوبة لم تختبر المنظومة بعد.

وهذا التمييز
ضروري، فليس كل انخفاض في المياه سببه سد النهضة، وليس كل جفاف سيؤدي إلى النتيجة
نفسها، لكن اجتماع الجفاف مع التخزين يجعل النظام أكثر حساسية.

ففي سنة الفيضان،
يمكن للمياه الوفيرة أن تغطي جزءاً من أثر التخزين. أما في سنة جفاف، فإن كل مليار
متر مكعب يصبح مهماً، وكل قرار بشأن التخزين أو التصريف يصبح أكثر تأثيراً.

لذلك فإن أخطر
سؤال في ملف السد لم يعد: كم ملأته إثيوبيا؟ بل: كيف ستتصرف عندما لا تكفي مياه
النيل الأزرق لتلبية احتياجات الجميع؟ وهنا تحديداً تظهر مشكلة التشغيل المنفرد.

حين يصبح توقيت
المياه جزءاً من القوة

في أيلول/سبتمبر
2025، أعلنت وزارة
الموارد المائية والري المصرية أن التصرفات الخارجة من السد
الإثيوبي بلغت نحو 485 مليون متر مكعب في 10 أيلول/سبتمبر، ثم ارتفعت بصورة مفاجئة
إلى 780 مليون متر مكعب في 27 أيلول/سبتمبر، قبل أن تنخفض إلى نحو 380 مليون متر
مكعب في 30 أيلول/سبتمبر. وقالت الوزارة إن انخفاض منسوب بحيرة السد بنحو متر
يعادل قرابة ملياري متر مكعب، بخلاف التدفقات الناتجة عن الفيضان الطبيعي.

لا تثبت هذه
البيانات أن كل تغير في المياه الذي شهدته دولتا المصب نتج عن سد النهضة، لكنها
تؤكد أن طريقة تشغيل السد أصبحت عاملاً مؤثراً في حجم وتوقيت المياه التي تصل إلى
أسفل النهر. وهذا بالضبط ما كانت مصر تخشاه، فالسد يمنح إثيوبيا شيئاً لم يكن
موجوداً بهذه الصورة من قبل: قدرة كبيرة على التحكم في التخزين والتصريف في جزء
شديد الأهمية من النيل الأزرق.

وفي سنوات
الوفرة، قد لا تبدو هذه القدرة خطيرة. أما في سنوات الجفاف، فإنها تتحول من مسألة
فنية إلى “ورقة قوة ونفوذ استراتيجي”. ومن هنا يصبح التشغيل المنفرد
أخطر من مجرد الخلاف حول حجم الخزان.

السودان: من عنصر
توازن إلى فراغ استراتيجي

لو كان السودان
مستقراً وقادراً على إدارة منشآته المائية ومراقبة التدفقات وتبادل البيانات،
لكانت المعادلة مختلفة. لكن الحرب التي بدأت في نيسان/أبريل 2023 أضعفت مؤسسات
الدولة وأدخلت السودان في واحدة من أعقد أزمات المنطقة، بينما أصبح الصراع نفسه
ساحة لتدخلات إقليمية ودولية، مع تورط قوى خارجية متعددة في الأزمة، واتهامات
متبادلة بشأن دعم أطراف الحرب.

وبالنسبة إلى
مصر، لا يمثل هذا مجرد تهديد أمني على حدودها الجنوبية، بل إنه تهديد لبيئة إدارة
نهر النيل نفسها. فالسودان هو الدولة الواقعة بين السد ومصر، واستقراره المؤسسي
مهم لتشغيل السدود السودانية، ورصد التدفقات، وتبادل المعلومات، وحماية البنية
التحتية. وعندما تصبح الدولة ضعيفة، لا يختفي الخطر المائي؛ بل يصبح أقل قابلية
للتنبؤ؛ وهنا تتغير الحسابات المصرية جذرياً؛ السودان الذي كان يمكن أن يكون جزءاً
من توازن مائي بين القاهرة وأديس أبابا أصبح، بسبب الحرب، مصدراً إضافياً لعدم
اليقين.

إسرائيل
والإمارات: لا حاجة إلى نظرية مؤامرة لفهم النفوذ

في قراءة هذا
المشهد، من الخطأ القفز إلى القول إن إسرائيل أو الإمارات مولتا سد النهضة كمؤامرة
مصممة حصراً لابتزاز مصر، لكن الخطأ المقابل هو تجاهل البيئة الإقليمية التي يعمل
فيها السد. إسرائيل تنظر منذ عقود إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارهما
مجالاً استراتيجياً يتصل بأمنها وممراتها البحرية وعلاقاتها الإقليمية، وإثيوبيا
نفسها تحتفظ بعلاقات متعددة المستويات مع إسرائيل. أما الإمارات فقد أصبحت خلال
السنوات الأخيرة لاعباً شديد الحضور في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وتوضح العلاقات
الإماراتية الإثيوبية هذا التحول. ففي تموز/يوليو 2024 وقع البلدان اتفاق
مبادلة عملات تصل قيمته إلى 3 مليارات درهم، أو نحو
817 مليون دولار، إلى جانب ترتيبات لتعزيز التعاملات بالعملات المحلية وربط أنظمة
الدفع. فهذه ليست علاقة هامشية، وعندما نضعها إلى جانب الدور الإماراتي في السودان
وشبكة الاستثمارات والموانئ والعلاقات الأمنية في المنطقة، تصبح الصورة أكثر
تعقيداً.

هناك أيضاً
اتهامات متكررة للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وفي المقابل، ارتبطت مصر بعلاقات
وثيقة مع الجيش السوداني. وتؤكد تقارير دولية أن الحرب السودانية أصبحت بالفعل
جزءاً من تنافس إقليمي أوسع. وهنا لا تحتاج مصر إلى إثبات وجود “مؤامرة
موحدة” ضدها حتى تدرك المشكلة، يكفي أن تتقاطع مصالح عدة قوى بطريقة تخلق
بيئة أكثر ملاءمة لتحركات إثيوبيا وأكثر ضغطاً لمصر؛ إثيوبيا في المنبع، سودان هش
في المنتصف، ونفوذ إقليمي متزايد حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، هذه هي البيئة
الجديدة التي يجب أن تُقرأ فيها أزمة السد.

من التهديد
بالردع إلى إدارة الأمر الواقع

في تشرين الأول/
أكتوبر 2020، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال حديث عن النزاع، إن مصر قد “تفجر”
السد، وهو تصريح أثار اعتراضاً
إثيوبياً واتُهم بأنه يحرض على الحرب. هذا التصريح كان لافتاً
لسبب آخر: لقد أظهر أن “احتمال استخدام القوة كان حاضراً في الحسابات الدولية
في تلك اللحظة”، ومع ذلك، لم تستخدم مصر القوة. وهذا القرار قد يمكن فهمه من
زاوية واقعية تماماً، فاستهداف سد بهذا الحجم كان سيحمل مخاطر عسكرية وقانونية
وإنسانية هائلة، وقد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع إثيوبيا، وإلى تداعيات على السودان
والمنطقة بأكملها.

لكن السؤال الذي
يستحق البحث لا يزال قائماً؛ هل كانت لدى القاهرة في ذلك الوقت بدائل ردع إقليمية
وسياسية واقتصادية أكثر فاعلية من مجرد التفاوض؟

وهنا تدخل
العلاقة المصرية الإماراتية في التحليل، فلا توجد أدلة علنية كافية لإثبات أن
الإمارات طلبت من مصر عدم ضرب السد، أو أن القاهرة امتنعت عن استخدام القوة بسبب
“أوامر” إماراتية. لكن يمكن طرح السؤال بوجه آخر؛ هل أدى اعتماد مصر
المتزايد على الشراكة الإماراتية، بالتزامن مع العلاقات الإماراتية المتنامية مع
إثيوبيا ومصالح أبو ظبي الواسعة في القرن الأفريقي، إلى تضييق هامش الحركة
المصرية؟ فالنفوذ لا يعمل دائماً من خلال الأوامر المباشرة، أحياناً يعمل عبر
المصالح المتشابكة، وأحياناً عبر الاعتماد الاقتصادي، وأحياناً عبر رفع تكلفة
الخيارات التي يمكن لدولة ما اتخاذها.

المشكلة لم تعد
إثيوبيا وحدها، هذا هو الخطأ الذي يجب أن تتجنبه مصر الآن. فأزمة سد النهضة لم تعد
ملفاً بين مصر وإثيوبيا يمكن حله في غرفة المفاوضات؛ إنها أصبحت جزءاً من معادلة
أكبر تشمل السودان، والبحر الأحمر، والقرن الأفريقي، والاستثمارات الخليجية،
والمنافسة على الموانئ، والتحالفات الأمنية، والتغير المناخي.

اقرأ أيضا: عجلون : 220 شابا وشابة يشاركون في المعسكرات خلال اسبوعها الثامن .

ولهذا، فإن
التعامل مع السد كملف مياه منفصل كان أحد أوجه القصور في المقاربة المصرية. كان
ينبغي أن يُنظر إلى السودان منذ البداية باعتباره جزءاً من الأمن المائي المصري،
لا مجرد دولة جارة، وكان ينبغي أن تكون لمصر استراتيجية أعمق في شرق أفريقيا، لا
أن يظهر حضورها الإقليمي بصورة أكبر عندما تتفاقم الأزمات، وأن تدرك أن علاقتها مع
أي حليف إقليمي لا تعني بالضرورة تطابق مصالحه معها في كل ملف، وأن الأمن القومي
لا يُبنى على حسن النوايا.

كيف تستعيد مصر
هامش المناورة؟

لا تستطيع
القاهرة العودة إلى 2011؛ السد قائم، والتشغيل أصبح واقعاً، وإثيوبيا لن تتعامل
معه باعتباره مشروعاً يمكن التراجع عنه. لذلك فإن المعركة المقبلة يجب أن تكون حول
“إدارة القوة التي أصبح السد يمثلها”.

أولاً، تحتاج مصر
إلى الاستمرار في الضغط من أجل اتفاق ملزم، لكن مع التركيز بصورة أكبر على قواعد
الجفاف الممتد، وتبادل البيانات، والإنذار المبكر، وآليات التعامل مع السنوات
الاستثنائية.

ثانياً، يجب أن
يصبح استقرار السودان جزءاً صريحاً من استراتيجية الأمن المائي المصري. السودان
المستقر ليس مجرد مصلحة أمنية؛ بل إنه جزء من الأمن القومي المصري.

ثالثاً، تحتاج
مصر إلى إعادة بناء نفوذها في القرن الأفريقي والبحر الأحمر بأدوات اقتصادية
وسياسية وتنموية، لا أمنية فقط.

ورابعاً، يجب أن
تستعد مصر لاحتمال أن تصبح سنوات الشح أكثر تكراراً، عبر تقليل اعتماد اقتصادها
على التدفق الطبيعي للنيل وحده، وتحسين كفاءة الري وإعادة استخدام المياه وتطوير
مصادر بديلة مجدية، عبر رفع كفاءة استخدام المياه، والتوسع في إعادة استخدام مياه
الصرف الزراعي والصحي المعالجة، والاستثمار المدروس في تحلية مياه البحر للمناطق
الساحلية، إلى جانب الحد من فاقد شبكات الري وتحسين كفاءة الزراعة.

المعركة الحقيقية
ليست في الفيضان

قد يكون أكثر ما
ضلل النقاش المصري خلال السنوات الماضية هو أن السد لم ينتج، حتى الآن، الأثر
الكارثي الذي توقعه البعض في كل موسم، لكن هذا الاستنتاج يتجاهل طبيعة الخطر. السد
لا يحتاج إلى خفض تدفق النيل كل عام حتى يصبح خطراً، يكفي أن تكون له قدرة كبيرة
على التحكم في المياه “في اللحظة التي تصبح فيها المياه شحيحة”. ولهذا
فإن سنوات الوفرة بين 2021 و2025 لا ينبغي أن تمنح مصر شعوراً زائفاً بالأمان. لقد
استفادت البلاد من مواسم مائية مواتية، وفي الوقت نفسه كان السد يمتلئ ويصبح أكثر
قدرة على التحكم في التخزين والتصريف. فقد تكون سنوات الفيضان قد أخفت جانباً من
المشكلة، أما سنوات الجفاف فستكشفها.

هنا تتجمع
المخاطر الثلاثة التي ينبغي أن تكون في قلب التفكير الاستراتيجي المصري: سد النهضة
الذي يمنح إثيوبيا قدرة أكبر على التحكم في مورد مائي حيوي، وجفاف محتمل يضيّق
هامش المناورة أمام دولتي المصب، وسودان هش يفقد تدريجياً قدرته على أداء دوره في
إدارة النهر وحماية مصالحه المائية.

وعندما تضاف إلى
ذلك التحولات في موازين القوى بالقرن الأفريقي، واتساع نفوذ قوى إقليمية مثل
الإمارات، وتشابك المصالح الإسرائيلية والدولية في البحر الأحمر، يصبح من الصعب
النظر إلى سد النهضة باعتباره خلافاً فنياً أو نزاعاً ثنائياً بين القاهرة وأديس
أبابا. لقد أصبح السد جزءاً من معادلة أوسع للقوة والنفوذ في شرق أفريقيا والبحر
الأحمر، وأصبح أمن نهر النيل مرتبطاً، بصورة متزايدة، بمن يملك القدرة على التأثير
في البيئة الإقليمية المحيطة به

وهنا تحديداً
تتغير طبيعة التحدي أمام مصر: لم يعد المطلوب مجرد منع الضرر المائي، وإنما
الحيلولة دون تحول التحولات في موازين القوة الإقليمية إلى أمر واقع يفرض على
القاهرة حدود خياراتها المائية والاستراتيجية.

الخاتمة: هل
تستطيع مصر أن تستبق الجفاف؟

قد لا تكون
الكارثة التي تخشاها مصر حدثاً واحداً يمكن تحديده في يوم وساعة، أو سنة جفاف
واحدة، أو قراراً إثيوبياً منفرداً؛ الخطر الحقيقي قد يكون أبطأ من ذلك بكثير:
“تراكم سنوات الجفاف”، مع بقاء السد تحت إدارة منفردة، وتراجع قدرة
السودان على أداء دوره، واستمرار تغير ميزان القوى في القرن الأفريقي. وهذا هو
السبب في أن مراجعة السياسة المصرية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد محاكمة للماضي؛
نعم، كان على مصر أن تدرك مبكراً أن السد ليس مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، ونعم،
كان ينبغي أن يكون الانتقال من رفض المشروع إلى التعامل معه كأمر واقع مشروطاً
بضمانات أقوى وأكثر إلزاماً، وكان ينبغي أن تكون لمصر استراتيجية إقليمية أوسع من
المفاوضات المباشرة مع إثيوبيا، لكن ما حدث قد حدث، وما يمكن تغييره هو تعريف
الخطر.

فإذا كان سد
النهضة قد أصبح حقيقة مائية، فإن التحدي المصري الآن هو ألا يتحول إلى “حقيقة
سياسية تفرض على القاهرة قبول قواعد اللعبة التي لم تضعها”، فالمعركة المقبلة
ستكون حول ما إذا كان بإمكانها أن تستخدم قدرتها الجديدة على التحكم في النيل
الأزرق كورقة ضغط في سنوات الجفاف. وهنا لا تستطيع مصر أن تكتفي بإدارة أزمة السد،
عليها أن تدير “مخاطر النيل كلها”: من الهضبة الإثيوبية إلى السودان،
ومن السودان إلى الداخل المصري، ومن النهر إلى البحر الأحمر، ومن المياه إلى شبكة
التحالفات التي تعيد تشكيل المنطقة.

فالسؤال الذي
سيحدد مستقبل الأمن المائي المصري ليس ما إذا كان النيل سيجف غداً، السؤال هو:
“إذا جاء الجفاف، وكانت إثيوبيا تملك السد، وكان السودان هشاً، وكانت موازين
القوى الإقليمية قد تغيرت، فهل ستكون مصر قد بنت من الآن ما يكفي من القوة
السياسية والاقتصادية والمؤسسية حتى لا تتحول سنوات الجفاف إلى ابتزاز
استراتيجي؟”.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: 10 ملايين دينار حجم التداول في بورصة عمان

‫0 تعليق